على ترامب أن يُوقف هذه الحرب فورًا.. لماذا؟

إنّ نتائج حرب كتلك الدّائرة اليوم في الإقليم لا يمكن، بطبيعة الحال، مقاربتها بالعاطفة، ولا من خلال القناعات والانحيازات الأيديولوجية المسبقة. كما أنّها لا تُقرأ بسطحية خطاب ترامب مثلاً، ولا تُقاس بمنطق الربح والخسارة المباشرَين عادةً.. بل من خلال قراءة نسبيّة، مركّبة، عميقة - وهادئة طبعاً - تأخذ في الاعتبار الوقائع الفعلية، والتّحوّلات الواقعيّة التي فرضتها هذه الحرب على الأرض وفي السياسة وفي موازين الرّدع والقوّة.

من هذا المنطلق، ثمّة مجموعة من النقاط الأساسية التي ينبغي، برأيي، التوقف عندها بجدّية في هذه اللحظة تحديداً لتقييم ما يجري:

أولاً؛ يبدو واضحًا اليوم أنّ الهدف المُعلن أو بالأحرى الضّمني لهذه الحرب، بالنسبة إلى إدارة دونالد ترامب، قد شهد انتقالًا من مقولة اسقاط النظام الإيراني وسحق “الجمهوريّة الاسلاميّة”، إلى الحديث عمليّاً عن “محاولة فتح” مضيق هرمز. والمفارقة هنا هي أنّ هذا المضيق كان، أصلًا، مفتوحًا قبل هذه الحرب، وهي ملاحظة ذكية ومعبّرة نُقلت مثلاً عن وزير الدفاع الباكستاني نفسه.
هذا التّحوّل في مضمون الأمور لا في ظاهرها، ليس تفصيلًا صغيرًا، بل هو مؤشر بالغ الأهمية على تبدّل الأهداف، أو بالأحرى على تراجع السقف السياسي والعسكري بشكل دراماتيكيّ. ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا ما أضفنا إليه استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية النّوعيّة على أكثر من جبهة، وخصوصًا باتجاه “إسرائيل”، برغم الادعاءات الأميركية المتكررة بأن القدرة الصاروخية الإيرانية قد جرى تحييدها إلى حد كبير.

كما أنّ استمرار “اغلاق” مضيق هرمز عمليّاً، برغم الحديث الأميركي عن ضرب القوة البحرية الإيرانية أو شلّها، يطرح بدوره أسئلة كبيرة حول حقيقة الإنجاز العسكري المُعلن، وحول الفجوة المتزايدة بين الخطاب والواقع.

ثانياً؛ في ما يتعلّق بلبنان، شهدنا انتقالًا واضحًا من خطاب بنيامين نتنياهو الذي تحدّث، في مراحل سابقة، عن انتهاء أو تحييد تهديد حزب الله “لأجيال” ربّما.. إلى خطاب مختلف تمامًا يقوم على طمأنة المستوطنين، والقول بأنّ سيناريو دخول “حزب الله” إلى مناطقهم أو احتلاله أجزاء من الشمال ليس واقعيّاً اليوم. وهذا التّحوّل في ذاته هو بالغ الدّلالة.. بل هائل الدّلالة واقعاً.

فنحن اليوم عمليّاً أمام انتقال من منطق “انهاء التهديد” إلى منطق “احتواء الخوف”، ومن خطاب الحسم إلى خطاب التهدئة النفسية للجبهة الداخلية الإسرائيلية.. وإلى حدّ كبير. وهذا وحده يكفي ليُظهر حجم التبدّل الذي فرضته وتفرضه الوقائع الميدانيّة على الجبهة اللّبنانيّة.

ثالثاً؛ على مستوى الجبهة العراقيّة، انتقلنا واقعاً من مرحلة كان يجري فيها الحديث عموماً عن ضرورة تجريد “الحشد الشّعبيّ” من سلاحه، أو التّعامل معه عمليّاً باعتباره ملفّاً أمنيّاً-سياسيّاً يمكن احتواؤه ضمن ضغوط أو عبر تكتيكات سطحيّة وما إلى ذلك.. إلى مشهد مختلف جذريّاً، باتت فيه قوى “الحشد الشّعبيّ” جزءًا من معادلة اقليميّة أوسع، وقادرة على الانخراط في المواجهة الاقليميّة بل وتوسيع نطاقها، وصولاً إلى مهاجمة مواقع متعدّدة لجيوش مختلفة، منها جيوش دول تنتمي إلى حلف النّاتو (من دون ذكر الجيوش الأميركيّة طبعاً).

هذا التّحوّل لا يعبّر فقط عن سطحيّة المقاربات السّابقة وبُعدها عن الواقع، أيضاً في هذا المثال.. بل يكشف أنّ ما كان يُنظر إليه على أنّه ملفّ محلّيّ أو قابل للتّطويق بالطّرق المعتادة، أصبح عنصرًا من عناصر اعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

رابعاً؛ في اليمن، شهدنا ونشهد أيضًا تحوّلًا لا يقلّ دلالة وخطورة. فمن توصيف جماعة “أنصار الله” كقوة هامشية أو فرعية أو ثانوية، انتقلنا إلى مرحلة بات فيها كثيرون يتمنّون ألّا تدخل هذه الحركة في قلب المعركة اليوم. بل أكثر من ذلك، فقد صدرت مؤخّراً اشارات وتصريحات من بعض مسؤوليها وقياداتها توحي بأنّ أيّ تدخّل مقبل.. قد لا يقتصر على البحر أو الجوّ، بل قد يمتد إلى البرّ أيضاً. وهذه ليست مسألة عابرة، لأنّها تحمل، في قلبها، رسالة شديدة الخطورة إلى عدد من الدّول العربيّة التي قد تفكّر في الذهاب بعيدًا في هذه المواجهة، أو في الانخراط في خطوات قد تُدخلها في صدام واسع لا تملك القدرة على تحمّل نتائجه، وقد كانت الرسالة الأخيرة للمتحدث باسم “أنصار الله” بالغة الدلالة: “أيدينا على الزناد للتدخل إذا انضمت أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل”.

خامساً؛ ثمّة نقطة شديدة الحساسية تتعلق بدول الخليج. لقد انتقلنا عموماً من فرضيّة لطالما جرى الترويج لها، ومفادها أنّ القواعد الأمركية المنتشرة في الخليج وُجدت لحماية هذه الدول وضمان أمنها.. إلى واقع مغاير تماماً، باتت فيه هذه الدول عمليًا مطالبة بحماية تلك القواعد نفسها، بل وبتمويل حمايتها من أموالها وامكاناتها قريبة الأمد؛ وهذا انقلاب جذريّ وخطير في الصورة وفي الوظيفة وفي معنى “التحالف مع أميركا” نفسه.

فهذه القواعد، بدلاً من أن تكون عامل طمأنة، باتت عمليّاً، كما تكشف هذه الحرب، مصدر خطر كبير على الدّول المضيفة لها، لأنّها تحوّلت إلى أهداف مباشرة، وإلى عناصر استدراج للتهديد بدلاً من أن تكون عناصر ردع له.

وإلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل واقع أنّ بعض الدول الخليجية بات يواجه ربّما احتمالات اضطراب عميق، وعلى عدّة مستويات، فيما يخصّ اليوم التّالي للحرب بالأخصّ. وهذا تطوّر بالغ الخطورة، خصوصاً إذا ما تذكّرنا أنّ الخطاب الإعلامي والسياسي السائد قبل هذه الحرب كان يقدّم هذه الدول نفسها بوصفها واحات استقرار ونجاح اقتصاديّ ونماذج حصينة في المنطقة.

إقرأ على موقع 180  الصين تشقُ دربها نحو "عالم واحد بنظامين".. مع هاريس أم ترامب!

في الخلاصة، يمكن التوقف عند نقاط كثيرة أخرى، كما يمكن تقديم قراءات متعددة لمجريات ولنتائج هذه الحرب. ولكنّ النّقاط الأساسيّة التي تقدّم ذكرها تسمح بالقول إنّ إدارة الرئيس ترامب، ومعها حكومة نتنياهو، باتتا أمام خطر مأزق استراتيجي حقيقي، يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ويمسّ أصل الرهان السياسي الذي انطلقت منه هذه الحرب.

بل إنّ استمرار هذه الأخيرة على هذا النحو قد يدفعهما، على الأرجح، نحو هزيمة استراتيجية، ذات تداعيات عميقة ومؤثرة على صورة وواقع.. القوة والردع والهيبة في المنطقة وفي العالم.

والقراءة العقلانية الهادئة والعميقة للمشهد توحي، في نهاية المطاف، بأنّ ترامب لم يعد في الحقيقة يبحث عن “نصر” بالمعنى الذي بدأ به، بقدر ما بات يبحث عن مخرج. والأخطر هو أنّ محاولاته الأخيرة للتأثير في الأسواق المالية، وللتلاعب بالمزاج الاقتصادي والسياسي عبر رسائل متناقضة وتصريحات متسرّعة.. تبدو أقرب إلى سلوك استعراضي سطحي، بل إلى مشهد كاريكاتوري ومبتذل في بعض جوانبه، أكثر مما تعكس قدرة حقيقية على الإمساك بالتطورات أو توجيهها.

في المقابل، أظهر النظام الإيراني، حتى الآن، درجة لافتة للانتباه من الصمود والمرونة في حرب غير متكافئة كهذه، كما أظهر تماسكًا واضحًا في بنيته القيادية وفي منظومة القيادة والسيطرة، خلافًا لما توقّع كثيرون أو راهنوا عليه. والأكثر دلالة هو أنّ بعض التقنيات والقدرات العسكرية الإيرانية بدا مفاجئًا، ليس فقط على مستوى الخصوم، بل أيضًا على مستوى كثير من المراقبين الذين لم يكونوا يتوقّعون هذا القدر من الفاعلية أو هذا النوع من المفاجآت.

من هنا، ومن زاوية المصلحة الأميركيّة نفسها قبل أيّ اعتبار آخر.. يصبح، في اعتقادي، وقف هذه الحرب فوراً: ضرورة سياسيّة واستراتيجيّة لا تحتمل التأجيل، قبل الانزلاق إلى كارثة أكثر عمقاً وشموليّةً.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  فتور العلاقات الأردنية ـ السعودية.. ماذا بعد؟