أحمد الشرع Archives - 180Post

G1iuAAEXIAArdcA.jpg

لا يشبه الجوار اللبناني – السوري أيَّ علاقةٍ حدوديةٍ أخرى في المشرق. على الورق، هناك خطٌّ دوليّ يفصل بين دولتين مستقلّتين؛ لكن في الواقع، تمتدّ المدن والقرى والعائلات والاقتصاد عبر هذا الخط من دون أن تتوقّف كثيرًا عنده. هذا التداخل جعل الجوار أقرب إلى «بنية دائمة» منه إلى خيار سياسي قابل للإلغاء، وجعل أيَّ تبدّل في سوريا أو لبنان يرتدّ مباشرةً على الآخر. من هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة هذه العلاقة في زمن «الجار المتغيّر» ومن خلال «ذاكرة سياسية» مثقلة ومتضاربة؟

800.png

لطالما يقول دونالد ترامب ما يعتقده ضمنيّاً، أو ما يفكّر به باطناً. وكثيراً ما يرمي بالأشياء رمياً: كما هي - تماماً - في أحيان كثيرة؛ وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع. والواقع هو أنّني خلال متابعتي للمؤتمر الصّحفيّ بينه وبين بنيامين نتنياهو، أدركت أنّ هناك وقائع ما فتئنا نتجادل حول صحّتها أو حتّى حول حقيقتها - إن جازت التّعابير - ولكنّها قد تجلّت بوضوح كبير نسبيّاً من خلال هذا المؤتمر بشكل خاصّ. وأودّ أن نتوقّف عند بعضها سويّاً، لنحاول مقاربتها بشكل هادئ وموضوعيّ قدر الإمكان.

800-1.jpg

عام 2025 كانت علامته الفارقة دخول سوريا في مرحلةٍ جديدة للمرة الأولى منذ تشكلها كدولة على أثر اتفاقية سايكس – بيكو والإحتلال الفرنسي بعد إسقاط الحكم الفيصَلي الوليد. وكمجرياتِ فيلمٍ سينمائي، كنا كلبنانيين، نشهدُ سوريا مختلفة، لا عن تلك التي رأيناها عبر جيشها ومخابراتها في لبنان فحسب، بل عن أي سوريا أخرى في التاريخ الحديث.

799.jpg

استخدمت الصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن نحو ثماني مرات ضد مشاريع قرارات مرتبطة بالأزمة السورية (2011 – 2024)، مستندة إلى مبررات مبدئية تتعلق بصون السيادة السورية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وبرغم هذا الاستخدام المتكرر للفيتو، بقيت بكين حريصة على عدم الانخراط المباشر في دعم نظام بشار الأسد، مُفضِّلة التمسك بخيار الحل السياسي القائم على الحوار بين جميع الأطراف السورية. مع ذلك، فإن ما اعتبر دعماً صينياً دبلوماسياً واسعا للأسد، لم يشكّل عائقاً أمام مقاربة النظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع للعلاقات الصينية السورية. لذا، أوفد وزير خارجيته أسعد الشيباني إلى بكين، مؤخراً.

800-22.jpg

لا يمضي يوم منذ إعلان دمشق «التعاون السياسي» ضمن منظومة الحرب على «داعش» إلّا ويترك الحدث ورقةً جديدةً على طاولة الفقه والخطاب داخل الأوساط الجهادية، ولا سيما في ضوء زيارة الرئيس الإنتقالي أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة.. مسارٌ لا أحد يستطيع التنبؤ منذ الآن بمآلاته وخصوصاً عندما تتصادم المفردات السياسية الجديدة مع وقائع الميدان المعقدة جداً.

800-9.jpg

مع انهيار نظام بشار الأسد، دخلت سوريا في مرحلة جديدة من التحول السياسي وإعادة التموضع الإقليمي؛ مرحلةٌ هي نتاج موازين القوى التي نشأت غداة السابع من أكتوبر/تشرين الأول، على الصعيد الإقليمي، التاريخ الذي مثّل نقطة انعطاف إقليمية كبرى وفتح الباب أمام تحولات استراتيجية لا مثيل لها منذ أكثر من ستة عقود من الزمن.

8000-1.jpg

لطالما كانت حرب تشرين/أكتوبر 1973 الركيزة الأساسية في السردية البعثية الرسمية، إذ حوّل النظام السوري السابق الانتصار العسكري إلى أسطورة سياسية، استثمرها لتبرير هيمنته وشرعنة قمعه الداخلي تحت شعارات الوحدة والحرية والإشتراكية. وقد تجسّدت هذه السيطرة الرمزية على الذاكرة في صرح ضخم هو "بانوراما تشرين"، الذي لم يكن مجرد متحف، بل إعلانًا سياسيًا صامتًا، أرادت به السلطة أن تُخلّد نفسها وتجبر الزائر على الاستسلام لرواية النصر المطلق والقيادة الخالدة.

750-11.jpg

بعد إزالة خطر تنظيم (داعش) عن سوريا في العام 2017 وفق معادلات خاضها الجيش السوري وحلفاء دمشق وبينهم روسيا التي وفّرت غطاءً جوياً لا مثيل له، راح بشار الأسد يستغرق في رسم خارطة طريق جديدة تضمن له البقاء في السلطة، لا سيما بعد تلقيه إشارات ترحيب من جهات خارجية بينها السعودية والإمارات التي أعادت فتح سفارتها في العام التالي، وتبعتها بعد ثلاث سنوات، زيارة لوزير خارجيتها عبد الله بن زايد إلى سوريا، ومن ثم توّج التقارب بين البلدين، في العام التالي، بزيارة للرئيس الأسد إلى دولة الإمارات العربية في آذار/مارس 2022.

80.jpg

تتحرك خرائط الشرق الأوسط ككائنٍ يبدّل جلده تحت ضغط الزلازل السياسية والعسكرية، فتتقدّم مصر وتركيا وقطر في مشهدٍ يعاد فيه توزيع موازين القوة والرمز، فيما تخرج إيران والسعودية وسوريا من حالة الارباك لتعيد تركيب حضورها على ضوء ما خلّفه تسونامي الدم الذي أطلقته آلة الحرب الإسرائيلية في فلسطين. كلّ موجةٍ من ذلك الدم كانت تُعيد تعريف السلطة في المنطقة، وتحمل معها وعياً جديداً بحدود العجز والإمكان.

800-41.jpg

شكّل الملف السوري أحد أعقد التحديات التي واجهت السياسة الخارجية الأميركية في القرن الحادي والعشرين. منذ اندلاع الصراع السوري عام 2011، وجدت واشنطن نفسها في مأزق استراتيجي حقيقي: كيف تتعامل مع تحولات مشهد إقليمي مضطرب، وهي تترنح تحت وطأة تداعيات حربي العراق وأفغانستان؟