ما بعد هزيمة ترامب.. مأزق الحرب وامتحان السلطة في لبنان

"الهزيمة يتيمة، والنصر له ألف أم وأب". ولأن هذا هو الواقع في كثير من الأمور، فإن تداعيات الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية لا بد أن تفجّر الكثير من الخلافات بين قيادات الحزب، لا سيما مع وجود دونالد ترامب على رأسه، وهو الرئيس الأكثر نرجسية في تاريخ أميركا، والذي عبّر عن إنكاره لأسباب الهزيمة بالقول إنه لو كان اسمه على اللوائح الانتخابية، لما خسر حزبه الانتخابات.

بانتظار تداعيات هذه الهزيمة على الوضع الداخلي للحزب الجمهوري، تتطلع الأنظار إلى ما يمكن أن تشكّله هذه النتيجة من آثار على الوضع المتفجّر في الشرق الأوسط، لا سيما الحرب الأميركية على إيران، وبطبيعة الحال العدوان «الإسرائيلي» على لبنان. وهنا تتراوح التقديرات بين من يعتبر أن ترامب اليوم كالذئب الجريح، سيحاول عبر التصعيد العسكري حرف الأنظار عن هزيمته وهزيمة حزبه في الانتخابات، وممارسة المزيد من الضغط العسكري والاقتصادي على إيران، ومن يعتبر أنه سيحافظ على الوضع القائم، لا حرب شاملة ولا سلم، بانتظار أن يجني ثمار الحصار الاقتصادي والبحري والبري والجوي على إيران، وصولاً، وفق تقديراته، إلى إسقاط النظام.

وبين هذين الاحتمالين، ومن خلال قراءة متأنية للواقع القانوني والدستوري في أميركا، وللواقع الميداني في ساحات الحرب، في إيران ولبنان واليمن، وللقدرات العسكرية واللوجستية الأميركية في المنطقة، يبرز احتمال آخر يتمثل في إمكان الذهاب إلى تسوية أميركية–إيرانية تحفظ لترامب ماء وجهه، من دون أن تفرّط إيران بالشروط التي تتمسك بها، انطلاقاً من مذكرة التفاهم التي وقّعتها مع أميركا قبل بضعة أشهر، بوساطة باكستانية ودور دبلوماسي قطري.

ما هو هذا الواقع؟

بداية، فإن حصول الحزب الديمقراطي على الأغلبية في مجلسَي الشيوخ والنواب سيجعل قرارات ترامب، ولا سيما المتعلقة بتمويل الحرب، تحت رقابة هذا الحزب وضغوطه السياسية والتشريعية. ولأن قادة الديمقراطيين يعرفون أنهم فازوا في الانتخابات على خلفية الأزمة المعيشية التي ساهمت الحرب الأميركية على إيران في تفاقمها، فمن غير المرجّح أن يكونوا متساهلين مع ترامب في تمويل استئناف الحرب على إيران.

ولأن مجلسَي الشيوخ والنواب الجديدين لن يبدآ عملهما قبل مطلع كانون الثاني/يناير المقبل، فإن الفترة المتبقية حتى ذلك التاريخ تتيح لترامب نافذة زمنية ضيقة لاتخاذ قرارات عسكرية جديدة، غير أن ما يقيّد هذا الاحتمال هو الواقع الميداني والقدرات العسكرية واللوجستية لجيشه في المنطقة، فضلاً عن الكلفة السياسية والاقتصادية لأي تصعيد إضافي.

إن التحضيرات لحشد ما يصل إلى ثلاث حاملات طائرات أميركية في المنطقة، وإرسال المزيد من الذخائر والصواريخ إلى القواعد العسكرية فيها، بالإضافة إلى استمرار الدعم العسكري لـ«إسرائيل»، توحي بأن ترامب يُبقي خيار التصعيد العسكري مفتوحاً. ولكن هنا لا بد من التوقف أمام حدود هذا التصعيد والهدف الذي يمكن أن يتوخّاه منه.

لقد ثبت أن الحملة الجوية والصاروخية غير المسبوقة التي شنّتها أميركا و«إسرائيل» على إيران، على مدى شهرين ونيّف منذ نهاية شباط/فبراير الماضي، لم تتمكن من تحقيق أحد أهدافها الرئيسية، وهو إسقاط النظام الإيراني، كما لم تتمكن من تحقيق هدف إخضاع القيادة البديلة للنظام واستسلامها، بعد اغتيال عدد كبير من قادة الصف الأول، من سياسيين وعسكريين، وفي مقدمهم المرشد آية الله علي خامنئي.

هذا يعني أن استئناف العدوان العسكري بالطريقة نفسها التي بدأ بها لن يضمن تحقيق نتيجة مختلفة. ومن هنا، فإن التصعيد، إن حصل، قد يتضمن تغييراً في طبيعة العمليات العسكرية أو توسيعاً لأهدافها، سواء عبر ضربات أشد تدميراً للمنشآت الإيرانية أو عبر عمليات برية محدودة. أما استخدام سلاح نووي تكتيكي، فعلى الرغم من خطورة هذا الاحتمال في أي مواجهة بين قوة نووية ودولة غير نووية، فقد استبعده ترامب علناً، من دون أن يعني ذلك إغلاق باب التصعيد التقليدي.

وأما الغزو البري المحدود لسواحل إيران الغربية، فإنه، حتى لو نجح في تثبيت الأقدام الأميركية على الأراضي الإيرانية، لن ينهي بالضرورة الحرب مع إيران. بل على العكس، سيمنحها مشروعية مقاومة الاحتلال لتحرير أرضها من جهة، ولن يمنع قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز من جهة أخرى. كما يُتوقع أن ترد إيران بهجمات واسعة على القوات الأميركية الغازية، وربما على مواقع عسكرية أميركية و«إسرائيلية» في المنطقة، ناهيك عن احتمال إقفال باب المندب عبر حلفائها في حركة «أنصار الله» اليمنية.

ومن شأن ذلك أن يشعل أسعار النفط، وربما آباره ومنشآته في المنطقة، ويزيد من الأزمة الاقتصادية العالمية التي خلّفها العدوان الأميركي على إيران.

بالإضافة إلى كل ذلك، فإن خيار الغزو البري يحتاج إلى حشد قوات وإمكانات لوجستية كبيرة، تتجاوز ما يتطلبه تنفيذ ضربات جوية وصاروخية، كما يحتاج إلى وقت طويل نسبياً للتحضير والتنفيذ، ويحمل مخاطر زيادة الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية.

لذلك، فإن أياً من خيارات التصعيد الواسع سيكون محفوفاً بمخاطر عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة، وقد يعمّق المأزق الأميركي بدلاً من أن يخرجه منه. فأميركا تستطيع بدء الحرب، كما خبرنا خلال الأشهر الماضية، ولكنها لا تستطيع بالضرورة التحكم بموعد إنهائها.

أمام هذه الصورة القاتمة التي يراها ترامب لمصير عدوانه على إيران، يصبح خيار التوصل إلى تسوية سياسية تحفظ له ماء وجهه أكثر إلحاحاً. لكن حتى هذا الأمر لا يبدو متاحاً بسهولة؛ فالقيادة الإيرانية الجديدة برهنت، خلال إدارتها معركة الدفاع عن إيران على مدى الأشهر الماضية، أنها أكثر راديكالية من القيادة التي سبقتها، وأنها لن ترضى بأقل من هزيمة عتسكرية مذلة لترامب مهما طال أمد “الستاتيكو” القائم حتى يُشكّل ذلك درساً لكل من تُسوّل له نفسه الاعتداء على إيران..

إقرأ على موقع 180  في المسألة اللبنانية: ركائز للحل.. وبديلها إنفجارات متلاحقة

بعد هذه البانوراما، لا بد من تحليل آثار هذه الوقائع على الساحة اللبنانية، حيث يدخل عامل العدوان «الإسرائيلي» أيضاً على المشهد.

ففي «إسرائيل»، كما في أميركا، تلقى اليمين المتطرف ضربة انتخابية كبيرة، وإن كان احتمال تولّي غادي آيزنكوت رئاسة الحكومة، بدعم أو غطاء برلماني من الكتل العربية، لا يعني أنه سيكون أكثر ليونة من بنيامين نتنياهو في التعاطي مع الملف اللبناني. فهو أحد أبرز منظّري «عقيدة الضاحية»، القائمة على الاستخدام المفرط للقوة والتدمير الواسع في مواجهة حزب الله.

وإذا نجح آيزنكوت في تشكيل الحكومة، فستكون المهمة الأولى أمامه كيفية التعاطي مع رئيس أميركي سجّل سابقة في العلاقات الأميركية–«الإسرائيلية»، عندما أعلن دعمه العلني لنتنياهو عشية الانتخابات.

أما المهمة الثانية، فهي التفكير في مستقبل الدعم الأميركي الثابت لـ«إسرائيل»، البالغ 3.8 مليارات دولار سنوياً، بعد أن أعلن ترامب نفسه، في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، التوجّه إلى وقف هذا الدعم مع نهاية العام.

غير أن وقف الدعم لم يصبح بعد قراراً نافذاً، وهو مرتبط بترتيبات مالية وتشريعية واتفاقات قائمة بين البلدين. ومع ذلك، فإن مجرد طرح المسألة بهذا الوضوح يعكس تحوّلاً في المناخ السياسي الأميركي تجاه العلاقة المالية والعسكرية مع «إسرائيل»، لا سيما في المرحلة الراهنة من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الولايات المتحدة.

وتبقى المهمة الثالثة أمام آيزنكوت، إذا أصبح رئيساً للحكومة، هي كيفية التعاطي مع الوضع اللبناني. فهو يعرف جيداً أن المزيد من العدوان على لبنان لن يؤدي بالضرورة إلى احتلال المزيد من الأرض بسهولة، بل قد يشعل الحرب في المنطقة برمّتها، بعدما أعلنت إيران استعدادها للرد على الاعتداءات «الإسرائيلية» على بيروت، وهددت باستهداف مواقع داخل «إسرائيل» إذا استمر التصعيد.

كما أن مذكرة التفاهم التي وقّعتها طهران مع واشنطن تضمنت نصاً يتعلق بوقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، واحترام سيادته ووحدة أراضيه، وإن بقي تحويل هذه الالتزامات إلى ضمانات نهائية قابلة للتنفيذ رهن اتفاق سياسي أشمل.

وبطبيعة الحال، لا يستطيع آيزنكوت، إذا تولّى رئاسة الحكومة، تجاهل الموقف الأميركي عند التفكير في إطلاق حملة عسكرية واسعة تهدد الأمن في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

أما الحلقة الأضعف في كل هذه البانوراما، فهي، فريق السلطة اللبنانية الذي وضع خياراته في يد إدارة ترامب، ولم يحصد منها إلا الخيبة. ومع ذلك، فإن الاستمرار في المكابرة لم يعد يفيده بشيء.

فإن حصلت المغامرة العسكرية «الإسرائيلية»، ومضى آيزنكوت، أو أي رئيس حكومة «إسرائيلي» آخر، إلى توسيع العدوان على لبنان، فإن من شأن ذلك أن يعيد فتح النقاش حول مشروعية المقاومة ودورها، بعد أن حاول هذا الفريق من السلطة انتزاع هذه المشروعية بقرارات حكومته في مطلع آذار/مارس الماضي.

وإن استمر الوضع القائم، فإن هذا الفريق، كما هو واضح، سيبقى أمام مأزق سياسي عميق؛ فهو ليس فقط عاجزاً عن تحقيق أي إنجاز يحفظ سيادة البلاد عبر خياره التفاوض المباشر مع العدو تحت النار، وبوساطة أميركية منحازة لـ«إسرائيل»، وما سُمّي «الاتفاق الإطاري» معها، بل هو أيضاً عاجز عن معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد، من مشكلة ودائع المواطنين العالقة في المصارف منذ سبع سنوات، إلى مشكلة الكهرباء والمياه والتضخم الاقتصادي والبطالة وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية.

إن الصورة القاتمة لترامب وآيزنكوت لا تقل قتامة أمام الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي أحرق، في نظر شريحة وازنة من اللبنانيين، الكثير من جسور التلاقي مع بيئة المقاومة، من خلال سلسلة من القرارات التي أُقرّت في مجلس الوزراء برئاسته، وبموافقة رئيس الحكومة نواف سلام، والمتعلقة بحظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله، ناهيك عن الإجراءات التي اتُخذت بحق الدولة الإيرانية، ومنها سحب الموافقة على اعتماد سفيرها المعيّن في لبنان.

وإذا كان عون عاجزاً عن المبادرة إلى أي خطوة تفيد لبنان خلال تمتّع «صديقه» ترامب بقوة دستورية كبيرة في أميركا، فكيف سيكون حاله بعد أن ينفخّ دفّ ترامب، ويتفرّق عشاقه في الإدارة الأميركية إلى ملل ومذاهب، يحمّل بعضها بعضاً نتائج الهزيمة؟

لا شك أننا سنكون أمام مرحلة تُقارب الشهرين، قد يتبلور خلالها المشهد بصورة أوضح في المنطقة، ولا سيما بعد أن يبدأ مجلسا الشيوخ والنواب الأميركيان ولايتهما الجديدة.

وليس أمام عون، سوى العودة إلى الداخل ومحاولة رأب الصدع الذي نشأ مع المقاومة وبيئتها، بدءاً بإعادة النظر في القرارات التي اتخذتها حكومته في 2 آذار/مارس، وصولاً إلى العمل على تعزيز الوحدة الوطنية من خلال حوار داخلي لا يستثني أي طرف لبناني.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  بطولة أكتوبر العسكرية.. تُهدِرها حسابات ساداتية!