النزوح Archives - 180Post

800-35.jpg

لبنان عند مفترق حاد، لكن السؤال المطروح عليه اليوم ليس جديداً بقدر ما هو مُعاد بصيغة أكثر قسوة: هل يُفاوض تحت النار، أم يؤجل التفاوض حتى تتغيّر موازين القوة؟ ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو أن أدوات الضغط لم تعد عسكرية فقط، بل بنيوية أيضاً، تطال الاقتصاد والمؤسسات والنزوح وخطاب الكراهية إلخ..

8000.jpg

بعد الضربات الأولى يتبدّل شكل الصراع. اللحظة الافتتاحية تشبه ضربة الطبل التي تعلن بداية المقطوعة، ثم يدخل الزمن لاعباً أساسياً في المعركة. السؤال المركزي يتحول إلى إيقاع: متى تضرب، كيف تضرب، وبأي أداة. في الحروب المعاصرة يصبح الزمن نفسه سلاحاً، ويغدو التحكم بإيقاع الأحداث جزءاً من السيطرة على مسار الصراع.

Libanon1_1.png

يقف لبنان اليوم عند تقاطع مسارات إقليمية ودولية معقدة. لم تعد المعادلات الداخلية، سياسةً وميداناً، وحدها تتحكم بمآلات الحرب على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية. باتت هذه الحرب، إلى حد بعيد، جزءاً من صراع أوسع تتحكم بإيقاعه ثلاث قوى هي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. في ظل هذا الواقع، يبدو أن مسار الأحداث يتشكل وفق حسابات هذه القوى الثلاث التي تتصارع فوق رقعة الشرق الأوسط، فيما يجد لبنان نفسه مرة جديدة في موقع الساحة التي تتقاطع فيها الرسائل العسكرية والضغوط السياسية والرهانات الاستراتيجية.

nabih.jpg

في خضم هذا المشهد اللبناني الإقليمي الملتهب، كان لافتاً للانتباه موقف الرئيس نبيه بري. فعندما سُئل عن التطورات اكتفى بالقول: «لا تعليق». عبارة «لا تعليق» أتت من رجل يحمل في جعبته من الخبرة ما لا يمتلكه أي من الساسة اللبنانيين، وباعترافهم. فمن خاض أصعب وأعتى وأخطر المعارك السياسية أدرك مبكراً أن ما يجري ليس مجرد معركة عسكرية عابرة، ولا مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المعهودة، بل تأسيس لمشروع تفتيتي جديد يعيد رسم خارطة المنطقة على مقاس «إسرائيل الكبرى» المُشتهاة.

800-53.jpg

لا تعيش ذاكرة الجنوبيّين بعد «حرب الإسناد» في الرّوايات الشفهية فحسب، بل تستقرّ في الأجساد والبيوت المهدّدة، وفي الكلمات المتردّدة على شرفات المنازل المؤقّتة، وفي الأحلام المؤجَّلة عن عودةٍ قد لا تشبه ما فُقِد. بعد سنة على النّزوح، لا يكون السّؤال فقط عمّا حدث، بل عن الكيفية التي يستمرّ بها الحدث في التجلّي، في أرق اللّيل، في الزّيارات الخاطفة إلى القرى، في الجدل حول من يحقّ له أنْ يتكلّم باسم الجنوب، وفي الصور المتخيَّلة لجنوبٍ قادمٍ قد لا يشبه الجنوب الذي عرفه النّاس من قبل.

800-51.jpg

بعد سنةٍ على خروج آلاف الجنوبيّين اللّبنانيّين من منازلهم فيما سُمِّيَ «حرب الإسناد»، تبدو الذّاكرة أشبه بحقلٍ مفتوحٍ لا يزال التّشكُّل جارياً فيه، لا أرشيفاً مغلقاً يمكن العودة إليه بثقة. في الجنوب اللبناني، لا تُقَاسُ السّنوات بالتّقويم فحسب، بل بتواريخ الحروب التي تحوّلت إلى علامات طريقٍ في سيرة النّاس، اجتياحٌ، عدوانٌ، انسحابٌ، حربٌ جديدة، هدنةٌ موقّتة. في هذا التّراكم تصبح «السّنة الواحدة» زمناً كثيفاً بطبقاتٍ متراكبةٍ من الخسارات والتكيّف وإعادة الحكي، وتغدو تجربة النّزوح الأخير حلقةً تُعَادُ قراءتها على ضوء ما سبقها وما قد يأتي بعدها.

Gaza-1.jpg

"قهراً وليس بخاطري.. اضطررت وأسرتي لمغادرة شقتنا في مدينة غزة، الخميس الماضي. حملنا متاعنا- أو ما تبقى لنا من متاع- ودفعنا تكاليف فاقت ما نملكه، وسرنا مسافة تجاوزت السبع ساعات؛ تحت لهيب الشمس وظلام الليل ووعرة الطريق الذي جرفته دبابات العدو النازي مراراً وتكراراً".

mama.jpg

لطالما شكّل الشريط الحدوديّ الجنوبيّ في لبنان أكثر من مجرّد خطٍّ فاصلٍ على الخريطة؛ فقد كان عبر عقودٍ طويلةٍ فضاءً اجتماعياً واقتصادياً غنياً، حيث تتشابك حياة السكان مع تفاصيل المكان بشكلٍ عضويٍّ. هذه القرى والبلدات لم تكن مجرّد مواقع سكنية، بل كانت مساحاتً يوميةً تُمارَسُ فيها الزراعة، وتُبنى فيها روابط القرابة، وتُحيَى فيها الطقوس الاجتماعية والدينية.

israel-3.jpg

أيامٌ قليلةٌ تفصلنا عن مرور عام على حرب غزة أو تحديدًا حرب الإبادة التى تشنها إسرائيل على القطاع. وقد وضعت سقفًا عاليًا لأهدافها المتوخاة من تلك الحرب التى تستمر ولكن بوتيرة منخفضة نسبيًا عما كانت عليه من قبل.

aytaroun.jpg

في الأسابيع الأولى التي تلت 8 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عاش سكان الجنوب اللبناني ولا سيما أبناء القرى الحدودية، حالة من الترقب، لكنهم قرّروا البقاء في بيوتهم وممتلكاتهم وأرزاقهم قبل أن يشتد أوار العنف الإسرائيلي الممنهج، لتبدأ حركة نزوح تدريجية شملت معظم القرى الحدودية.