هذا ما يملكه مصرف لبنان.. وما لا يملكه فعلاً

علي نورعلي نور19/02/2020
أصبح الإتجاه الغالب لدى المرجعيّات السياسيّة اللبنانيّة يصب في منحى إعادة جدولة سندات اليوروبوند التي تستحق في شهر آذار/مارس المقبل، على أن يحل وفد صندوق النقد الدولي ضيفاً على الحكومة اللبنانية في منتصف الأسبوع الحالي لتقديم المشورة التقنيّة المتعلّقة بآليّات إعادة الجدولة هذه.

في ظل هذه الأجواء، يستمر حاكم مصرف المركزي مع جمعيّة المصارف اللبنانية بالدفع بإتجاه سداد هذه السندات (أقله الخارجية)، مدعومين بحملة إعلاميّة واسعة تحذّر من عواقب التخلّف عن سداد هذه السندات عند إستحقاقها. مع العلم، أن سندات اليوروبوند هي سندات الدين السيادي المقوّمة بالعملة الأجنبيّة، وهو ما يجعل من هذا الإستحقاق مسألة حسّاسة للغاية في ظل أزمة السيولة بالعملة الصعبة التي تعصف اليوم بالقطاع المالي في لبنان وبأموال المودعين في المصارف اللبنانية، وبقدرة لبنان على إستيراد السلع الحيويّة (مازوت، دواء، حليب وغيرها) والحفاظ على سعر صرف العملة اللبنانية.

عمليّاً، يعني سداد السندات عند الإستحقاق إستعمال إحتياطي مصرف لبنان المتبقي من العملات الأجنبيّة لتوفير السيولة اللازمة لهذا السداد. والإعتماد على هذا الإحتياطي لسداد سندات اليوروبوند هو النمط الذي بدأ مصرف لبنان بإتباعه على نحو متكرّر، منذ أن توقّفت المصارف اللبنانية عن إعادة تمويل الدين العام مباشرةً عبر الإكتتاب بسندات يوروبوند جديدة.

وبينما يعتمد لبنان على هذا الإحتياطي المتبقي بالذات لتوفير العملة الصعبة اللازمة لإستيراد السلع الحيويّة، يصبح السؤال عن جدوى الإلتزام بسداد السندات مقروناً بالسؤال عن ما يملكه مصرف لبنان المركزي، وعن ما لا يملكه فعلاً، من عملات صعبة.

إحتياطي العملات الصعبة: هذا كل ما تبقّى

أصبح التأكيد على كفاية ومتانة إحتياطي العملات الصعبة المتوفّر بحوزة مصرف لبنان المركزي مسألة يكاد يتكرر ذكرها في كل حديث لحاكم المصرف المركزي أو الخبراء الماليين الذين يدورون في فلك سياساته، عند الحديث عن الوضع المالي. وبذلك، تحوّلت كفاية هذا الإحتياطي إلى حجّة لدى الحديث عن ضرورة الإلتزام بسندات اليوروبوند خلال الفترة المقبلة.

ينطلق كلام حاكم المصرف المركزي عادةً عند الحديث عن هذا الإحتياطي من الرقم الذي تظهره ميزانيّات مصرف لبنان لموجوداته من العملات الأجنبيّة، والذي بلغ في نهاية السنة الماضية، بحسب هذه الأرقام، حدود الـ29.5 مليار دولار. ووفقاً لهذه الأرقام، تكفي هذه الإحتياطات لتمويل واردات لبنان لحوالي 23 شهراً، وهو ما يُعد هامش أمان مقبول إذا كانت أرقام الإحتياطي تمثّل فعلاً الإحتياطات القابلة للإستعمال من العملات الأجنبيّة.

لكنّ هذه الحسابات التي يقدّمها مصرف لبنان كانت محل تشكيك وبالأخص من ناحية قابليّة هذا الإحتياطي المعروض في الميزانيّة للتسييل والإستخدام عند الحاجة. وبحسب دراسة لوكالة “ستاندارد آند بورز”، جرى إعدادها العام الماضي، يقتضي تنزيل ما يقارب الـ13.7 مليار دولار من قيمة هذه الإحتياطات لإحتساب الإحتياطي القابل للإستخدام، كونها تشكّل الإحتياطي الإلزامي المفروض على المصارف مقابل ودائعها للدولار. فهذه القيمة من المفترض أن تتوافر بشكل دائم بحوزة مصرف لبنان، كعامل أمان للمودعين، وهي بالتالي لا تشكّل جزءاً من الإحتياطي القابل للإستخدام في عمليّات مصرف لبنان.

كما إعتبرت الوكالة أنّ هناك ضرورة لتنزيل قيمة الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة، والتي يمكن أن تتحوّل على المدى الطويل إلى طلب على الدولار الأميركي الموجود بحوزة مصرف لبنان. وهذه الكتلة التي كانت توازي قيمتها الـ8.1 مليار دولار عند إعداد دراسة ستاندرد آند بورز، إرتفعت قيمتها إلى حدود الـ11 مليار دولار لغاية شهر كانون الأوّل/ديسمبر الماضي.

إذا قمنا بتنزيل قيمة سندات اليوروبوند وإحتياطي المصارف الإلزامي وقيمة الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة من الإحتياطي الذي يصرّح مصرف لبنان المركزي بوجوده، يتبيّن أن مصرف لبنان تجاوز القيمة القابلة للإستخدام من إحتياطي العملات الصعبة المتوفّرة لديه، من دون إحتساب إحتياطي الذهب

أمّا أهم ما يجب تنزيله من إحتياطي العملات الصعبة الذي يصرّح به مصرف لبنان، فهو محفظة سندات اليوروبوند التي يحملها. فمصرف لبنان يعمد منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2017 إلى تضمين محفظة سندات اليوروبوند التي يحملها ضمن أرقام إحتياطي العملات الصعبة الموجود بحوزته، مع العلم أن هذه السندات لا تشكّل موجودات قابلة للتسييل والإستخدام عند الحاجة، وبالأخص في ظروف مأزومة كالتي نعيشها اليوم، والتي يصعب خلالها تسييل سندات اليوروبوند ولو تم عرضها بأسعار منخفضة. هذه السندات قدّرت قيمتها الوكالة بحدود الـ2.9 مليار دولار، لكنّ قيمة هذه السندات إرتفعت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر لتبلغ حدود الـ5.7 مليار دولار بحسب أرقام مصرف لبنان نفسه، بعد أن قام المصرف المركزي بالإكتتاب بسندات يوروبوند إضافيّة في تلك الفترة للتعويض عن إمتناع المصارف اللبنانية عن الإكتتاب بهذه السندات.

وبالرغم من أن الوكالة إعتبرت أن ضمّ إحتياطي الذهب الموجود لدى مصرف لبنان ممكن كونها تشكّل موجودات قابلة للتسييل، مازال إستعمال هذه الموجودات خارج النقاش حاليّاً، ومن غير الممكن التصرّف بها من دون تشريع قانوني واضح يصدر عن مجلس النواب.

وهكذا، إذا قمنا بتنزيل قيمة سندات اليوروبوند وإحتياطي المصارف الإلزامي وقيمة الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة من الإحتياطي الذي يصرّح مصرف لبنان المركزي بوجوده، يتبيّن أن مصرف لبنان تجاوز القيمة القابلة للإستخدام من إحتياطي العملات الصعبة المتوفّرة لديه، من دون إحتساب إحتياطي الذهب. مع العلم أن الوكالة قدّرت، في ذلك الوقت، أن توازي قيمة الإحتياطي القابل للإستخدام مع الذهب حوالي الـ19.2 مليار دولار في نهاية العام 2019، أي بحدود الـ5.32 مليار دولار من دون إحتساب الذهب. لكنّ إرتفاع قيمة سندات اليوروبوند وقيمة الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة اللبنانية منذ ذلك الوقت غيّر المعادلة.

مصرف لبنان بات ينفق من موجودات العملة الصعبة التي لا يُفترض أن تكون اليوم مخصصة للإستعمال في عمليّاته وتدخّلاته في الأسواق

عمليّاً، تعني هذه الأرقام أن مصرف لبنان بات ينفق من موجودات العملة الصعبة التي لا يُفترض أن تكون اليوم مخصصة للإستعمال في عمليّاته وتدخّلاته في الأسواق. وبمعزل عن إشكاليّة إستعمال هذه الموجودات لتأمين حاجة السوق المحلية من العملة الصعبة، وضرورة حصر هذا النوع من العمليّات للحالات التي تشكّل حاجّة حيويّة وملحّة على المستوى الوطني، ثمّة سؤال جدّي على هذا المستوى عن جدوى إنفاق المزيد من هذا الإحتياطي في مسائل كسداد سندات اليوروبوند، خصوصاً أن المفاضلة باتت اليوم بين سداد هذه السندات وتأمين الحاجات الحيويّة للشعب اللبناني.

الإحتياطي الصافي: مقاربة مختلفة لقراءة الأرقام

لا يمكن الفصل في لبنان بين أزمة القطاع المصرفي الحاليّة، وبالأخص من جهة الضغط على السيولة بالعملة الأجنبيّة، وبين حقيقة أن معظم موجودات هذا القطاع جرى توظيفها لدى مصرف لبنان وفي أدوات الدين السيادي الأخرى. وبينما يتصرّف ويتحدّث حاكم مصرف لبنان بطريقة توحي أن إحتياطي المصرف المركزي من العملات الصعبة هو ملك للمصرف بمعزل عن أي مطلوبات في الجهة المقابلة، ثمّة مقاربات تقضي بضرورة قراءة هذه الأرقام بما يأخذ بعين الإعتبار المطلوبات التي تترتّب مقابل الحفاظ عليه.

فعمليّاً، إحتياطي العملات الصعبة هو القيمة المتوفّرة لدى المصرف من أصل توظيفات المصارف بالعملات الصعبة لديه. وبينما يحرص مصرف لبنان على عدم التصريح عن الإلتزامات المترتبة على المصرف المركزي بالعملات الأجنبيّة، قدّرت وكالة “فيتش” في صيف العام الماضي أن تبلغ هذه الإلتزامات حدود الـ62 مليار دولار. وفي مقابل هذه الإلتزامات، بلغ إحتياطي العملات الصعبة لدى المصرف المركزي حدود الـ29.8، وهو يعني أن الإحتياطي الصافي من العملات الصعبة، أي الفارق بين الموجودات والمطلوبات بهذه العملات، بلغ حوالي ال32.2 مليار دولار كإحتياطي سلبي.

بين ميزانيّة المصرف المركزي وأزمة المصارف

لا يمكن اليوم فصل هذه الأرقام عن طبيعة الأزمة التي يمر بها النظام المالي اللبناني. فالمليارات التي تترتّب على مصرف لبنان بالعملات الصعبة هي عمليّاً الجزء الأكبر من توظيفات المصارف اللبنانيّة بهذه العملات، أي وجهة توظيف ودائع اللبنانيين. وحين نتحدّث عن إحتياطي سلبي، فنحن نتحدّث عن إلتزامات تتجاوز ضعف الموجودات بالعملات الصعبة، وهو ما يفسر جزء أساسي وكبير من الإنهيار الذي يمر به لبنان، وبالأخص في ما يتعلّق بأزمة الودائع.

هل تدفع حكومة حسان دياب ما سيستحق من سندات اليوروبوند في 9 آذار/مارس المقبل؟

الجواب على هذا السؤال مرتبط حتماً بالإجابة على سؤال آخر: من سيدفع في النتيجة ثمن الأزمة التي يمر بها لبنان. السداد ينطلق من الحرص على سمعة لبنان الإئتمانيّة على المدى القصير، وعلى سلامة توظيفات المصارف اللبنانية المرتبطة بشكل كبير بأدوات الدين السيادي. لكنّه سيعني، في المقابل، زيادة الخناق على أزمة السيولة التي تمس القدرة على الإستيراد، وحين نقول القدرة على الإستيراد، فذلك يشمل بالتأكيد الدواء والمحروقات والخبز وسائر القطاعات الحيويّة التي بدأت تدق ناقوس الخطر على خلفيّة أزمة السيولة.

كل هذا يرتبط بالأسئلة الملحّة على المدى القصير، في ما يخص إدارة السيولة المتبقية بالعملة الأجنبية. أما على المدى الأطول، فثمّة أسئلة أكثر جديّة: كيف السبيل إلى إصلاح بنية القطاع المالي، بما فيه مصرف لبنان المركزي؟ كيف نتعامل مع إنكشاف المصرف المركزي على هذا القدر من الإحتياطي الصافي السلبي، بما يرتبط بأزمة الودائع اليوم؟ يعيدنا ذلك إلى السؤال ذاته: من سيدفع ثمن الأزمة؟ الضوابط المفروضة على السيولة اليوم تعني إلزام من يريد سحب الوديعة بسحبها بالليرة ووفق سعر الصرف الرسمي المنخفض مقارنة بالسعر الفعلي في الأسواق، وهو ما يعني عمليّة إقتصاص كبيرة وبنفس النسبة لكل الودائع المصرفيّة. البدائل الفعليّة القادرة على إصلاح هذا المأزق ما زالت خارج النقاش الرسمي فعليّاً، أو تم شيطنتها باكراً، مثل مقترح إجراء عمليّة إقتصاص منظّمة للودائع، تأخذ بعين الإعتبار حجم ونوع الوديعة، وهو ما قد يمكّننا من إعادة هيكلة القطاع المالي بشكل عادل وصحّي.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course