لا تعني مذكرة التفاهم التي التي ستوقع عليها واشنطن وطهران، اليوم الأحد، بحسب ما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سوى ترحيل القضايا الخلافية إلى المفاوضات التي سيباشرها الجانبان، لمدة 60 يوماً، إلا إذا تم تمديدها في مرحلة لاحقة.
لا تعني مذكرة التفاهم التي التي ستوقع عليها واشنطن وطهران، اليوم الأحد، بحسب ما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سوى ترحيل القضايا الخلافية إلى المفاوضات التي سيباشرها الجانبان، لمدة 60 يوماً، إلا إذا تم تمديدها في مرحلة لاحقة.
مع بدء العد العكسي لتوقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، إذا صدقت نوايا دونالد ترامب، حان وقتُ الأسئلة الكُبرى بشكل أو بآخر، إن صحّ التّعبير. وهي أسئلةٌ نحاول من خلالها أن نتجاوز الوقائع الآنيّة والمظاهر العابرة نحو ما هو أكثر عمقاً وأشدّ ارتباطاً في اعتقادنا بما يجري في المنطقة وفي لبنان، وأشدّ ارتباطاً بمستقبل شعوب المنطقة وبمستقبل لبنان أيضاً.
لا يوجد أيُّ مؤشِّرٍ واقعي، ولو بصيصاً، يدلُّ على نيّةِ العدوِّ الإسرائيلي الانسحاب من لبنان. تحت هذا السقفِ لا قيمةَ إطلاقاً لحديث واشنطن والسلطة اللبنانية عن وقْفِ إطلاق النار. سيبقى الجنوب - في المدى المنظور على الأقلِّ - مشتعلاً: احتلالٌ يُواصلُ عدوانَه، ويتوسَّعُ نحو مداخل البقاع، ومقاومةٌ تواصل الردَّ والصدَّ.
لا يمكن فهم التحركات الصينية المتسارعة في بحر الصين الجنوبي بوصفها مجرد نزاع حدودي على جزر صغيرة أو شعاب مرجانية متناثرة في المياه الاستوائية. فالصراع الدائر هناك أعمق بكثير من خرائط السيادة وأبعد من الخلافات القانونية حول الحدود البحرية.
في كل مرة يدخل فيها لبنان مرحلة جديدة من مراحل التحول السياسي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: ما حجم النفوذ الأميركي الفعلي في هذا البلد؟ وهل تمتلك واشنطن القدرة على إعادة تشكيل التوازنات اللبنانية وفق رؤيتها، أم أن الحديث عن وصاية أميركية يعكس مبالغة ترتبط أكثر بضعف البنية الداخلية اللبنانية منه بقدرة الخارج على الحسم؟
ثمة ضرورة لإخضاع الموقف المتقلّب للرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء التصعيد الإسرائيلي الأخير في لبنان لتحليل عقلاني، بعدما بدت السياسة الأميركية "سوريالية" مع التخبط المستمر في التعامل مع أزمات غزة وأوكرانيا وإيران ولبنان وغيرها. لكن "السوريالية" المشكو منها ربما تكون مطلوبة إذا كانت استراتيجية واشنطن هي نفسها تحتمل أن تكون "استراتيجية اللا استراتيجية".
القراءات التي تحصر الحدث في سؤال الردع الموضعي، وفي معادلات الضربة والرد، تبقى عند حافة المشهد. نحن أمام حرب تتجاوز حسابات الصاروخ والهدف، إلى صراع على المعنى الجيوسياسي للمنطقة كلها: من يملك حق رسم الحدود المقبلة للنفوذ؟ من يدخل إلى النظام الإقليمي الجديد كقوة مقرِّرة؟ ومن يجلس على هامشه كقوة مستهلكة للأزمات؟
من كان يتوقّع أن إسرائيل ستعاني من مسيّرات حزب الله في جنوب لبنان، وبخاصة تلك التي تستعمل الألياف الضوئيّة (FPV)، ومن قال إنه لا حلّ إسرائيلياً جاهزاً حالياً لهذه المسيّرات، أي في الدولة التي يُطلق عليها دولة "الشركات التكنولوجية الناشئة"؟ ألم تُصدّر إسرائيل أسلحة متطوّرة في العام 2024 بقيمة نحو 15 مليار دولار، ومن ضمنها المُسيّرات الحربيّة؟
خاب أمل المراهنين على عدم رد إيران على القصف "الإسرائيلي" للضاحية الجنوبية لبيروت، وفرجت أسارير المراهنين على الرد الإيراني. ولكن بين الاثنين، وبقراءة متأنية، بالإمكان القول إن طهران استطاعت، بقرارها الجريء بقصف المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، أن تفرض إيقاعها في هذه الحرب، وأن تعيد وضع مظلة أمان إيرانية فوق الضاحية، ما أزعج فريق السلطة اللبنانية المتمسك بالمفاوضات المباشرة مع "إسرائيل" تحت الرعاية الأميركية.
لم تعد اتفاقات وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط تعني بالضرورة نهاية الحروب أو بداية مسار سياسي يقود إلى السلام. فالتجارب المتراكمة خلال العقود الأخيرة أظهرت أن كثيرًا من هذه الاتفاقات باتت تُستخدم كآليات لإدارة الصراع وضبط إيقاعه، لا لمعالجة أسبابه أو إنهائه بصورة نهائية. وفي ظل التحولات التي يشهدها النظام الإقليمي والدولي، أصبح وقف إطلاق النار جزءًا من هندسة الصراع نفسه، لا محطة للخروج منه.