خلال الفترة القَّصيرة التي شَهدت إغلاقًا عامًا في التاسعة مساءً، تذكرت حاليَ مُستقرة بعض الوقت بإحدى المدن الأجنبية التي تسير على قواعد صارمة، فتُلزِم حوانيتها بمواعيد مبكرة للنوم والصحيان. طبيعة جميلة ولا جدال، أحياء مُغرِقة في الهدوء، معزولة عن الأصوات الصاخبة التي تحرم النسبة الكبرى من قاطني القاهرة حقَّهم الأصيل في الاستمتاع بالصَّمت ولو لدقائق قليلة. تصوَّرت قبل مروري بالتجرِبة أن الكتابةَ في الأجواء الناعمة الساكنة عملٌ موفقٌ سديد؛ لكني كنت ولا شكّ مخطئة. شعور غامِر بالمَلل يبدأ في الزَّحف بمجرد انقضاء أول نهار. تخلو الشوارع عند السادسة مساءً؛ لا تُرى فيها محالٌ ساهرة ولا أشخاصٌ يتسكعون هنا وهناك، ولا حتى حيوانات أليفة تجوبُ الأرصفةَ وتنبش صناديقَ القمامة؛ مواتٌ شاملٌ مُكتمِل الأركان. أدركت مع تعدُّد الزياراتِ على هذا المنوال، مَغزى المثل الشهير: "الجَّنة من غير ناس ما تنداس".