المواطنة Archives - 180Post

1.jpg

التحديات التي واجهتها وتواجهها سورية، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، وبمظاهرها المتعددة، تفرض علينا إعادة التفكير في شكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

810.jpg

يدخل الكيان اللبناني قرنه الثاني مثقلًا بأزمة رافقت نشأته، وعمّقتها اختلالات الصيغة السياسية والدستورية، والصدامات الأهلية، والتدخلات الخارجية، والحروب. وقد نجحت التسويات في تهدئة النزاعات وتأجيل انفجارها، لكنها عجزت عن بناء دولة تحوّل تعدد الجماعات إلى شراكة، وتجسّد مصلحةً وطنية عليا تحول دون ارتداد الاختلاف إلى نزاع على الكيان نفسه.

800-31.jpg

لعلّ أعسر ما تواجهه المجتمعات الخارجة من أتون نزاعاتها الداخلية ليس إعادة الإعمار المادّي، بل إعمار ما هو أدقّ وأعمق: الانتماء المشترك. ذلك الإحساس الذي يجعل المواطن يرى في جاره شريكاً في الوطن لا منافساً في البقاء، وينتمي إلى هويّة وطنية جامعة دون أن تُلغي بالضرورة انتماءاته الأخرى من طائفة وإثنية وعشيرة ومنطقة. وهذا بالضبط التحدّي الذي يواجه سوريا اليوم.

800-26.jpg

تُقاس قدرة الأمم على صناعة مستقبلها بقدرتها على اختيار أسئلتها الكبرى؛ فالسؤال الذي تطرحه أمةٌ على نفسها يكشف وعيها بذاتها، ويرسم أفقها الحضاري، ويحدد اتجاهها في التاريخ. واللافت للانتباه أن العالم يتجه اليوم نحو سؤال المستقبل: كيف نبني الإنسان القادر على إنتاج المعرفة وبناء المؤسسات وقيادة التحولات؟ بينما ما يزال جانب واسع من الفكر والسياسة العربيين يدور حول سؤال آخر: كيف نصل إلى السلطة ونحافظ عليها؟ ما بين السؤالين تتحدد المسافة بين أمم تصنع المستقبل وأخرى تكتفي بإدارة أزماتها.

800-27.jpg

لكل انتقالٍ تاريخي لحظةٌ يبدأ فيها المستقبل بطرح أسئلته قبل أن ينتهي الماضي من تقديم أجوبته. عندها لا يكفي فهم أسباب التعثر، بل يصبح التحدي بناء الطريق إلى ما بعده. ويبدو أن لبنان، بعد قرنٍ من الأزمات، قد بلغ هذه اللحظة التي لم يعد فيها إصلاح الدولة كافيًا، بل غدا التفكير في إعادة تأسيسها ضرورة وطنية.

799.jpg

في كل مرة تشتعل فيها الحرب في لبنان، يعود مشهد النزوح ليحتل الواجهة. سيارات محمّلة بما تيسّر من الأمتعة؛ عائلات تغادر على عجل؛ أطفال يتركون غرفهم ومدارسهم وألعابهم، وشيوخ يودّعون بيوتاً لا يعرفون إن كانوا سيعودون إليها قريباً. لكن ما يثير القلق أكثر من مشهد النزوح نفسه هو الطريقة التي يتحوّل فيها النازح، بعد أيام قليلة، إلى مادة للجدل السياسي والسجال الاجتماعي، وكأننا ننسى أنّ الحديث يدور، أولاً وأخيراً، عن مواطن لبناني اضطر إلى مغادرة منزله قسراً بحثاً عن الأمان.

790-2.jpg

يتخيَّل إلينا، عندما نستمع اليوم إلى بعض الحديث الدّائر لا سيّما ضمن أوساط رسميّة (أو "سياديّة") لبنانية معيّنة، كما إلى أغلب خطابها السّياسيّ المتجلّي في المرحلة الرّاهنة بشكل خاصّ: يتخيّل إلينا، إلى حدّ كبير نسبيّاً، وربّما يكون ذلك مقصوداً.. وكأنّ مشروع "بناء الدّولة" في لبنان، يتمحور حول نقطةٍ واحدةٍ فقط عمليّاً أو ضمنيّاً، ألا وهي مسألة "حصر السّلاح" كما تُسمّيها الحكومة اللّبنانيّة الحاليّة، أو مسألة ما يُشار إليه أحياناً "باحتكار العنف".

800-11.jpg

ليس لبنان دولة فاشلة بالمعنى التقليدي، بل كيان لم ينجح في إنتاج المعنى الذي يجعل الدولة ممكنة أصلًا. فالأزمة التي يعيشها لا تختزل في الفساد أو سوء الإدارة أو اختلال التوازنات، بل تكمن في الشروط التي يقوم عليها الاجتماع السياسي ذاته، حيث يغيب المعنى الذي يوحّد الأفراد داخل إطار جامع. من هنا، لا يعود السؤال كيف نُصلح النظام، بل ما إذا كان قابلًا للإصلاح، أم أن المطلوب هو إعادة تأسيس الدولة عبر بناء عقد اجتماعي جامع يقوم على معنى مشترك يسبق الجماعات ويتجاوزها جميعًا.

1-1.jpg

يعالج هذا النص أزمة الكيان اللبناني بوصفها أزمة بنيوية تتجاوز النظام السياسي إلى المعنى الذي يقوم عليه.. ومن خلال تحليل نظري وتاريخي مقارِن، يفكك النص البنية الطائفية بوصفها عائقًا ونقيضًا لمنطق الدولة الحديثة، ويعيد تعريف شروط قيام كيان سياسي قائم على المواطنة والإرادة العامة، ويخلص إلى أن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاح النظام فقط، بل بإعادة تعريف الأُسس التي يقوم عليها الكيان السياسي.

800-14.jpg

ينطلق هذا المقال من مقاربة ترى في أزمة الدولة في العالم العربي أزمةً بنيوية في المعنى الجامع، قبل أن تكون خللًا إداريًا أو فشلًا سياسيًا عابرًا. فالدولة لا تقوم على القوّة أو على انتظام المؤسّسات وحدها، بل على قدرتها على إنتاج معنى مشترك يمنح السلطة شرعيتها، ويحوّل الطاعة من خضوع قسري إلى قبول واعٍ، والانتماء من رابطة مفروضة إلى خيار جماعي قابل للتبرير.