"همج هم الذين يتباغضون ويتناحرون باسم الدين، فهؤلاء، وإن وسعت عقولهم جميع ما في كتب الفلسفة والدين، فقلوبهم فراغ من الله الذي هو الجمال المطلق، والمحبّة المتناهية، والعدل الذي لا يوصف، والنظام الذي لا يدرك..." (ميخائيل نعيمه)
"همج هم الذين يتباغضون ويتناحرون باسم الدين، فهؤلاء، وإن وسعت عقولهم جميع ما في كتب الفلسفة والدين، فقلوبهم فراغ من الله الذي هو الجمال المطلق، والمحبّة المتناهية، والعدل الذي لا يوصف، والنظام الذي لا يدرك..." (ميخائيل نعيمه)
لم يكن رحيل الفنان السوري الشعبي إبراهيم الأخرس مجرد خسارة لصوت غنائي ارتبط بوجدان أبناء الرقة، بل بدا وكأنه وداع لأحد آخر الحراس الذين حملوا الذاكرة الشفهية للفرات من المجالس الريفية إلى المسارح. فالرجل لم يكن مؤدياً للأغنية الشعبية بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان حاملاً لذاكرة مكان، نقلها بصوته ولهجته وأدائه إلى أجيال متعاقبة، في زمن كانت فيه الربابة تؤدي وظيفة الأرشيف، وكانت الأغنية تحفظ ما لم تكتبه الكتب.
لم يعد استهداف المسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة يبدأ بالجرافات أو بقرارات الهدم، بل بات يسبقه مسار أكثر هدوءًا وأشد خطورة، قوامه فرض طقوس دينية داخل باحاته، واختبار حدود ردود الفعل، ثم تحويل هذه الممارسات إلى أمر واقع. فالمعركة اليوم لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض، بل أصبحت معركة على الهوية والرواية والرمزية، تُدار بخطوات محسوبة تمهد لما قد يأتي لاحقًا.
اجتمَعَت العائلةُ في الصالة، بنتٌ وصَبيٌّ لم يتجاوزا العاشرة وفتى أكبر يبدو في مرحلة المراهقة، وقد تلقى ثلاثتهم أمرًأ صارمًا بترك الهواتف المحمولة جانبًا وعدم لمسها؛ فافترشت البنتُ ركنًا بعيدًا وراحت ترصُّ بضعة مكعبات ملونة يعاونها أخوها الأصغر؛ فيما أخذ الأكبر يستفزهما بشتَّى الطرق ويعابثهما بإسقاط ما نظما؛ لتستحيل القعدةُ في لمحة عين إلى معركة ضارية. ضجَّ الأب بعد قليل من المشاحنة والشكوى، فصاح مُستنكِرًا: "مش كبرت على كده؟"، ضحكت الأمُ التي تعرف ولدها حقَّ المَعرفة وردَّت دون تفكير: "مَن شبَّ على شيء شاب عليه".
لعقود طويلة، كان وصف أي سياسي أميركي بـ«الاشتراكي» كفيلًا بالقضاء عليه سياسيًا، وإخراجه من دائرة الضوء، وإنهاء مسيرته السياسية. واليوم، يحكم مدينة نيويورك ــ المدينة التي يراها كثيرون الأهم في أميركا والعالم ــ زهران ممداني، العمدة الشاب الذي وصل إلى هذا المنصب المرموق في انتخابات حرة، معتمدًا على أجندة اشتراكية.
معقدة هي العلاقة بين الحرب والمفاوضات. فأحيانًا ما يُستخدم التفاوض غطاءً سياسيًا أو تكتيكيًا لكسب الوقت، وإعادة ترتيب الصفوف، أو امتصاص الضغوط الدولية، بينما تدور رحى العمليات العسكرية في الميدان. وفي أحيان أخرى، تكون الحرب وسيلة ضغط على الطرف الآخر لإجباره على التفاوض، وإبداء مرونة، وتقديم تنازلات، فيما يسمى «التفاوض تحت النار». وفي الحالتين، تتناغم استراتيجية «الحرب من أجل التفاوض» مع الطرح الخالد للجنرال والمفكر الاستراتيجي البروسي الأشهر، كارل فون كلاوزفيتز، بأن «الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى».
يشكّل الخطاب الذي يقدّمه الشاعر والمفكّر علي أحمد سعيد أسبر (أدونيس) حول امتناع الثورة في الثقافة العربية الإسلامية نموذجاً إشكالياً لقراءة تنزع إلى التعميم الجذري، وتؤسس على فرضية مفادها أن "خاتمية النبوة" قد أغلقت أفق الفعل التاريخي، وحوّلت النص الديني إلى بنية مكتملة لا تقبل التمرد أو التجاوز. غير أن هذا التصور، عند إخضاعه لمقاربة إبستمولوجية نقدية، يكشف عن التباس منهجي عميق بين مستويين متمايزين: مستوى الوحي بوصفه حاملاً لقيم مطلقة، ومستوى التاريخ بوصفه مجالاً مفتوحاً للصراع والتأويل والتحقق.
تطرح ورقة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سؤالًا ماليًّا في ظاهره: هل من تمويل متاح للبنان لإعادة الإعمار؟ لكن الإجابة عبر تفكيك مصادر التمويل ومستوياته وشروط تحريكه، تكشف عن سؤال أعمق لا يخص الاقتصاد وحده، بل نمط إعادة إنتاج المجتمع بعد الكارثة. فحين تميّز الورقة بين "إعادة الإعمار" بوصفها إصلاحًا للبنية المادية، و"التعافي" بوصفه عودة الناس إلى دخلهم وخدماتهم ودورة حياتهم اليومية، فإنها تضع، من دون أن تسمّي ذلك صراحة، مسألة سوسيولوجية مركزية: من يعود، وإلى أي بنية اجتماعية يعود، وبأي شروط يُعاد إنتاج وجوده فيها؟
من خلالِ النافذةِ الزجاجيَّة الواسعة؛ لمحت العاملةُ مديرَ المكان وهو يخطو باتجاهها. تركت كسلها جانبًا وطوت مُسرِعة أطراف البساط، ثم تناولت المكنسة وراحت تحركها في هِمَّة ونشاط. وصل الرَّجل فألقى نظرة سريعة على الصالة ثم هزَّ رأسه مبتسمًا في رضاء، ولما خرج من المكان أعادت العاملة كلَّ شيء إلى وضعه الأول وانصرفت؛ فيما همست امرأة من مَجلسها القريب: "ناس تخاف ما تختشيش"؛ لكن أخرى تشاركها القعدة ردَّت ضاحكة: "على قد فلوسهم".
تُشكل السيادة الترابية واحترام الحدود المعترف بها دولياً، الحجر الأساس الذي قام عليه نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، والمحدِّد الرئيسي لمعادلات الأمن والاستقرار في الدراسات الاستراتيجية المعاصرة. وينبثق هذا الإطار القانوني الصارم من ميثاق الأمم المتحدة، وتحديداً في نصوصه التي تكرس مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء. الميثاق، يفرض التزاماً حتمياً بالامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها، ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.