النفط والدولار.. بداية فك الارتباط

تقول النظرية الاقتصادية الكلاسيكية إنه من المفترض أن يؤدي الارتفاع القياسي في أسعار النفط (يتراوح حاليًا بين 100 و110 دولارات للبرميل، ربطاً بأزمة مضيق هرمز) إلى إجبار الدول المستوردة على شراء المزيد من الدولارات، مما يُسبب ارتفاعًا آليًا في قيمة العملة الأميركية، إلا أنه في سياق العام 2026، يتسم هذا التوجه بتعقيد كبير، بل تتعارض معه عدة عوامل هيكلية، أبرزها التهرّب المتزايد من استعمال الدولار (شراء النفط باليوان أو مقايضته بالذهب أو السلع)، وهذا يُبين أن أزمة هرمز تُسرّع من وتيرة التخلي عن الدولار في تجارة الطاقة.

يمكن القول إن للعقوبات المفروضة على كوبا وروسيا وفنزويلا وإيران وكوريا الشمالية أثرًا عكسيًا؛ إذ تستخدم دول «البريكس» حاليًا عملة اليوان الصينية بكثافة لتسوية مشترياتها من النفط وتبادل السلع في ما بينها، وكذلك في عمليات البيع والشراء في أفريقيا. ولا يقتصر الهدف هنا على البعد الجيوسياسي، بل يتصل أساسًا بتفادي آثار العقوبات، حيث أن العملة الأميركية تُعد الأداة الرئيسية لفرضها. ففي ظل العقوبات، ينشأ نقص في الدولار داخل الأنظمة المصرفية للدول المستهدفة، ما يؤدي إلى تعطيل الحياة الاقتصادية اليومية فيها، كما حدث في سوريا وفنزويلا ويحدث الآن في كوبا.

إلى جانب اليوان، وُجدت وسائل دفع بديلة؛ فقد بدأت بعض الدول المستوردة، كاليابان، في استخدام نظام «المقايضة». فعلى سبيل المثال، اضطرت اليابان إلى دفع رسوم العبور أو الشحن بعملات أخرى (كالين أو اليورو) أو بالذهب، للحفاظ على استمرارية تجارتها وصناعتها.

ومع ذلك، فرغم أن الدولار لم يعد العملة العالمية المهيمنة على الأسواق العالمية، كما في السابق، فإنه ما يزال يتمتع بميزة «الملاذ الآمن»، لكن ضمن أفق زمني قصير جدًا.

يدعم هذا التوجه اضطرار الأسواق الناشئة في آسيا وأفريقيا إلى شراء النفط والبضائع فورًا من ناقلات النفط (ما يُعرف بـ«سفن الأشباح») التي تجوب البحار، وكذلك سعي الأسواق المستوردة إلى تأمين تدفق وارداتها. غير أن هذا الطلب الطارئ على الدولار لا يعكس قوة بنيوية، بل حالة اضطرارية مرتبطة بظروف السوق. هذا السعي المحموم وراء الدولار خلال هذه الفترة المضطربة يُرسي نمطًا جديدًا يُقوّض ما تبقى من العولمة، كما تُضعف هذه التبادلات «غير الطبيعية» عملات الدول الناشئة مقابل الدولار.

غير أن هذه المكاسب في قيمة الدولار تظهر دفتريًا، أي على مستوى الحسابات المالية فقط، لكنها تبقى مكاسب «غير مباشرة» اقتصاديًا. فهذا الانتعاش في قيمة الدولار هو انتعاش «تقني» لا يعكس بالضرورة أي إفادة حقيقية للاقتصاد الأميركي.

من الناحية الهيكلية، ونظرًا لعجز الموازنة الأميركية، يمكن القول إن الدولار ما يزال ضعيفًا؛ إذ فقد ما بين 9.4% و15% من قيمته الإجمالية منذ عام 2025، ويعود ذلك أساسًا إلى المخاوف المتعلقة بالتدخل السياسي في هذه العملة.

كما تشهد البنوك المركزية العالمية تحولًا استراتيجيًا يتمثل في تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية لصالح الأصول الملموسة، كالذهب. ففي آذار/مارس 2026، باعت البنوك المركزية في عدة دول سندات بقيمة تقارب 82 مليار دولار خلال شهر واحد، ما أدى إلى انخفاض مخزوناتها من هذه السندات إلى مستويات متدنية تاريخيًا. ويعكس هذا السلوك توجّهًا احترازيًا يهدف إلى تنويع المحافظ الاستثمارية والحد من المخاطر المرتبطة بالتضخم وتقلبات أسعار الفائدة.

تتمحور الأسباب الرئيسية وراء سحب الاستثمارات من سندات الخزانة الأميركية حول أربعة محاور:

  1. المخاطر الجيوسياسية،
  2. استخدام الدولار كأداة للعقوبات، مما يدفع المستثمرين إلى البحث عن أصول «خالية من المخاطر» كالذهب، الذي لا يمكن تجميده من قبل أي سلطة أجنبية،
  3. تجاوز الدين الأميركي 38 تريليون دولار بحلول عام 2026، وهو ما يثير قلق المستثمرين،
  4. السياسة التجارية التي تستخدم الرسوم الجمركية كسلاح سياسي، مع زيادات كبيرة تُفرض على حدود السوق الأميركية.

كما توجد أسباب سياسية أيضًا؛ فقد خفّضت الصين باستمرار حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية إلى نحو 680 مليار دولار، في حين بلغت احتياطياتها الرسمية من الذهب مستوى قياسيًا بلغ 2306 أطنان. وقد شجّع هذا التوجه دولًا آسيوية أخرى على انتهاج المسار نفسه، حتى وإن لم تكن قريبة سياسيًا من بكين.

عاملٌ آخر مرتبط بالأزمة الإيرانية، إذ تفضّل المصارف المركزية في عدد من البلدان، بهدف شراء النفط، استخدام احتياطياتها الحالية أو تسييل سندات الخزانة للحصول على سيولة فورية. وهذا السلوك، paradoxically، يعمّق الاتجاه التراجعي لقيمة الدولار بدل أن يعزّزه، ذلك أن إغلاق مضيق هرمز، مع تداعياته الجيوسياسية، يدفع الدول إلى البحث عن عملات بديلة لشراء هذا النفط المتنقل عبر المحيطات، وهو ما يحدّ من ارتفاع قيمة الدولار الأميركي.

في المحصلة، لا تعكس حركة الدولار اليوم قوة حقيقية بقدر ما تعكس اضطرابًا في النظام الذي أنتجه. فالعملة التي ارتفعت تاريخيًا بوصفها مرآة الهيمنة، باتت ترتفع الآن بوصفها نتيجة لأزمة. وبين طلبٍ اضطراري عليها ومحاولاتٍ متسارعة للالتفاف حولها، يتكشف تحوّل أعمق: العالم لا يستغني عن الدولار بعد، لكنه لم يعد يثق به كما كان. وهنا تحديدًا تبدأ مرحلة ما بعد الهيمنة، لا بانهيار مفاجئ، بل بتآكل بطيء من الداخل.

(*) بالتزامن مع “أخباربووووم“.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أوروبا نحو تكريس استدامة تبعيتها الغازية!
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الطريق إلى الحرب الثانية: الفاشية والنازية وأدواتهما الناعمة والخشنة (8)