من يمثل لبنان فى تقرير مصيره؟ بصياغة أخرى، من يحق له التفاوض، أو الحرب باسمه؟ السؤال بذاته يعبر عن انكشاف سياسى واستراتيجى ومجتمعى فى بلد مصيره معلق على تدافع الأحداث الملتهبة فيه وحوله.
من يمثل لبنان فى تقرير مصيره؟ بصياغة أخرى، من يحق له التفاوض، أو الحرب باسمه؟ السؤال بذاته يعبر عن انكشاف سياسى واستراتيجى ومجتمعى فى بلد مصيره معلق على تدافع الأحداث الملتهبة فيه وحوله.
على طرفِ الرَّصيف الضَّيق الذي يحتلُّ أكثر من نصفِه معرضُ سيارات، جلس بائع ثلاثينيّ ببضاعته المتواضعة المَرصُوصة بترتيب وإتقان على قفصٍ صَغير من الخشب. وصلت حملةٌ لإزالة الإشغالات، تركت سيارات المعرض على حالها؛ بينما انتزع الأفراد المكلفون بإخلاء المكان فرشةَ البائع ودفعوه بعيدًا عنها. وسط الشدّ والجَّذب والصياح هَمسَ عابر لزميله: "ما قدرش ع الحمار اتشطَّر ع البردَعة".
شهد الرابع من حزيران/يونيو 2026 لحظة فارقة في المشهد الجيوسياسي الشرق أوسطي، مع الإعلان عن اتفاق وقف النار بين إسرائيل ولبنان، بوساطة أميركية. تطورٌ أثار ردود فعل وتحليلات عميقة في الأوساط الأوروبية، عكستها وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والبيانات الرسمية. لم يكن الموقف الأوروبي موحداً، بل تراوح بين التفاؤل الحذر بإمكان احتواء الصراع، والقلق العميق إزاء هشاشة الاتفاق وتداعياته المحتملة على الاستقرار الإقليمي والأمن الأوروبي نفسه.
فى أول بيان علنى له حول الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتى امتدت من 28 شباط/فبراير حتى 7 نيسان/أبريل، حدد الرئيس الأميركى دونالد ترامب أربعة أهداف عسكرية محددة، قال البيت الأبيض إنها ستحدد نجاح الحملة على إيران، وذلك على النحو التالى: الأول، والأكثر إلحاحًا، تدمير البرنامج النووى الإيرانى.
أذكرني في مثل هذه الأيام قبل أكثر من سبعين سنة أجلس في المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأميركية بحي جاردن سيتي في القاهرة وأمامي كتبي وكراساتي اذاكر لامتحان نهاية العام الدراسي.
في كل مرة تشتعل فيها الحرب في لبنان، يعود مشهد النزوح ليحتل الواجهة. سيارات محمّلة بما تيسّر من الأمتعة؛ عائلات تغادر على عجل؛ أطفال يتركون غرفهم ومدارسهم وألعابهم، وشيوخ يودّعون بيوتاً لا يعرفون إن كانوا سيعودون إليها قريباً. لكن ما يثير القلق أكثر من مشهد النزوح نفسه هو الطريقة التي يتحوّل فيها النازح، بعد أيام قليلة، إلى مادة للجدل السياسي والسجال الاجتماعي، وكأننا ننسى أنّ الحديث يدور، أولاً وأخيراً، عن مواطن لبناني اضطر إلى مغادرة منزله قسراً بحثاً عن الأمان.
نعيش اليوم لحظة تاريخية تشهد تحولات رئيسية على المستويين العالمي والإقليمي، في مختلف أقاليم العالم وإن بدرجات متفاوتة. وقد أفرزت هذه التحولات سمات جديدة في العلاقات الدولية، بدأ بعضها يستقر بوصفه قواعد ناظمة للعلاقات بين الدول في المستقبل، فيما لا يزال بعضها الآخر في طور التشكل ضمن نظام عالمي جديد يوصف بأنه «النظام الدولي الذي أعقب مرحلة ما بعد الحرب الباردة".
في اللحظات المفصلية التي تمر بها الدول، يتحول الخطاب السياسي إلى عنصر مؤثر في تشكيل وتوجيه الرأي العام، تهدئةً أو تصعيداً. في حالة لبنان، البلد الذي يواجه حالياً تحديات غير مسبوقة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، ثمة حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب وطني مسؤول يساهم في تعزيز الاستقرار الداخلي وتحصين الجبهة الوطنية.
تُطرح اليوم قضية الدولة في لبنان ليس كأزمة إدارة أو تعثر نظام فحسب، بل كإشكالية وجودية تضرب في جذور التأسيس ومقومات السيادة.
تُعيد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران رسم خريطة الشرق الأوسط بسرعة وقوة لم يشهدهما منذ عقود. لكن خلف كل ما حدث ويحدث، ثمة معادلات وثوابت راسخة لا تستطيع الحروب والقنابل ـ مهما بلغت دقتها ـ أن تزيلها أو تغيّرها.