دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة التي يُمكن احتواؤها بضربة عسكرية محدودة تعقبها مفاوضات خلفية، وفي الوقت نفسه، لم تتطور إلى حرب شاملة بالمفهوم التقليدي الذي يستهدف إسقاط النظام واحتلال الجغرافيا.
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة التي يُمكن احتواؤها بضربة عسكرية محدودة تعقبها مفاوضات خلفية، وفي الوقت نفسه، لم تتطور إلى حرب شاملة بالمفهوم التقليدي الذي يستهدف إسقاط النظام واحتلال الجغرافيا.
تُعدّ الحرب الجارية على إيران أكبر تدخل عسكري أميركي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003. وبعد أكثر من ستة أشهر على بدء الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي، لم تنتهِ الحرب ولم يحقق أي من أطرافها نصراً حاسماً، على الرغم من إعلان كل من واشنطن وطهران الانتصار أكثر من مرة. لكن المفارقة الأكثر إثارة تتمثل في أن إدارة الرئيس دونالد ترامب خاضت هذه الحرب على النقيض من الوعود التي كررها ترامب أمام أنصاره في تيار «أميركا أولاً»: عدم خوض حروب خارجية جديدة، ودفع الحلفاء إلى الاعتماد على أنفسهم، وتجنب التورط، خصوصاً في الشرق الأوسط، في حروب لا تعرف الولايات المتحدة كيف تنهيها سريعاً.
ثمة لحظات في تاريخ المناطق تتجاوز وظيفة الحدث، وتتحول إلى مادة تأسيسية لزمن جديد. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يقترب من هذا المعنى. حرب تمتد منذ أشهر، يتداخل فيها مضيق هرمز مع المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، وأمن الخليج مع أسواق الطاقة، ولبنان مع خرائط النفوذ، والممرات البحرية مع مفهوم القوة نفسه. كل ساحة تبدو متصلة بالأخرى، وكل حركة في مكان تنتج أثرًا يتردد في أمكنة أبعد، حتى بات الإقليم كله يتحرك داخل زمن استراتيجي واحد.
لم يعد الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط قضية مرتبطة بحقول بحرية متفرقة أو بنزاعات ترسيم حدود بين دول متجاورة. فالتطورات التي شهدها الشرق الأوسط خلال عام 2026، ولا سيما اضطراب حركة الطاقة عبر مضيق هرمز وباب المندب، أعادت تعريف وظيفة المنطقة بأكملها. ما كان يُقرأ سابقاً بوصفه تنافساً على مكامن الغاز أصبح جزءاً من صراع أوسع على الممرات التي تنقل الطاقة من الخليج وشرق المتوسط إلى أوروبا.
هذا النص المنشور في موقع "ذا أتلنتيك" ميزته بمضمونه السياسي الحاد وبكاتبه الأميركي روبرت كاغان، وهو من الباحثين والمؤرخين المنتمين إلى ما يُعرف بالتيار المحافظ الجديد في الولايات المتحدة. يشغل كاغان مناصب أكاديمية عدة وعمل مستشاراً للسياسة الخارجية لإدارات أميركية عدة وهو زوج فيكتوريا نولاند التي تولت منصب وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية خلال الجزء الأكبر من ولاية جو بايدن. أما المقال فهو بعنوان "إيران بلا قيود" وهذا أبرز ما تضمنه:
هل يُمكن تناول المواجهة الحالية بين إيران والمحور الأميركي-الإسرائيلي في إطار التطور الحديث لجيوبوليتيك هالفورد ماكيندر ونيكولاس سبايكمان حول «الهارتلاند» (Heartland)، أي قلب أوراسيا، و«الريملاند» (Rimland)، أي حزام الحافة؟ وماذا يعني أن تضطلع إيران جيوسياسياً بوظيفة الحاجز الشرق أوسطي عند إحدى أهم نقاط التماس بين العمق القاري الأوراسي والحزام البحري المحيط به؟
ما بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ليس كما قبلها. فالحلفاء العرب الذين فقدوا جزءاً كبيراً من ثقتهم بواشنطن "سيصبحون أكثر ميلاً إلى ممارسة الاستقلالية في سياساتهم الخارجية. وقد يعني ذلك توسيع الاتصالات الدبلوماسية مع إيران، وتعميق العلاقات مع الصين وروسيا، حتى عندما يتعارض ذلك مع الرغبات الأميركية"، كما يتوقع مارك لينش (*)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، وذلك في مقالة له نُشرت في "فورين أفيرز"، وهذا أبرز ما تضمنته:
منذ اندلاع الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، يصعب على المراقب أن يتجاهل، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة التي مرّت، أنّ شيئاً أعمق من الحرب نفسها يتحرّك تحت سطح الأحداث. فبعيداً عن ضجيج هذه الأخيرة، وعن الخطابات الأيديولوجيّة هنا وهناك، وعن محاولة كلّ طرف في الحرب إعلان انتصاره أو التّقليل من إنجازات الآخر.. تبدو المنطقة أمام مراجعة أوسع لتحالفاتها وللأسس التي قام عليها أمنها طوال عقود.
«دخلت الإدارة الأمريكية معارك الشرق الأوسط بهدف إعادة تشكيل المنطقة، لكن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت أن أمريكا خسرت نفوذًا ورصيدًا استراتيجيًا أكثر مما كسبت». هذه العبارة ليست من تأليفي أو تخيّلي، وإن كنت قد قلتها كثيرًا في هذا المكان خلال الأسابيع الأخيرة، لكنها للكاتب الأمريكي المعروف في صحيفة «نيويورك تايمز»، توماس فريدمان، في مقال أخير له نُشر قبل أيام قليلة.
أعاد الزميل ياسر مناع من أسرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) قراءة التقرير السنوي الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، في ضوء المؤتمر السنوي للأمن القومي الذي يعقده المعهد بالشراكة مع "يديعوت أحرونوت" بعنوان "العصر الأمني الجديد لإسرائيل"، إلى جانب قراءة تقدير الموقف التي عرضها تامير هايمان، رئيس المعهد والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان). وهذا أبرز ما تضمنته هذه القراءة: