إختبر السُنة في لبنان خيبات كثيرة. وإختبروا مِحناً أكثر. بعضها كان بوجه الآخرين. الغالبية منها ضد "المارونية السياسية". ومنها الكثير ضد الذات. وهذه توضحها تقلبات مقاليد الزعامة السُنية.
إختبر السُنة في لبنان خيبات كثيرة. وإختبروا مِحناً أكثر. بعضها كان بوجه الآخرين. الغالبية منها ضد "المارونية السياسية". ومنها الكثير ضد الذات. وهذه توضحها تقلبات مقاليد الزعامة السُنية.
مرعب ومخيف كان مشهد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. موت مُفجع سيعلن بدء "مظلومية سنية لبنانية". الاغتيال استهدف توازناً في قوى المنطقة وليس لبنان. هذا التوازن بدأ يترنح منذ سقوط العراق في العام 2003، وطوى مع القرار 1559، مرحلة إستفاد منها لبنان طوال 14 عاماً، وتحديداً منذ 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990، وكان أحد أبرز أعلامها رفيق الحريري. رجلٌ جسد مرحلة إقليمية ودولية، ومثّل حلماً لبنانياً تمتع بقدر من الاستثنائية، وكذلك بقدر وازن من الشعبية.
انفلات الوضع الأمني في طرابلس طرح فيضاً من أسئلة سياسية عديدة عن معنى استهداف الجيش والقوى الأمنية، ما جعل المدينة ساحة لحرب شوارع، فالعاصمة الثانية المُعقدة بتشابك عناصر عديدة تبدأ من فقر مُدقع وبنيوي ولا تنتهي عند حجم وقدرات قوى تزعم لنفسها هوية دينية ومعنى مذهبياً، فيها أيضاً فيضٌ من صراعٍ بين الزعامات السياسية السُنية التي وجدت نفسها على الهامش بعدما حل حسان دياب في المقعد الأمامي في لحظة سياسية هي الأكثر حراجة في تاريخ لبنان.
هذه محاولة من أجل تقديم سيرة سياسية للطوائف اللبنانية. لا المقصود نكء جراح ولا التأريخ للتاريخ. ثمة مصائر لناس ترتبط بهذه السير. دفع لبنانيون أغلى ما عندهم لكتابة سير طوائفهم ومذاهبهم. إنقادوا إما بالغرائز أو بالعقائد أو بالمصالح أو بأسباب ومسميات أخرى. منذ ولادة لبنان الكبير، قبل مئة سنة، وهذا البلد تحكمه وتتحكم به إنزياحات الطوائف بالدرجة الأولى، لا الإنزياحات المجتمعية. كلما تقدم المضمون الإجتماعي، هناك من يستل الغول أو التغول الطائفي من غمده ويرميه في ساحات إشتباك الطوائف، لتتكرر سير الصراعات الملعونة. المسلمون السنة في لبنان أسرى الدم منذ لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005. المسلمون الشيعة أسرى السلاح منذ صدور القرار 1559 في العام 2004. المسيحيون ومعهم الدروز، الى حد كبير، أسرى الديموغرافيا وصراعات التاريخ ومعها الحنين الى الماضي، إلى النظام القديم. من خلال هذه السلسلة ـ السير، دعوة مفتوحة للحوار.. والبداية من عند سيرة السنية السياسية، إذا صح التعبير.
يشي التدقيق بما رافق الجلسة الأخيرة للحكومة اللبنانية، بأن تأجيل البت بالتعيينات في المواقع المالية، حتى إشعار آخر، لم تكن حيثياته محلية وحسب.
قال سعد الحريري كلمته، في ذكرى إستشهاد والده، ومشى، لكن إلى أين؟ حتماً إلى الدرب الذي يصل في نهايته إلى نعيم السلطة. درب يختصر رحلة الحريرية، من رفيق الحريري إلى سعد الحريري.
كلّما مادت الأرض بسعد الحريري، يطفو إسم شقيقه بهاء. منذ إنتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر، عاد إسم الإبن الأكبر لرفيق الحريري إلى الواجهة. ماكينة إعلاميّة ـ سياسية تُغذّي الإسم "عن بُعدْ" إلى حد توصيفه من قبل البعض بأنّه "المُنقذ"، بالإضافة إلى شائعة وصوله إلى بيروت وتناقل حديثٍ عن لسانه يهاجم فيه شقيقه الأصغر منه. في المقابل، هناك من يقلل من أهمية هذا المواطن "المتعدد الجنسيات"، على قاعدة "أننا لسنا سعوديين وليس هو أحد أفراد العائلة الحاكمة في السعودية"!
حدثان خلال الاشهر الماضية كان لهما أثر على دينامية صراع النفوذ بين اميركا وايران في لبنان: انتفاضة شعبية مستمرة على الطبقة السياسية المدعومة بشكل رئيسي من واشنطن وطهران والقرار الاميركي بقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني. النتيجة كانت ارباك لسياسة البلدين حيال لبنان وخلط اوراق نتج عنه استقالة حكومة سعد الحريري وتشكيل حكومة حسان دياب. بعد هدوء عاصفة التوتر الاميركي-الايراني، الى اين تذهب دينامية صراع النفوذ بين واشنطن وطهران في لبنان؟
يشكل خروج سعد الحريري من رئاسة الحكومة نقطة الذروة في المسار التراجعي للتيار الازرق، ويمكن معه الاعلان عن دخول الحريرية السياسية حالة فقدان الوزن أو التلاشي في إنتظار بديل طال غيابه.
لا شيء يدل على أن مسار التأليف الحكومي في لبنان يواجه مطبات خارجية. على العكس، كل المعطيات الخارجية تشي بتأليف سلس على طريقة التكليف الذي أفضى إلى إختيار حسان دياب لتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة. حتى أن ما صدر عن الحبر الأعظم في الفاتيكان كان عنصر تحفيز، إذ أن البابا فرنسيس دعا إلى إيجاد مخرج للأزمة في لبنان "بلد التعايش بإنسجام"، لكن ماذا عن مطبات الداخل؟