اميركا Archives - 180Post

824.jpg

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية محدودة يمكن احتواؤها عبر الوساطات أو الضغوط الدبلوماسية. فبعد أسابيع على اندلاعها بدأت تتكشف ملامح صراع أوسع يعيد رسم موازين القوة في المنطقة، ليس فقط عبر الصواريخ والعمليات العسكرية، بل أيضًا عبر معادلات علمية وتقنية تتصل مباشرة بالملف النووي الإيراني وبمستقبل الردع الاستراتيجي في الإقليم.

800-20.jpg

خرج مجتبى خامنئي من بين أنقاض مجمع القيادة في طهران مثقلاً بجراحه إثر الهجوم الإسرائيلي–الأميركي المشترك. إنه المكان الذي ترعرع فيه منذ أن كان في العشرين من عمره. هناك طوّر معظم علاقاته، وصنع أخرى، كلها ستكون مهمة جداً في مسيره نحو الثامن من آذار/مارس 2026، يوم إعلانه قائداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووليّاً فقيهاً خلفاً لوالده السيد علي خامنئي.

Trump-Frieden-engl.jpg
18018012/03/2026

ركّزت قراءات أهم المراكز البحثية الإسرائيلية الإستراتيجية على تحليل أبعاد الضربات العسكرية الأميركية الإسرائيلية لإيران وما حملته من دلالات، وكذلك الرد الإيراني، إلى جانب بحث انعكاساتها الإقليمية وتقدير مدى قدرة الحرب على تحقيق الأهداف التي أعلنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في بدايتها. وفي ما يلي أبرز تلك القراءات في تقرير أعده الزميل ياسر مناع من أسرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار):

China_Hard-Power_Iran-War-1.jpeg

يكشف العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران التحديات الاستراتيجية التي تواجه الصين في حماية مصالحها وشراكاتها في ظلّ التنافس المتجدّد بين القوى العظمى، ويُبرز أن الاعتماد على النفوذ الاقتصادي وحده لا يكفي لضمان المصالح والشراكات. لذلك تعمل بكين على تعزيز قدراتها العسكرية والردعية، وبناء آليات بديلة للتمويل وسلاسل الإمداد، وتطوير قدرات ردع متعددة المجالات، لضمان مرونة شبكة شركائها ورفع كلفة أي محاولات لتقويض مصالحها، بما يرسخ مصداقيتها الدولية، بحسب دينغ يوين في "فورين بوليسي".

810.jpg

العدوان الذي تشنه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران تتويجاً لأكثر من أربعين عاماً من الحصار والعقوبات الاقتصادية والاغتيالات والعدوان العسكري في العام المنصرم، ليس مجرد مواجهة طارئة بسبب البرنامج النووي الايراني، بل استمرار لمسار طويل من السياسات الأميركية الرامية لتغيير الأنظمة التي تُعتبر خارج مدار الهيمنة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

799-3.jpg

في تاريخ الصراعات الحديثة لا تُختزل الحروب في كونها مواجهات عسكرية بين جيوش متقابلة، بل غالباً ما تكون أدوات لإعادة تشكيل البنى السياسية والقانونية للدول وإعادة ترتيب موازين القوى داخل الأقاليم. فالتجربة التاريخية منذ الحرب العالمية الثانية تُظهر أن نتائج الحروب لا تتوقف عند خطوط التماس العسكرية، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه، خصوصاً في الدول الضعيفة أو الواقعة على تخوم الصراعات الكبرى. وفي الشرق الأوسط تحديداً، كثيراً ما شكّلت الحروب مدخلاً لإعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية بما يتجاوز حدود المعركة المباشرة.

IRAN-SITUATION.jpg

يبدو التحالف الأميركي-الإسرائيلي متماسكاً ظاهرياً. التصريحات الرسمية تتحدث عن "شراكة استراتيجية راسخة" و"التزام لا يتزعزع بأمن إسرائيل". لكن تحت هذا السطح اللامع تتصاعد خلافات جوهرية حول سؤال واحد بسيط في صياغته ومعقد في إجابته، ما هو الهدف النهائي من هذه الحرب؟

799-2.jpg

صراع الخرائط والممرات محتدمٌ اليوم، جغرافياً وسياسياً، في منطقة تشغل قلب العالم، بما تختزنه من إرث حضاري ومادي ومعنوي: من الموقع الجغرافي، الذي يمتد بين محيطات وسلاسل جبلية وما بينها من خطوط مواصلات وتقاطع ممرات، إلى ما يختزنه باطنها وسطحها من خيرات دفينة ومعلومة؛ النفط والغاز والطاقة الهوائية والثروات الطبيعية وتقاطع الطرقات. وإذا ما أضفنا إليهم التاريخ المتنقل بين الحق والأمم والحضارات والأديان فسنصبح على واقع، بقدر ما هو غنيّ، بقدر ما هو معقّد وغير مستقر؛ فمنطقة الزلازل لا تستقر على فالق واحد بل تتعدد وتتنوع؛ بعضها محلي وكثيرٌ منها خارجي، إن بالواسطة أو بالمباشر.

Libanon1_1.png

يقف لبنان اليوم عند تقاطع مسارات إقليمية ودولية معقدة. لم تعد المعادلات الداخلية، سياسةً وميداناً، وحدها تتحكم بمآلات الحرب على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية. باتت هذه الحرب، إلى حد بعيد، جزءاً من صراع أوسع تتحكم بإيقاعه ثلاث قوى هي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. في ظل هذا الواقع، يبدو أن مسار الأحداث يتشكل وفق حسابات هذه القوى الثلاث التي تتصارع فوق رقعة الشرق الأوسط، فيما يجد لبنان نفسه مرة جديدة في موقع الساحة التي تتقاطع فيها الرسائل العسكرية والضغوط السياسية والرهانات الاستراتيجية.

nabih.jpg

في خضم هذا المشهد اللبناني الإقليمي الملتهب، كان لافتاً للانتباه موقف الرئيس نبيه بري. فعندما سُئل عن التطورات اكتفى بالقول: «لا تعليق». عبارة «لا تعليق» أتت من رجل يحمل في جعبته من الخبرة ما لا يمتلكه أي من الساسة اللبنانيين، وباعترافهم. فمن خاض أصعب وأعتى وأخطر المعارك السياسية أدرك مبكراً أن ما يجري ليس مجرد معركة عسكرية عابرة، ولا مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المعهودة، بل تأسيس لمشروع تفتيتي جديد يعيد رسم خارطة المنطقة على مقاس «إسرائيل الكبرى» المُشتهاة.