مصر وهمُ الأمن القومي تجاه أخطر “إنزال” عثماني..

لا تريدُ الدولة المصرية تأكيداً عملانياً جديداً لصوابية نظرتها لتحديات الأمن القومي المصري، ولركائز مقاربتها للأمن القومي العربي، لكي تنتظر القرار العثماني الخطير بإرسال قوات تركية إلى ليبيا المجاورة والمفتوحة معها على آلاف الكيلومترات عبر صحراء لا يمكن ضبطها.

جعلت، مصر، الدولة المركزية العربية الأقوى، من مواجهة التدخلات غير العربية، وتحديداً الإيرانية والتركية، شعاراً من شعارات خطابها الرسمي بعد استلام الفريق عبد الفتاح السيسي سدة الحكم، إلى جانب الثوابت التي وضعتها مؤسسات القرار العميقة والمتمثلة بدعم الدولة “الوطنية”، أو القومية بالتعريف “الوستفالي”، والحفاظ على مؤسساتها وفي طليعتها الجيوش، ورفض التقسيم والتدخلات العسكرية لحل الأزمات العربية، فضلاً عن مواجهة الإرهاب والتطرف.

على أن التقييم المصري للتدخل الإيراني، وعلى الرغم من أهمية التحالف الراسخ مع السعودية والإمارات ومتانته، لم يرتقِ في حِدته إلى الدرجة نفسها التي ميّزت رفض مصر تدخلات تركيا المحكومة من حزبٍ “أخواني” إسلامي، وبطموح عثماني غير محدود، نظراً لمحددٍ أساسي هو البعد الداخلي في السياسة الخارجية المصرية والمرتكز إلى مواجهة جماعة “الأخوان المسلمين” واعتبارها تهديداً للأمن القومي، فضلاً عن الجانب البراغماتي الذي يجعل القاهرة لا تتردد في إيجاد مساحات مشتركة مع طهران وخاصةً في مقاربة الحرب في سوريا. من هنا، يمكن قراءة الأبعاد العميقة والمحورية في تأهب مصر الراهن إزاء وصول قوات تركية إلى جوارها، للمرة الأولى منذ اندحار السلطنة العثمانية عن شمال إفريقيا في الحرب العالمية الأولى.

ذلك أنه يمكن الدولة المصرية والسيسي ووراءهما المؤسسة العسكرية أن يذكِّروا الدول العربية اليوم وجامعتها العربية الحائرة والضائعة، بأسبقيةِ مصر في مواجهة الدور التركي المتعاظم عسكرياً وسياسياً في العالم العربي، من الشمال في العراق وسوريا، إلى دعم الأفرع “الأخوانية” وصولاً إلى التغلغل في السودان ودول القرن الإفريقي المنضوية في الجامعة العربية، لا بل تأكيد أن حربة العرب تبقى مصر مهما قويت شوكةُ الدول المؤثرة الأخرى، وخاصة على الصعيدين المالي والإقتصادي.

لم تتتوقف مصر عن مواجهة الدور التركي الأردوغاني سياسياً وإعلامياً سواء في مقاربتها للصراع السوري أو في الجوار الليبي، داعيةً إلى “تعريب” الحلول للبيئة العربية المتميزة بفوضى مدمرة فككت الدول ودمرت النسيج الإجتماعي وعززت “تفريخ” منظمات الإرهاب المستخدم إقليمياً ودولياً.

القاهرة لا تتردد في إيجاد مساحات مشتركة مع طهران وخاصةً في مقاربة الحرب في سوريا. من هنا، يمكن قراءة الأبعاد العميقة والمحورية في تأهب مصر الراهن إزاء وصول قوات تركية إلى جوارها، للمرة الأولى منذ اندحار السلطنة العثمانية عن شمال إفريقيا في الحرب العالمية الأولى

وبالتالي، تقف مصر اليوم أمام التحدي الأخطر في منظومة الصراعات في العالم العربي والجوار وشرق المتوسط، والذي سيكون دافعاً لمقاربة أكثر هجومية في الملف الليبي، ولو شابها الإستمرار في دعم الحلول السلمية عبر الحوار بين أفرقاء الصراع. فإلى الغرب من القاهرة، سيكون الخصم الأول للدولة المصرية تاريخياً منذ أيام الإشتباك بين الحثيين والفراعنة إلى انتفاضة محمد علي على “الباب العالي” ووصوله إلى الدولة العثمانية، على مقربة من الحدود الصحراوية المفتوحة، مع إمكانية نقل استخدام المنظمات المتشددة التي تم دعمها في الشمال السوري إلى البؤرة الليبية المفتوحة. يتعاظم هذا التهديد مع مخاطر استنهاض الحالة “الأخوانية” المصرية، والتي كانت السبب الأساس في توتر أردوغان الدائم إزاء القيادة المصرية الآتية بعد “ثورة 30 يونيو” من صفوف العسكر، ما يزيد من تحدي هذا الجموح التركي لمصر نظراً لتحوله بعداً داخلياً أيضاً. الجانب الآخر في هذا البعد الداخلي هو تعزيز شرعية النظام انطلاقاً من تأكيد صوابية القراءة الرسمية إزاء ترسيخ صورة “الأخوان المسلمين” على أنهم جماعة سياسية لا تتقيد بالحدود والإعتبارات الوطنية انطلاقاً من التزاماتها وتشابكاتها الإيديولوجية، خاصةً مع وجود “سلطان” جديد في أنقرة يحلم باستعادة الخلافة عبر استخدام كل العوامل الثقافية والدينية في خدمة القراءة الجيوبوليتيكية التوسعية لتركيا “العدالة والتنمية” كما نظّر لها ولو عبر مفهوم “القوة الناعمة”، وزير خارجيته السابق أحمد داوود أوغلو. يرفع من درجة التحدي إعادة إحياء الحالة “الأخوانية” التونسية عبر صناديق الإقتراع مجدداً، فتتحول تونس الرسمية إلى “كعب أخيل” بدعم التدخل التركي ضمنياً، وحتى مع “حيادٍ” مستغرب بين القوتين التركية والعربية.

تركيا في الغرب، والتهديد الأثيوبي من الجنوب عبر “سد النهضة”، فضلاً عن بقاء جرح سيناء ملتهباً تحت الجمر لأنها تبقى المساحة الإجتماعية والجغرافية الأكثر تهديداً للدولة المصرية تاريخياً، كما شرحها بكل وضوح جمال حمدان في درة الفكر الجيوبوليتيكي المصري “شخصية مصر في الزمان والمكان”

تركيا في الغرب، والتهديد الأثيوبي من الجنوب عبر “سد النهضة”، فضلاً عن بقاء جرح سيناء ملتهباً تحت الجمر لأنها تبقى المساحة الإجتماعية والجغرافية الأكثر تهديداً للدولة المصرية تاريخياً، كما شرحها بكل وضوح جمال حمدان في درة الفكر الجيوبوليتيكي المصري “شخصية مصر في الزمان والمكان”، ومن دون تجاهل الوضع العربي المتضعضع في المشرق والخليج من بوابة اليمن، صورة أكثر من مقلقة للمؤسسات الرسمية المصرية المرتكزة إلى أهم ثوابتها ومحدداتها وهو حماية “المركزية” التاريخية للدولة المصرية والتي لم تهتز طوال تاريخها السحيق، إضافةً إلى البعد “الوطني” للدولة، ما يعني استطراداً مواجهة الصبغات الدينية والمذهبية والإيديولوجية التي تجعل القوى والدول التي تحملها تشكل تهديداً قوياً للإستقرار.

مهما يكن من حجم التورط التركي في بؤرة جديدة بعد خسارة “العدالة والتنمية” رهاناته على إسقاط الدولة في سوريا، فإن مصر لا تعدم عناصر قوة كثيرة في جعبتها. أولها، ارتفاع فرص تعزيز المساحة المشتركة بين محاور ودول عربية معادية لجماعة “الأخوان”، إن مع الإمارات والسعودية، أو مع سوريا ضمناً، مع ما يعنيه ذلك من دافع إضافي لمصر لتقول لحلفائها الخليجيين “ألم أقل لكم” عن عبثية الصراع مع النظام السوري، بعدما أظهرت أولوية خيارها الأمني على تحالفاتها السياسية و”المالية” مع السعودية عشية إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي إزاء الصراع في سوريا في العام 2016. وإذا كان المشرق والخليج العربيين سيكونان ظهيراً قوياً لمصر في المعركة المفصلية مع “الإنزال” العثماني في الجارة ليبيا، مع الظهير الدولي المتمثل بروسيا التي نظرت إلى تدخل “الأطلسي” في ليبيا عام 2011 على أنه إخراج لها من المتوسط، فإن المفصل في المغرب العربي سيكون في يد الجزائر التي ما زالت قيد المخاض الداخلي الذي أنتج مؤخراً رئيساً جديداً، وما إذا كانت الكلمة القاطعة ستكون لصالح مقاربة الرؤية الوطنية العربية الجزائرية التقليدية أم لصالح قراءات براغماتية تجعلها أقرب لموقف السلطنة الزاحفة من أوهام التاريخ ومتطلبات الجغرافيا ببعدها التقليدي “التوسعي”.

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course