تركيا – روسيا: التسوية الصعبة والحرب المستحيلة

تتسارع وتيرة الأحداث في الميدان السوري، وترتفع معها إحتمالات الصدام العسكري، وذلك على مسافة ساعات قليلة من انتهاء مهلة التاسع والعشرين من شباط/فبراير، التي حددها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لانسحاب الجيش السوري من مواقع على مقربة من نقاط المراقبة التركية في شمال سوريا، وهي مهلة لم يعرها الروس إنتباهاً، بدليل التطوّرات العسكرية الدراماتيكية، والتي بلغت ذروتها مع مقتل 33 جندياً تركياً في إدلب، وذلك بعد ساعات قليلة على اتهام روسي مباشر لتركيا بتقديم الدعم العسكري للإرهابيين في إدلب.

التطورات الميدانية الأخيرة في شمال سوريا واكبها حراك دبلوماسي على أكثر من جبهة، ففي خضم الجدل حول لقاء ما زال موضع تكهنات بين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، بمشاركة محتملة من جانب الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون والمستشارة الألمانية انجيلا ميركل، وتزامناً مع عقد اجتماع طارئ لـ”حلف شمال الأطلسي” في بروكسل لمناقشة الوضع في سوريا، تباحث الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان خلال اتصال هاتفي في التطورات الأخيرة، في إطار مسعىً لاحتواء الموقف، بانتظار لقاء مباشر من شأنه أن يحسم الوجهة بين التصعيد والتهدئة.

في الميدان والسياسة، كل شيء يشي بأنّ الصراع على ادلب قد وصل إلى مفترق طرق، وإن كانت تموضعاته حالياً لا تزال ضمن مروحة من الخيارات المتفاوتة بين مستويي التسوية الصعبة والحرب المستحيلة.

الحشد المتبادل للقوى، والذي تصاعد منذ الضربة التي تلقاها الجيش التركي بالأمس، يمضي على خطين. بعد اجتماع مجلس الأمن القومي التركي، كثفت تركيا استعداداتها لعملية عسكرية محتملة، ابتداءاً من تعزيز القوات، بما في ذلك الوحدات الخاصة، وصولاً إلى تعطيل شبكات التواصل الاجتماعي على طول منطقة العمليات المحتملة منعاً لنشر أية صور أو معلومات حساسة (تماماً كما جرى قبيل عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”). وأما في موسكو، فتقرر إرسال فرقاطتين تحملان صواريخ “كاليبر” المجنحة من البحر الأسود إلى الساحل السوري، في رسالة واضحة إلى أن القوات الروسية جاهزة حتى للسيناريوهات الأكثر تطرفاً.

أخطر تلك السيناريوهات، بالنسبة إلى القيادة الروسية، أن يجد أردوغان نفسه في وضعية لا يستطيع من خلالها إلا المغامرة بالتقارب الاستراتيجي الذي بدأه منذ سنوات مع روسيا، وبالتالي الانقلاب على مسار استانا، وتكريس نهاية اتفاقيات سوتشي، التي لا يزال الجانب الروسي يعتبرها مرجعية في تحركاته السورية، ويضع كل التطورات الأخيرة في الشمال السوري كنتيجة للتعنّت التركي في تنفيذها، الأمر الذي دفع أردوغان إلى اللجوء إلى حلفاء تقليديين في الغرب للحصول على الدعم العسكري.

في الواقع، ثمة احتمال لاستدارة كهذه، ولو نظرياً، فالرئيس التركي يحاول جاهداً الحصول على دعم عسكري وسياسي من حلفائه التقليديين في حلف شمال الأطلسي، عبر العمل على خطين، الأول أميركي، يبدو فيه مستعداً للإعلان عن “فعل الندامة” على اقترابه في الاصطفاف الدولي من الجار الروسي، بما يقود إلى نشر منظومات “باتريوت” على طول الحدود التركية – الروسية لتشكل عنصر ردع في مواجهة الروس؛ والثاني أوروبي، وأدواته باتت معروفة، وتكمن في ابتزاز الأوروبيين في مسألة تدفق اللاجئين، التي تزداد حساسية بالنسبة إلى جيران روسيا الغربيين، بعدما بات فيروس كورونا عنصر خطر إضافياً.

ومع ذلك، فإنّ أياً من الولايات المتحدة أو أوروبا لم يبدِ، حتى الآن، أي ميل لتوفير الدعم العسكري لأردوغان، في ما عدا بعض التصريحات السياسية، التي ليس من شأنها أن تحدث تغييراً في التوجهات الروسية.

ولا يغيّر في الأمر ما يصدر في الولايات المتحدة بين حين وآخر من مواقف تدعو إلى توفير الدعم لتركيا لاستعادة دورها كحليف رائع ضد روسيا، وهو ما اقترحه على سبيل المثال القائد العام لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا الجنرال الأميركي تود والترز، الذي تحدث، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، عن “دور مركزي لتركيا في مواجهة روسيا”.

تنطلق التنظيرات الأميركية من امكانية الاستفادة من التناقضات الروسية – التركية في أكثر من بؤرة، أولها منطقة البحر الأسود، الذي يعتبره البلدان مجال نفوذ طبيعي لهما، مروراً بالتباينات القائمة في الملف الليبي، وصولاً إلى تضارب المصالح على نحو غير مسبوق في إدلب السورية.

تضيق كل هوامش المناورة لدى رجب طيب أردوغان في الذهاب بعيداً في تحدّي روسيا، وهو ما جعله، حتى الآن، يميل أكثر إلى خطاب هادئ حين يتعلق الأمر بتحميل فلاديمير بوتين مسؤولية الخسائر التي حلّت بقواته

ومع ذلك، فإنّ وضع تلك التنظيرات في خانة التطبيق العملي دونه عقبات كبرى، أهمها انعدام الثقة لدى الجانب الأميركي بأردوغان، والخشية من أن تؤدي مغامراته المتهورة في الميدان السوري إلى عواقب غير محسوبة يمكن أن تؤدي، ولو بنسب ضئيلة، إلى اشعال فتيل مواجهة مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة، وهو الأمر الذي لا يحبذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على مسافة عشرة أشهر من الإنتخابات الرئاسية الأميركية، علما أن الأميركيين لم يستخدموا القوة في مواجهة أحداث أكثر خطورة على مصالحهم في المنطقة.

أقل ما يمكن أن يدور في أذهان القيادتين السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة أن الاستجابة لمطلب أردوغان بنشر منظومات “الباتريوت” على الحدود التركية – السورية يعني أن القوات الاميركية ستكون منخرطة مباشرة في صدام محتمل مع القوات الروسية، في حال وصلت التطورات الميدانية إلى نقطة حاسمة، تضطر معها قوات الجو-فضائية الروسية إلى قصف هذه المنظومات لحماية نفسها في أيّ احتكاك، ولو غير مقصود.

يضاف إلى ما سبق مخاطر غير مباشرة تتصل بوضعية غير مريحة لـ “الباتريوت” الأميركية في مواجهة الترسانة الروسية المتطورة، ففشل هذه المنظومة الدفاعية أمام صواريخ متطورة مثل “كاليبر” أو غيرها، سيضعها في موقف صعب للغاية أمام المنظومات الدفاعاية الروسية التي فرضت نفسها منافساً جدياً على المستوى العالمي، خصوصاً أن الشكوك باتت تحوم، منذ فترة، حول “جوهرة الصناعات العسكرية الأميركية”، وتحديداً منذ أن نجحت صواريخ الحوثيين الباليستية في اختراقها بسهولة، في الخليج، وتحديدا في السعودية.

من هنا يمكن فهم اللهجة الحاسمة في إعلان وزير الدفاع مارك إسبير إن الولايات المتحدة لا خطط لديها لإعادة الانخراط في الحرب السورية، وتأكيد الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، إن المهمة الأساسية للولايات المتحدة في سوريا لا تزال ضد الدولة الإسلامية (داعش) في شرق البلاد.

في ظروف معقدة كهذه، تضيق كل هوامش المناورة لدى رجب طيب أردوغان في الذهاب بعيداً في تحدّي روسيا، وهو ما جعله، حتى الآن، يميل أكثر إلى خطاب هادئ حين يتعلق الأمر بتحميل فلاديمير بوتين مسؤولية الخسائر التي حلّت بقواته منذ التطورات الأخيرة في إدلب.

ولا بد أيضاً من الإشارة إلى أن غياب الدعم الغربي الفعلي لأردوغان، يترافق مع خيارات محدودة لديه في الداخل التركي، حيث يجد نفسه أكثر من أي وقت مضى محاصراً بهجمات المعارضة، بأجنحتها التقليدية والمستجدة (أي تلك المنبثقة من انشقاقات داخل “حزب العدالة والتنمية،  وبما يتسرب من اعتراضات للتوجهات التركية في سوريا داخل مجتمع النخبة العسكرية والتي عبّر عنها جنرالات متقاعدون دعا بعضهم إلى الانسحاب المشرّف من إدلب، بجانب المؤشرات الاقتصادية غير المشجعة التي عسكها انخفاض البورصة التركية بنسبة عشرة في المئة اليوم، على نحو غير مسبوق منذ حزيران/يونيو عام 2013، لأسباب عدّة، تأتي في مقدمتها التوترات على الجبهة السورية.

كل ذلك، قد يدفع اردوغان، في نهاية المطاف، إلى البحث عن مخرج يحفظ ماء وجهه، من خلال ملاقاة فلاديمير بوتين في دعوته للتوصل إلى حل وسط، قد لا يقتصر على الملف السوري المشتعل، بل يتعداه إلى قضايا اقليمية أخرى من بينها الملف الليبي

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free online course