تفتح المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في إسلام آباد فجوة تحليلية عميقة في بنية السؤال اللبناني حول التمثيل والصيغة والقرار.
تفتح المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في إسلام آباد فجوة تحليلية عميقة في بنية السؤال اللبناني حول التمثيل والصيغة والقرار.
هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلع هذا الشهر بإعادة إيران إلى العصر الحجري وتدمير منشآتها الحيوية، بل وحتى تدمير حضارتها، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. وقال بالحرف: "إن حضارةً بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا"، كما وصف الشعب الإيراني بـ"الحيوانات" خلال رده على سؤال صحافي حول الفائدة من تدمير البنية التحتية في إيران.
عندما استولت الجيوش البريطانية والفرنسية على المشرق العربي، في الحرب العالمية الأولى، بدأ تخريب المنطقة التي عاشت تحت الحكم العثماني ردحاً من الزمن (أربعة قرون) بنظام الملل، أي بمنطق المذاهب المتفرعة عن الأديان الثلاثة بين التعايش والتنافر والتراضي إلى هذا الحد أو ذاك فيما بينها، ولكن تحت هيمنة سلطان الباب العالي، الذي أدارها على شكل ولايات تتّسع مساحاتها أو تضيق تبعاً لنفوذ الولاة الذين يعيّنهم ومدى طاعتهم له أو قربهم منه.
بينما تنشغل العواصم الكبرى بترميم "خرائط الطاقة" وتأمين الممرات البحرية عبر هدنة إسلام آباد الهشة، يبرز التناقض الصارخ بين شمولية الاتفاق أميركياً واستثنائية الجبهة اللبنانية إسرائيلياً. يضع هذا الانقسام الجيوسياسي لبنان في منطقة "رمادية قاتلة"، حيث تتقاطع المصالح الكونية لتبريد المنطقة مع إصرار تل أبيب على تصفية حساباتها الميدانية بمعزل عن التوافقات الدولية. إنّه اختبار حقيقي لمدى قدرة الدبلوماسية على منع تحول الجغرافيا اللبنانية إلى ساحة الاستنزاف الوحيدة في إقليم يبحث عن استقرار مفقود.
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالخداع أيضًا. في هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال من يطلق النار أولًا، بل من ينجح في إقناع خصمه بأن النار لن تُطلق أصلًا.
لم يفلح قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فجر أمس، بوقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، في معالجة التناقض الاستراتيجي العميق الذي يعتري الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضدَّ إيران، وهو خللٌ لم تُبدِ أيٌّ من واشنطن أو تل أبيب استعداداً للاعتراف به على الملاً، ويتمثل في حقيقة أن الطرفين يخوضان الصراع ذاته مع طهران لأسباب متباينة جذرياً. والانتقادات الشديدة التي انهالت على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من الداخل الإسرائيلي قبل غيره، والقول إن "زئير الأسد" تحول إلى "مواء القطط" يوضح بعضاً من هذا التباين.
في ظل هدنة الأسبوعين التي أبرمتها باكستان بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يبرز سؤال جديد في أروقة التحليل الاستراتيجي: لماذا تتقدم باكستان اليوم كأبرز وسيط بين الطرفين؟ وهل يعكس ذلك تحولاً في خريطة الوساطات الإقليمية، أم أنه استجابة لظروف استثنائية فرضتها طبيعة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران؟
ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها المباشرة على الأرض، ولا بما تُظهره شاشات المعارك من تقدم أو تراجع. فبعض الحروب تكشف ما هو أعمق من ذلك بكثير: تُسقط صورًا راسخة، وتعيد ترتيب المعاني، وتفتح الباب أمام تحولات تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى بنية النظام الدولي نفسه.
في الشرق الأوسط، لا تُصاغ السياسة فقط في غرف القرار أو على طاولات التفاوض، بل تتشكّل أيضًا في العقول، حيث تتراكم الصور الذهنية عن «الذات» و«الآخر»، وتتحوّل مع الزمن إلى حقائق شبه مستقرة يصعب تفكيكها.
الحرب العسكرية الدائرة اليوم في منطقة الخليج انتهت ولو لم يُعلن وقف النار رسمياً. انتهت بمعناها السياسي والاستراتيجي. العجز عن الحسم العسكري (لا إيران قادرة على هزيمة أميركا وإسرائيل ولا يبدو حتى الآن أن الأخيرتين قادرتان على اسقاط النظام الإيراني وهزيمته) يُحيلنا إلى الأبعاد الاستراتيجية التي ستتشكل بعد توقف المواجهة المباشرة.