عباس كامل.. رجل “ما بعد الدولة”

Avatar18022/02/2020
تصعب الكتابة عن رئيس جهاز المخابرات العامة في مصر اللواء عباس كامل. ليس السبب في ذلك المحاذير والصعوبات المصاحبة لسيرة شخص من أهل الظل، بحكم المناصب الاستخباراتية التي يشغلها فحسب، بل لأنه لا يشبه أقرانه ممن اتخذوا موقعاً لصيقاً بحاكم مصر في تاريخها الحديث.

يشكل عباس كامل حالة استثنائية في وقت استثنائي ما يجعل المقارنة أو تشبيهه بأقرانه ممن تولوا المناصب الأمنية في مصر، تتقزم من حيث حجم ومدى الصلاحيات والمهام التي أوكلت إليه، قياساً بمن  امتلكوها في عهود رؤساء سابقين للجمهورية، وكذلك الأدوار التي اضطلع بها في الداخل والخارج منذ العام 2013، بحد أدنى، والتي تخطت مفهوم المؤسساتية ومركزية اتخاذ وتنفيذه عبر مؤسسات الدولة، والتي هي من السمات الرئيسية للدولة المصرية في التاريخ المعاصر.

هندسة “شبه الدولة” إلى “ما بعد الدولة”

التحولات التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة على مستوى الحكم لا تأتي ضمن صيرورة تبدل الأنظمة بعد انتفاضات شعبية متتالية فحسب، ولكن كانعكاس للتوجه الحاد القائم حالياً نحو اقتصاد نيوليبرالي يتعارض في أقصى أوجهه مع فكرة المؤسساتية وسيادة مفهوم الدولة، وفي نفس الوقت، يحد من هامش التشاركية السياسية والاجتماعية، وإن كانت شكلية، لصالح أنماط شركاتية في السياسة، كما الاقتصاد، تقودها الأوليغارشية الحاكمة، وهي، بشقيها السياسي والاقتصادي، وليدة وربيبة الدولة ومؤسساتها.

من هنا تكمن أهمية شخصية مثل شخصية عباس كامل، تتوافر فيها متطلبات المكوّنين المتناقضين السابقي الذكر، واللذين يتأرجحان بين عدم الانعتاق بشكل تام من المبادئ الأساسية لفكرة الدولة، مثل مركزية صناعة واتخاذ القرار، والتحرر من قيد الدولة كمؤسسة معنية بالتخطيط والاستراتيجية في إطار السيادة الوطنية وسيادة القانون، لحساب الشركاتية وانفلاتها واستعدائها لأي حوكمة ورشادة، والاهتمام فقط بالدعائية والترويجية واعتبارها نجاحاً في حد ذاته، وهو النمط المهيمن في أنظمة الحكم في مختلف بلدان المنطقة والعالم حالياً في هذه المرحلة المتأخرة من الرأسمالية.

وبخلاف المناصب الرسمية ومدى صلاحياتها، فإنَّ خصوصية عباس كامل لا تنحصر في مسميات إعلامية مثل “الذراع اليمنى” و”ظل الرئيس” و”الرجل الثاني”، والتي تحصره في قربه والتصاقه بالرئيس عبد الفتاح السيسي منذ العام 2010، إبان تولي الأخير رئاسة المخابرات الحربية، بل لكون إسمه يرتبط بالمرحلة الراهنة في تاريخ مصر وهندستها على مستويات عديدة، أهمها إخراج الصورة الذهنية في الداخل والخارج للنظام، وكذلك صورته الإعلامية في حقبة استثنائية تتحول فيها الدولة بوصفها “المؤسسة” الأولى لممارسة السياسة واحتكار العنف حسب يورغن هابرماس وماكس فيبر، إلى نمط شركاتي مرن إلى حد الانفلات يتنافر مع فكرة المؤسساتية وسيادة القانون التي تميّز الدول الحديثة بغض النظر عن مدى تقدمها أو تخلفها على مقاييس الديموقراطية الحديثة، وتمدد مرحلة الاستثناء واللحظة الانتقالية إلى وضع مستمر لمفهوم السيادة والحكم.

هذا النمط يصفه الفيلسوف والمؤرخ الإيطالي جورجيو أغامبين، في كتابة “حالة الاستثناء” بأنه الحالة التي تعطل فيها السلطة سيادة القانون والفصل بين السلطات وغيرها من المبادئ التي تقوم عليها مؤسسة “الدولة” بداعي أن هناك خطراً ما في لحظة استثنائية، وتباعاً يتولى أشخاص هذه السلطة بناء سردية مركبة وشبكة علاقات متعددة المستويات وآلية عقابية تتجاوز فكرة المؤسساتية، الهدف منها تمديد صلاحية هذا الاستثناء لجعله العادي والطبيعي.

هذه الحالة في مصر يتم تضفيرها بتحول آلية الحكم التشريعي والتنفيذي إلى نمط شركاتي، يجعل نموذج الأوليغارشية أكثر مرونة وقبولاً بإعطائها غطاء ذي صبغة إجرائية تشاركية، كالحفاظ على وجود برلمان منزوع الصلاحيات، وتنسيق عمليات استفتاء مقررة نتائجها سلفاً، وغيرها من الإجراءات التي يشكل فيها الإعلام الموجه الحامل الرئيسي لتمريرها ليس أمام الداخل بالضرورة، ولكن للخارج بشكل رئيسي. وهذه العملية المعقدة وروافدها، هي جوهر دور عباس كامل بغض النظر عن المسميات والمناصب المصاحبة للقب.

خصوصية عباس كامل لا تنحصر في مسميات إعلامية مثل “الذراع اليمنى” و”ظل الرئيس” و”الرجل الثاني”

بين الكفاءة والولاء.. والثقة العملية

ثنائية الكفاءة والولاء هي الحاكمة في اختيار المسؤولين في مصر في مختلف المواقع، ولكن الجمع بين الصفتين، بحدود قصوى، يقترب من أن يكون ضرباً من ضروب المستحيل، وهو لم يحدث في مصر على مختلف الأصعدة والمواقع الإدارية والتنفيذية والسياسية.

ولكن الأهم هنا هي الثقة المتبادلة التي تميز العلاقة بين عبد الفتاح السيسي وعباس كامل، والمكتسبة عملياً باطراد من خلال اختبارها خلال الفترة الحرجة منذ 2011 وحتى بعد انتخابات الرئاسة عام 2014، والتي بقى فيها كامل لصيقاً بالسيسي ويشغل رسمياً منصب مدير مكتبه، سواء كمدير لجهاز المخابرات الحربية أو كوزير للدفاع  ثم رئيساً للجمهورية، مع تجاوز المهمات والملفات التي تولاها لحدود هذا المنصب الذي كان إدارياً حتى عهد حسني مبارك، ولم يكن يتطلب امتلاك شاغله خبرات أمنية واستخبارتية كتلك التي يمتلكها عباس والتي تجعله “متعدد المهام وذا عقل موجه“، وفقاً لتوصيف موقع “انتيلجينس اونلاين”، ويتولى ملفات داخلية وخارجية تفوق لقبه الرسمي، وتجعله الاستثناء في عملية الفلترة التي يقوم بها السيسي من حين إلي آخر في مختلف المؤسسات والمناصب مهما كانت كانت درجة كفاءة وولاء صاحبها أو قوة صلته أو حتى قرابته لهُ.

هذا الاستثناء جعل عباس كامل الهدف الثابت – مع السيسي – في التصويب على رموز النظام المصري المتغيرين باستمرار؛ فقد بدأ استهدافه بصفته أهم رموز الصفوف الثانية لرموز نظام ما بعد “30 يونيو”، ولكن سرعان ما زاد هذا التصويب باطراد مع توسع سلطاته وصلاحياته والملفات الموكلة إليه، داخلياً وخارجياً، والتي جعلت إسمه مرتبطاً بسلسلة التسريبات الشهيرة بين عامي 2014 و2015، والتي أوضحت المعالم الأولى لموقع الرجل وأهميته، وأنه بشخصه وحجم المهام والملفات الموكلة إليه وشبكة العلاقات التي نجح في نسجها داخلياً وخارجياً، أكبر من حسابه على الصف الثاني، بل هو أحد أعمدة النظام الجديد في مصر، والمسؤول عن “مشروع” السيسي وصورته في الداخل والخارج.

تنوعت هذه التسريبات ما بين أحاديث في الغرف المغلقة مع مختلف المسؤولين وأبرزهم السيسي شخصياً، ومكالمات هاتفية مع عدد من الشخصيات الخليجية. وبخلاف إيضاحها لاتساع أدوار عباس كامل في الداخل والخارج والملفات والمهام الموكلة إليه، واستغلالها من جانب خصوم النظام المصري محلياً وإقليمياً في لعبة الدعاية والدعاية المضادة، فإن التسريبات أكدت بشكل كبير أن هذا الشخص هو المسؤول الأهم في المنظومة الحاكمة في مصر بعد السيسي.

يمكن إيجاز دور عباس كامل كعقل مدبر ومنفذ لشبكة القوى – بتعريف ميشال فوكو – والسلطة الجديدة في مصر

رجل عابر للمؤسسات

لا يندرج ما سبق ضمن تصنيف “الرجل الثاني” الكلاسيكي، بل يمكن اعتباره الشخص العابر للمؤسسات الذي تتشابك وتتداخل المهام والملفات الموكلة إليه لتجعله فوق المؤسسات نفسها، وفوق مبدأ الفصل بين السلطات، فهو يدير هذه المهام الداخلية والخارجية بمعزل عن مؤسسات الدولة، بل يمكن أن يكون قد ساهم في تقزيمها في مرحلة تالية بعد السيطرة عليها – معظم المصريين لا يعرفون أسماء الوزراء – لتكون مجرد أداة لتنفيذ هذه المهام، وهي العملية الانتقالية الحساسة لخلق آلية حكم وسيادة بعيداً عن مؤسسات “شبه الدولة” بحسب توصيف السيسي. وبالتالي فإن قدرة كامل على إدارة هذه العملية – بمعزل عن تقييمها – جعله يحتفظ بمكانته بعيداً عن عملية الإحلال والتبديل التي حدثت لمعظم رموز ما بعد حزيران/يونيو 2013 وحتى الآن، وذلك لأنه مهندس هذه المرحلة وتغيراتها وتحولاتها، بل ويزداد قوة ليس فقط على قاعدة الولاء والكفاءة ولكن كمهندس ومنفذ لتكوين المنظومة الحاكمة الحالية بمستوياتها السياسية والأمنية والإعلامية.

في المحصلة العامة، يمكن إيجاز دور عباس كامل كعقل مدبر ومنفذ لشبكة القوى – بتعريف ميشال فوكو – والسلطة الجديدة في مصر، وإحلالها بصراع لم ينته حتى الآن مع سابقتها الممتدة لعهد حسني مبارك بتنويعاتها المؤسساتية المختلفة من عسكرية وأمنية وإعلامية وتشريعية وثقافية، وبالتالي فإن عملية هدم القديم – وليس تكراره واستنساخه – وبناء الجديد بروافد خارجية تتأقلم مع حالة “ما بعد الدولة” السائدة في المنطقة والعالم، يعتبر عباس كامل الشخص الرئيسي فيها والمنسق لها.

ويتسع هذا الدور وتزيد فاعليته بعد إضفاء بُعد سيادي عليه بتوليه المخابرات العامة منذ عامين بشكل رسمي، سواء لعوامل ذاتية تتراوح بين عدم توافر بدائل تجمع مؤهلات الكفاءة والولاء والثقة العملية، أو لعوامل موضوعية متعلقة بفكرة تجذير النمط الحالي في أجهزة ومؤسسات الدولة المصرية بشكل لا يبدو حتى الآن أنه يتم بسلاسة، ولذلك فإن إضفاء بُعد سيادي ومؤسساتي على دور عباس كامل ووجوده لا يأتي كاستثناء – حُسب أنه كذلك عندما تولى تسيير أعمال المخابرات العامة لمدة ستة أشهر قبل تكليفه رسمياً – بل كترسيخ لهذا الاستثناء كحالة مستمرة في المستقبل القريب، مع العلم بأن استمرارها ليس رهن توازنات القوى داخل مصر، بل رهن منظومة إقليمية ودولية تقع في نفس الطيف المعبر عن حالة انتقال لما بعد الدولة القومية كنموذج يتبلور حالياً وغير معروفة بشكل أكيد مآلاته وانعكاساته على شكل وجوهر الحكم والسياسة (خاص 180).

Avatar

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free