فكرة “البراهِميّة” (غير الإبراهيميّة)، التي تسلّلت للمنطقة بسعي من بنيامين نتنياهو وبدعمٍ من دونالد ترامب، وعبر بوابة الإمارات والبحرين، تثير نقاشًا واسعًا داخل بيئات سياسية وفكرية عربية وإسلامية متنوعة التوجهات. والتوجس مأتاه “الخشية من تحول المفاهيم الدينية من حدود إيمانية ثابتة رادعة ضد التطبيع، إلى عناصر رخوة في صراع سرديات تضليليّة تستهدف الوعي الجمعي العربي”.
ومن يندفع لمشاريع التقارب الديني، المصمّمة في مخابر التفكير الاستراتيجي الأميركية، عليه أن يعلم أن الاوساط الغربية الفاعلة في رسم الاستراتيجيات، تستأنس في تعاملها مع المنطقة العربية بوصفةِ “المستشرق” اليهودي البريطاني-الأميركي برنارد لويس؛ الذي نعته ناقد الاستشراق المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد بالسطحية العلمية والعنصرية المفضوحة. ويسهُل فهم ما تم في العراق وما يجري الآن في الإقليم، وكل مخططات الفوضى الخلاقة ومشاريع التقسيم، عندما نستذكر أنّ لويس كان حاضراً في العقل السياسي لإدارات أميركية متعاقبة وبخاصة إدارة جورج دبليو بوش.
وفيما يلي عيّنة مما نصح به الغرب، بصياغة يمكن الالتباس في انها للمنظّر النازي غوبلز:
“إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات. ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية.
إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم، أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال لديهم.
ولا مانع من أن تكون مهمتنا المعلنة هي: تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديموقراطية… ويجب أن تقوم أميركا بالضغط على قياداتهم الإسلامية (دون مجاملة ولا لين ولا هوادة) ليخلّصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة. ولذلك، يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أميركا وأوروبا وتدمر الحضارة فيهما”.
الرجوع للمشترك الابراهيمي اختُزل في التسويق للقبول بإسرائيل كحتمية عقائدية تاريخية
ضرورة التصدي للاستهداف العقائدي
الأفكار المصنّعة مخبرياّ تحتاج الى أطراف فاعلة لتمريرها، لكن المهم في هذا السياق أن يتم تحديد من يتحمل العبء الأكبر في المواجهة؛ ولا شك في مسؤولية السعودية في التحصين العقائدي للمنطقة. هذا ما يمليه وجود الأمكنة المقدسة داخل تراب الدولة، ودورها في زعزعة الاستقرار العقائدي بسبب الانحرافات الافتائية للوهابية والسلفية؛ وليس أقلُّه المسؤولية عن التساهل تجاه دول تحت تأثيرها الإقليمي، التي تخطت حدود المعقول دينياً بمحاصرة ممارسة الشعائر (للسنة والشيعة) وفتحت الباب لمعابد الديانات الأخرى، بحجة احترام حق الأقليات الوافدة في حرية المعتقد.
المملكة الساعية لتعزيز موقعها كقوة إقليمية، والطامحة للاضطلاع بدور ريادي في الفضاء العربي، مدعوة لحسم ملف الشرخ العقائدي المفتوح مع أغلب الأقطار العربية، واحتواء ما تسببت به الوهابية والفكر السلفي عموماً. فمنذ ما يزيد عن القرن والمواجهة قائمة مع الصوفية والشيعة بكل تفريعاتها، والعلاقة مع مذاهب السنة التقليدية الأربعة في توتر وتحت سيف التبديع والتكفير.
وتجربة ما سمي بالصحوة (تقارب مع “الإخوان” انتهى بنشر الفكر السلفي)، التي مرّت بها المملكة في الربع الأخير من القرن الماضي، لم تنفع داخلياً بسبب نشر التعصب والكبت والفكر الإقصائي الماضوي، وأضعفت خارجيّاً دورَ المراكز السنية المعتدلة (الأزهر والزيتونة). ويرى البعض أن الصحوة كانت مرتبطة بأجندات غربية أطلسية هندسها هنري كيسنجر و”نادي السفاري” الذي ضم كذلك المخابرات السعودية، وكان هدفها التصدي للمد اليساري، من خلال تعزيز الفكر الديني ليتم توظيفه لاحقاً في التعبئة الجهادية في أفغانستان. وليس خافياً تفنُّن الدوائر الصهيونية في اللعب على الاحتقان الطائفي؛ كما تستفيد من مساندة أقسام الدراسات الإسلامية في جامعات “إسرائيل”، من خلال تخريج المختصين في العلوم الشرعية. وتشير التقارير إلى انتقال الكثير من الخريجين الى أقطار عربية لتولي الوعظ والإمامة، فيما يتولى آخرون الاشراف على برامج الحرب النفسية في الفضاء الافتراضي، وبث سموم الفتنة والتفرقة بين المسلمين.
التصحيح لا يمرّ بالمَدخليّة
إن كان الفكر السلفي في صيغته التأسيسية المعروفة بالوهابية قد تم تغييبه تواصلياً، إلا أن ما يُقدَّم منذ فترة كإصلاح ديني ومحاربة للتطرف، من خلال حصر الفكر السلفي في “التيار المَدخلي”، لا يساعد في تجميع البيت العربي والإسلامي على قواعد صلبة؛ تتناسب مع حجم الاستهداف -الإنجيلي الصهيوني- وجسامة التحديات المرتبطة بخُطط التوسع الإسرائيلية.
والمدخليّة قد تُناسب منظومة حكم بعينها، بتوفيرها الغطاء المطلق لولي الأمر، و”الافتاء التّحصيني” ضد أي طرح عقائدي يتبنى الخروج أو معارضة الحاكم؛ إلا أنها لا تختلف عن مجاميع السّلفية التي سبقتها، من حيث التبديع على المخالف والتكفير والاقصاء، الذي لا يستثني حتّى البيت السني التقليدي.
ولا حاجة للمملكة في البحث بعيداً عمّن له وصفة سحرية للتصحيح الحقيقي؛ فمن داخل البيت الحنبلي قُدّمت أطروحات في غاية الأهمية، لعل أهمها ما نشره الدكتور السعودي حسن بن فرحان المالكي، في محاولةٍ جادّةٍ لإعادة قراءة التاريخ الإسلامي والتقريب بين المذاهب. وهذا المفكر، المُلمِّ بأدق تفاصيل المسائل العَقَدية والفقهية، وبخلفياتها التنزيلية وسياقات التعامل معها، مع مراعاة الاحترازات التاريخية الواجبة، طالب بتناول الموروث الديني بتجردٍ ينصف رموزا ظُلمت (آل البيت)، ويرفع التعتيم عن أحداث بقيت خلافية بين المذاهب.
ولأن التوسع في مسائل عقدية متشعبة قد يتجاوز إطار المقال، تكفي الإشارة الى أن المملكة يمكنها تجاوز الاحتقان بالتركيز على المشتركات التي لا تثير خلافاً، وأهمها التوحيد وختامية الرسالة المحمدية والايمان باليوم الآخر والالتزام بالعمل الصالح، والتسليم بالدرجة الخاصة لآل البيت؛ وهذه شروط التقوى والمدخل للإحسان. ويفترض أنّ اظهار تبجيل آل البيت سبيلٌ للتجسير بين كل المؤمنين وليس مدعاة للنقد، على غرار ما تم مع خطيب صلاة عيد الفطر بمصر، بسبب دعاء الزهراء:
“اللهم باسم فاطمة الزهراء وبعلها وابيها، وبنتها وبنيها،
وباسم السر الساكن فيها، صلّي وبارك وحنّن على سيدنا محمد وآلِه
بعدد ما جاء به علمك وأحصاه كتبك“.
ومن التجارب التاريخية للسعودية في التموضع السياسي بمعزل عن التمترس المذهبي، كان وقوفها مع الإمامية في اليمن ضد مصر الناصرية السنية الداعمة آنذاك للجمهوريين. السابقةُ هذه، يمكن أن يُبنى عليها في التسوية مع أنصار الله في اليمن، وبخاصة أن الزيدية تُعدّ تاريخياً أقرب المذاهب الشيعية الى المجال السّنّي؛ وتقول بعدل كل الخلفاء وبجواز الاختيار بين الأفضل والمفضول، ولذلك تقبل خلافة من سبق الإمام علي.. عليه السلام.
المملكة الساعية لتعزيز موقعها كقوة، مدعوة لحسم ملف الشرخ العقائدي الذي تسببت به الوهابية والفكر السلفي
وقبل نصف قرن، سنة 1976، أسّست السعودية علاقات مع اليمن الجنوبي في زمن الرئيس الماركسي اللينيني سالم ربيع علي، الذي تبنى (أخذاً بنصيحة الصين) منهجاً عملياً وتجنب حصر علاقات البلد الناشئ مع الاتحاد السوفياتي. ومن باب الانصاف التاريخي، وجب التنويه هنا الى أنّ دولة اليمن الجنوبي الشيوعية كان لها نظامها الخاص، الذي يراعي الخصوصية المجتمعيّة المحلية؛ فكان الإسلام دينها الرسمي، وهو استثناء من بين كل الدول الماركسية، التي لا مكان للدين في نظامها القانوني.
وعملاً بمنطق الخطاب الذي طالما قَسّم الخصوم بين من هم داخل «دائرة التوحيد» وخارجها، يبدو التوصل إلى تسوية مع أنصار الله في اليمن أيسر من التسويات التي عُقدت سابقًا مع أنظمة ماركسية صريحة. وعملاً بقاعدة “من أمكنه الأكثر أمكنه الأقل”، فإذا كانت البراغماتية السعودية قد تجاوزت «احتراز الكفر» في التعامل مع الشيوعيين، يمكنها الاتفاق مع جيرانها الجنوبيين المسلمين على أرضية مشتركة تُؤمّن مصلحة الطرفين.
ضرورة البناء على التجارب الإصلاحية السابقة
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى انّ محاولة تغيير نهج التعامل مع الدين، وبخاصة الموروث الاجتهادي الذي أُلصِق بجوهره، لا تتم في فراغ. فمحاولات التجديد بدأها اخوان الصفاء والمعتزلة، وتواصلت الاجتهادات إلى أن جاءت النهضة العربية في القرن التاسع عشر كلحظة ذروة، مصحوبة بصدمة اكتشاف “الآخر” الأوروبي الحداثي المتقدّم. تساءل الطهطاوي والأفغاني وعبده: كيف ننهض؟ هل بالرجوع إلى الأصل، أم بالاقتباس من الغرب؟ لكن هذه النهضة سرعان ما تعثّرت، لأنها لم تُحدث قطيعة معرفية حقيقيّة مع الموروث، بل حاولت اجتراره وترقيعه أو تجميله.
ظل السّؤال المعرفي مؤجَّلاً، يُسيطر عليه تدوير المنظومات الفقهية والكلامية الموروثة، وبقيت الأزمات تتعمّق لغياب تجديدٍ جذريٍ في منهج الفهم. وبعد المحاولات المتعثرة، قدّم المفكر الجزائري مالك بن النبي، منتصف القرن الماضي، طرحه الذي لم يلق من يتلقفه بحماسة؛ ونشهد الآن عودة لأطروحاته التي انبنت على محاربة “القابلية للاستعمار”.
ومع بداية التسعينيات جاءت قراءة محمد شحرور، التي تُحيي قيمة الرحمة والعدل والحق والإنسانية في الخطاب الإسلامي. دعا شحرور، وبخاصّة في “الكتاب والقرآن” إلى العودة إلى القرآن لا كـ”نص مقدّس جامد”، بل كخطاب مفتوح، يُقرأ بعين العقل وبمنهج علمي. وقد رأى أن التحرر من المذهبيات السّلفية – بمعنى الموروث الفقهي الماضوي- لا يتم إلا ببناء نظرية معرفية جديدة، تُعيد الاعتبار للإنسان كذات حرّة، مُكلّفة ومسؤولة. وهذا عين ما تنادي به الفلسفة الوجودية المؤمنة، وإن اختلفت لغتها ومرتكزاتها.
ما وصل اليه شحرور بخلفيته السّنية ومنهجه التفكيكي الألسني، ومن خلال قراءة علمية صارمة للخطاب القرآني، قرّبه مفاهيميّاً من العرفانيّة والتصوف؛ ولامس التزام الإماميّة بنصرة المظلوم؛ وكل ما ارتبط بحكمة الإمام علي وزهده، واحتقاره للدنيا، وحصره جوهر السلطة في خدمة الناس، كمدخل لطاعة الخالق. تشخيص شحرور إنْبنى على الاعتقاد بأن أزمة المسلمين معرفية في جوهرها، وليست لاهوتية ولا فقهية. فرأى أن الانحراف التاريخي عن وصيّة النبي بالتمسك بالقرآن، أدى إلى نشوء مسار سلطوي، غيّب محوريّة العدل والحرية، وأنتج دينًا تُراثيًا مُغايرًا لرحمانية الرسالة. هذا الانحراف ليس حصراً في الإسلام، فقد عرفته ديانات سابقة، وانتهى بها إلى الانقسام والتحارب وتراجع المؤمنين أو تطرفهم.
في المحصلة، يمكن القول إنّ مقدمة احتواء التوتّر الإقليمي هي المراجعات العقائدية. لذا تبدو العواصم الخليجية مطالبة بمراجعات جذرية لممارساتها، فمن غير المعقول التضييق على السّنة ومنع الشيعة من بناء حسينياتهم واضطهادهم، وفي المقابل، تبنى معابد للديانات الأخرى احتراماً للمقيمين الأجانب. والأغرب هو السكوت عن الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين والقتل الممنهج للمدنيين اللبنانيين، والسكوت على اضطهاد مئات الملايين من المسلمين في الهند وغيرها من الدول الآسيوية.
وختاماً، من منظور جيوسياسي، يأخذ بالاعتبار التوازنات الإقليمية الجديدة، التي ستفرضها ترتيبات ما بعد الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، لا يمكن للسعودية أن تترك المجال مفتوحا لإسرائيل ومن يقف معها للتلاعب بالمنطقة، وفرض مسارات من شأنها زعزعة الثوابت العقائدية التي بني عليها الدين الإسلامي. ومهما يكن الموقف مما حدث يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وجب الإقرار بأن توصيف “الطوفان” لم يجانب الصواب، إذ كسَر ما يجري الجمود وأنهى المراوحة التي حكمت المشهد منذ أوسلو. وبرغم المآسي تحركت الملفات وهذا مهم ومثمر بالنسبة لمسارات المقاومة. أمّا القضايا المطروحة على الطاولة، من مؤامرات “البَراهَميّة” والتطبيع، فتستدعي الحسم بحكمة وبقدر من الحزم والسرعة، كي لا يَكتُب التاريخ في صفحاته تغطية لهذه الفترة لا تختلف عن تلك التي خصّصها لملوك الطوائف في الاندلس.
