إخترنا لكم Archives - 180Post

780.jpg

ما شاهدناه في منطقة الخليج في الساعات الماضية، يشي بأن الهدنة المعلنة ليست سوى توقفٍ محسوب في إيقاع الحرب، لا نهايتها. فالصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران انتقل من ساحات النار إلى مساحات الرماد، حيث الغموض أداة، والتأجيل سياسة، والتصعيد احتمال دائم. في هذا الفراغ بين الحرب والسلام، تُدار المواجهة بأشكال أكثر تعقيدًا، فيما تبقى نهايتها مفتوحة على كل الاحتمالات.

800-3.jpg

منذ الصغر نشأنا على أغنية الفنان اللبناني الكبير وديع الصافي «الله معك يا بيت صامد بالجنوب». أغنية كلما سمعتها أذهب بمخيلتي إلى بيت القرية وشواهد كانت تمدّني بتراث أجدادنا، وتتحرك معها صور: البركة، الحاكورة، رائحة الخبز، الحطب المشتعل، الحقول، والفرحة في لمّ المحصول.. وهنا وهناك ألف ذكرى وذكرى. إلى أن جاء خبر تدمير البيت في القرية، حاله كحال باقي البيوت والمنشآت المدنية التي استهدفتها إسرائيل، فتحوّلت الأغنية إلى أبيات رثاء، ولم يعد البيت صامدًا، والمكان الدافئ والحاضن صار أنقاضًا وركامًا.

800.png

اجتمَعْت وبعضُ الصَّديقات بعد غيبةٍ طويلة، جلسنا نجترُّ بعضَ الذكريات ونتحسَّر كعادة الناسِ هذه الأيام على ما صارت إليه الأحوال. لم يمضِ وقتٌ طويل حتى أعلنت صديقة نيتها المُغادَرة؛ كي تلحقَ بموعد درس ابنتها. حاولنا إثناءَها في حين أصرَّت وقامت فجأة صائحة أنها تأخرت بما يكفي؛ لكنها صَدَمت بحقيبتها كوبَ القهوة الذي لم تُنهِه، فهوي بمحتوياته؛ ليلون البلاطات الرمادية بلونٍ بنيّ داكن، وليهرولَ النادلُ ناحيتنا، بينما نضحك وتهتف إحدانا: "يا مستعجل عطَّلك الله".

799-2.jpg

تكتسب ظاهرة “المتصهين” معناها الأعمق: لا تتماهى فقط مع مشروع سياسي، بل مع بنية فكرية قد لا تعترف بالمتصهين إلا بقدر ما يؤدي وظيفة تخدم التصور القائم على التفوق والهيمنة والازدراء والاخضاع، وهذا ما يجعل حضوره جزءاً من آلية أوسع لإعادة إنتاج الهيمنة، لا مجرد تعبير عن موقف فردي.

800-45.jpg

لبنان منقسمٌ، وهذا ليس سرًا؛ فأن يُنادي نصف اللبنانيين بالمقاومة حفاظًا على الوطن والسيادة، وأن يرد النصف الآخر مدافعًا عن الدولة والسيادة وحصرية السلاح، هذا ليس بأمر جديد على بلد يفتقد للمناعة الوطنية منذ تأسيسه في العام 1920 حتى يومنا هذا.

800-42.jpg

لم يعد النقاش حول «المناطق الآمنة» محصورًا بإطار إنساني أو أمني ضيّق، بل بات يتقاطع مع تحوّلات أعمق تمسّ تعريف الحرب والسلام، حدود السيادة، وطبيعة النظام الإقليمي نفسه. فالمفهوم الذي وُلد لحماية المدنيين، تحوّل تدريجيًا إلى أداة لإدارة الصراع، وإعادة رسم الجغرافيا السياسية. في هذا السياق، يتقاطع طرح إسرائيل لإنشاء مناطق آمنة، خصوصًا في جنوب لبنان، مع مسارٍ موازٍ أكثر حساسية: انتقال بعض الخطاب السياسي في لبنان من مرجعية «اتفاقية الهدنة» إلى تعبير «إنهاء حال العداء». وهذا التحوّل، وإن بدا لغويًا، يحمل في طياته دلالات سياسية وقانونية عميقة.

800-40.jpg

مضى الوقت ثقيلًا وطويلًا كالمسافة من هنا حتى جنوب الجنوب. بقينا نتابع أخبارها، ونعمل على الاطمئنان، علّ أحدهم يقول كلمة تُبرّد قلوبنا على آمال خليل ورفيقتها زينب فرج. خيّم بعض السكون عندما قيل إنه تم انتشال زينب ونُقلت إلى المستشفى مصابةً بكثير من الجروح. بقيت دقات قلوبنا تتصاعد، وكان الانتظار أصعب من هول اللحظة، بل علّمنا الزمن، وبخاصة في السنتين الأخيرتين، أنه أكثر وجعًا من الموت نفسه ربما. لم يكتفوا بمطاردتها وقتلها، بل وقفوا ليمنعوا إسعافها، لضمان أن تفارق الروح الجسد. فكان أن رحلت آمال، وتركتنا مع دمها ودموعنا، نغسل ــ ربما ــ ما تبقى من وجع الصمت القاتل

800-39.jpg

سبع ساعات مضت ببطء، وآمال جريحة تنتظر تحت ركام منزل من ثلاثة طوابق، وفي الجو مسيّرات معادية ترصد كل حركة لتمنع النجدة من الوصول إليها، بعد أن سبق وصول فريق نجدة إلى زميلتها الجريحة زينب فرج ونقلها تحت النار إلى أحد المستشفيات، حيث وثّقت عدسات التصوير آثار رصاص على سيارة الإسعاف.

700-12.jpg

ليست خبراً يُكتب على عجل ثم يذوب في زحمة الشاشات والصفحات، ولا اسماً يمرّ في ذاكرة الصحافة كما تمرّ الوجوه التي لا تترك أثراً. بعض الناس حين يرحلون، يتركون غياباً، أما هي فقد تركت وطناً كاملاً من الحنين، وتركت في القلب فجوة لا يسدّها الزمن، لأن الوقت نفسه يقف مرتبكاً أمام الذين يشبهون المعنى حين يتجسد في إنسان.