دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة التي يُمكن احتواؤها بضربة عسكرية محدودة تعقبها مفاوضات خلفية، وفي الوقت نفسه، لم تتطور إلى حرب شاملة بالمفهوم التقليدي الذي يستهدف إسقاط النظام واحتلال الجغرافيا.
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة التي يُمكن احتواؤها بضربة عسكرية محدودة تعقبها مفاوضات خلفية، وفي الوقت نفسه، لم تتطور إلى حرب شاملة بالمفهوم التقليدي الذي يستهدف إسقاط النظام واحتلال الجغرافيا.
تدرك واشنطن أن خنق إيران إقتصادياً يتطلب شراكة مع بكين، وهو أمر ليس بمتناول اليد تفاديا لحرب تجارية جديدة ولحظر صيني يطال صادرات المعادن النادرة التي تحتاجها التكنولوجيا الأميركية، كما يقول هنري توغندهات، في مقالة له في "فورين بوليسي"، وهذا أبرز ما جاء فيها:
لم تعد نقاط الاختناق البحرية مجرد ممرات ضيقة تعبرها السفن، بل أصبحت عناصر حاسمة في بنية الاقتصاد والجغرافيا السياسية العالمية، نظراً إلى تركّز تدفقات الطاقة والتجارة عبرها وصعوبة استبدالها بسرعة وكفاءة عند حدوث اضطراب.
أكثر من ستة أشهر مضت على بداية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، من دون أن تتضح ملامح نهايتها. ولا يزال الطرفان يسعيان إلى تحقيق انتصار، أو بلوغ تسوية تحفظ لكل منهما ما أمكن من المكاسب، في حرب يصعب حتى الآن إخضاعها لمعادلة واضحة من نوع «رابح - خاسر».
منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن والصومال يعيش حالة من الانقسام والتشرذم والنزاعات والحروب الأهلية، فضلًا عن خصومات واحترابات وصراعات إقليمية، لذلك أصبح في عداد الدول المنسية، في الوقت الذي كانت تربطه بالعالم العربي وشائج كثيرة وعلاقات طيبة ومواقف مشتركة.
في أغلب المجالس والاجتماعات، الخاصّة منها والعامّة، التي نشارك فيها إلى حدّ ما، ولا سيّما ضمن البيئة الشّيعية في لبنان تحديدًا، يتكرّر الحديث راهناً عن وجود خطر ملموس وحقيقيّ يتهدّد الوجود الشيعي برمّته في لبنان وفي بلاد الشام، أو، في حدٍّ أدنى، يتهدّد الدّور الشّيعي والمكانة الشّيعية على المستويات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة بشكل خاصّ. لكن، هل هذا الادّعاء الذي نسمعه بصورة شبه يومية من أشخاص على مستوى عالٍ من الثّقافة والدّراية بالشؤون السّياسية والتّاريخية، ومنخرطين بفاعليّة في الحياة الاجتماعية والسياسية تحديداً.. هو ادّعاء في محلّه؟ هل هو واقعيّ؟
لبنان في طور السقوط. يعيش حالياً لحظاته التاريخية شبه الأخيرة. كلام مخيف. الأمر يحتاج إلى معادلاتٍ توازنيَّةٍ داخلية جديدة؛ لكي تلوح في الأفق بارقة أملٍ في الإنقاذ. كلُّ شيءٍ حوله تغيَّر ضِدَّهُ. أمَّا الأخطرُ فهو وجود شريحةٍ "لبنانيَّةٍ" مُغامِرةٍ، تدعو إلى تقبُّل العودة إلى "لبنان الصغير" ضمن المحاولات الإقليمية والدوليَّة لإعادة إنتاج اتفاقية سايكس-بيكو منقَّحة أميركيَّاً وإسرائيليَّاً في كلِّ بلاد العرب.
على بوَّابة أحد الامكنة التي عملت ذات يومٍ بها، أذكر وجودَ امرأةً عَجوز ضِمن أطقم النظافة؛ تلتزم مكانها ولا تغادره قبل موعد الانصراف. كلما وَصَل شخص؛ كلما انتفضت العجوزُ واقفةً ورأسها مَحنيٌّ قليلًا، بينما يداها إلى جانبيها كأنها تؤدي التمام العسكريّ. إن كانت تمضُغ طعامَ الإفطار كفَّت عن المَضْغ وسكنت اللقمةُ جانبَ فمها، وإن كانت تتحدَّث في المَحمول صَمَتت وسُمِعَ صَوتُ مُحدثها مُنفردًا على الجانب الآخر. رجوتها مرةً وعشرًا أن تظلّ جالسَةً على مقعدها وأن تكتفيَ برد التحية دون مظاهر متكلفة؛ لكنها لم تستطع أن تغيرَ عاداتها. فكرت ذات يوم أن أخاطبها بما قد يجد لديها صدى؛ قلت: "كلنا ولاد تسعة". ضحكت ضحكةً كبيرةً وتخلت عن تحفظها وهي تجيب: "ربنا يعزّك يا دكتوره، ما يصحّش".
جميعنا، أبناء الجنوب، وخصوصاً أبناء القرى المحتلة، نحلم بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي والعودة إليها لتفقد بيوتنا أو ما تبقى من أثر لها في ضوء ما شهدته المدن والقرى الجنوبية، من تدمير وتجريف ومحو لمعالم الحياة والإنسانية.
ثمة مفارقة تختصر جانباً كبيراً من أزمة الدولة في لبنان: أنّها تعرف عن مواطنها أكثر مما تعرف أحياناً عن نفسها. تعرف عقاره، ضريبته، سيارته، معاملاته، وتستطيع ملاحقته إذا بنى غرفة غير مرخصة أو حفر بئراً من دون إذن؛ لكنها قد تصل إلى طاولة تفاوض في قضية سيادية، فتكتشف أنها لا تملك ملفاً كاملاً، ولا معلومة موثقة، ولا جهازاً متفرغاً لجمعها.. ولا إرادة بجعل معيار المصلحة الوطنية العليا يتقدم على غيره من معايير.