وقف النار Archives - Page 2 of 19 - 180Post

780.jpg

ما شاهدناه في منطقة الخليج في الساعات الماضية، يشي بأن الهدنة المعلنة ليست سوى توقفٍ محسوب في إيقاع الحرب، لا نهايتها. فالصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران انتقل من ساحات النار إلى مساحات الرماد، حيث الغموض أداة، والتأجيل سياسة، والتصعيد احتمال دائم. في هذا الفراغ بين الحرب والسلام، تُدار المواجهة بأشكال أكثر تعقيدًا، فيما تبقى نهايتها مفتوحة على كل الاحتمالات.

The-war-on-Lebanon-1.jpg

يُعتبر قرار وقف إطلاق النار الحالي في لبنان أغرب قرار وقف إطلاق نار في العالم. إنّه قرار لم يصدر عن هيئة مثل مجلس الأمن، كما حصل في العام 2006 (القرار 1701)، أو عن حكومات مثل قرار وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 الصادر عن حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. بالمقابل، ثمة مذكرة لقيطة صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية لا أمّ ولا أباَ لها حتى الآن.

800-20.jpg

من يحكم إيران؟ يستمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في طرح السؤال بين تصريحٍ وآخر، كأنّه يؤكد فعلًا أن طهران اليوم تسير من دون حاكم حقيقي، ومن دون قائد جديد. لعلّها رغبته في إثبات صحة ادّعائه الدائم بأنّه نجح في تغيير النظام. ولعلّها، أيضًا، رغبته في تحويل رفضه المعلن سابقًا لتولي مجتبى خامنئي سدّة الحكم إلى أمرٍ واقع.

800-36.jpg

سقطتْ أشبوهةُ وقف إطلاق النار عمليَّاً في لبنان. لا غرابة في الأمر. العدوُ الإسرائيليّ تاريخيَّاً لا يحترم وعوداً شفويَّةً ولا اتفاقيَّاتٍ كتابيَّة. "الوقْفُ" المزعوم استند إلى كلامٍ أميركيٍّ ملغومٍ أصلاً، فمذكرة وزارة الخارجيَّة الأميركيَّة التي ارتكز عليها "وقف إطلاق النار" احتفظ لـِ"إسرائيل" بما تُسمِّيه "حقَّ الدفاع عن النفس" و"حرية الحركة".

801-3.jpg

لم يكن الإعلان عن وقف إطلاق النار في لبنان حدثًا يُقرأ بقدر ما يُفهم بوصفه لحظة انكشاف. حين تتوقف الحروب فجأة، لا تترك خلفها فراغًا بقدر ما تكشف البنية التي كانت تخفيها ضوضاء العنف. فما يتبدى اليوم ما هو إلا انكشاف لنمطٍ من السياسة ظلَّ يعمل في الظلّ – سياسة تُدار على حافة الانقطاع، وتستمد تماسكها من قابليتها الدائمة للانهيار.

800-30.jpg

لا تقف خطورة اللحظة اللبنانية الراهنة عند حدود فتح باب التفاوض مع إسرائيل، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتصل بتموضع لبنان المستقبلي في الإقليم. فلبنان، الذي عاش منذ عقود تحت وطأة تأثيرات خارجية متراكبة (أميركية سورية سعودية، أميركية إيرانية، أميركية-إسرائيلية إلخ..) يجد نفسه اليوم أمام مفترق شديد الحساسية: هل تقود المفاوضات الحالية إلى استعادة القرار الوطني وبناء دولة قادرة على إدارة الحرب والسلم باسم جميع اللبنانيين، أم تدفعه، تحت ضغط النار والانقسام الداخلي، من التأثير الإيراني إلى التموضع في الجهة الإسرائيلية؟

780.jpg
18018021/04/2026

قال المحلل السياسي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" إيتمار أيخنر إن قاعدة بنيامين نتنياهو الجماهيرية لا تحب وقف الحرب مع لبنان، ويتقاطع ذلك مع استطلاعات رأي أظهرت أن غالبية الجمهور الإسرائيلي يريد العودة للقتال على الجبهة اللبنانية و"حسم المعركة مع حزب الله"، على حد تعبير أيخنر.

FB_IMG_1776069351699.jpg

تعد هذه اللحظة واحدةً من أخطر اللحظات التي مرّت على لبنان منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي؛ فالانقسام الداخلي فادح، والبلد مهددٌ في وجوده وسلمه الأهلي. تطل أشباح الحرب الأهلية عليه مجددًا تحت عنواني: نزع سلاح المقاومة، والسلام القسري مع إسرائيل.

801-2.jpg

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان لبنان يتأثر بالتفاوض الأميركي الإيراني، بل كيف أصبح جزءًا من شروطه. فالتطورات الميدانية في الجنوب، حرباً ثم هدنة، تكشف أن لبنان لم يعد ساحة تُستخدم للضغط من الخارج، بل بات عنصرًا قادراً على صنع أو تعديل المعادلات التفاوضية نفسها. هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن مسار نقل الجبهة الجنوبية (المقاومة اللبنانية) من موقع التأثير غير المباشر إلى موقع إنتاج الشروط السياسية.

800-23.jpg

لبنان كيانٌ قَلِقٌ. يقفُ راهنًا على شفا منزلقاتٍ خطيرة. لا شيء يُنقذه إلّا صحوة وطنية وجوديّة تشبهُ المعجزة. هذه الكلمات صاعقةٌ حتمًا، لكنها تعكس واقعنا الكارثي. لولا إضاءة استثنائية من المقاومة في الجنوب، لكان ما نتخوّف منه مستقبليًا قد حلّ بنا الآن.