

“أزعر الحي” هو الإنسان الذي يستخدم عضلاته لفرض إرادته على سكان الحي، وكما هو معروف، فإن هذا “الأزعر” أو “البلطجي”، عادة ما يكون مجرد واجهة لشخص أكثر نفوذاً على مستوى أكثر من حي ويسمى “المعلم”. الأخير يُعطي الإيعاز فيتولى “أزعر الحي” التنفيذ كأن يقوم بجباية الخوات بشكل دوري من أصحاب محلات الحي وحتى من السكان أحياناً بذريعة “حمايتهم” من “الزعران”؛ وعندما يُذعن هؤلاء لارادة “الأزعر” فإن قيمة الخوة تأخذ بالارتفاع تدريجياً ودورياً إلى درجة يتحول معها أصحاب الأعمال والسكان في الحي إلى مجرد عمال لدى “المعلم” الحامي لـ”الأزعر”؛ أما من يتجرأ ويمتنع عن دفع هذه الخوة فيكون عرضة لغضب “أزعر” الحي الذي هو انعكاس لغضب معلمه نفسه ويترجم ذلك إما تكسيراً للمحل أو ضرباً مبرحاً لصاحبه أو الفعلين في آن واحد. مقابل عمله هذا، يحصل “الأزعر” طبعاً على دخلٍ مُعتبر من “معلمه” بالإضافة إلى توفير مظلة حماية ودعم له في مواجهة السلطات الرسمية.
إن الرابط بين شخصية “أزعر الحي” والاعتداءات “الإسرائيلية” الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت كما على مناطق أخرى في جنوب لبنان وبقاعه، هو أن “إسرائيل” تُمارس هذا الدور بوقاحة لمصلحة “المعلم” الذي هو الولايات المتحدة الأمريكية في ظل صمت دولي فاجر يُجسّد دور السلطات المحلية في رواية “أزعر الحي”. كيف ذلك؟ لقد سجّلت “إسرائيل” ما يزيد عن الألفي خرق لاتفاق وقف اطلاق النار الذي تم التوصل اليه في السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي؛ في المقابل، سُجِّل خرقان لبنانياً هما عبارة عن اطلاق صواريخ بدائية مجهولة الهوية لم تصل إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وبيّنت تحقيقات الأجهزة الأمنية اللبنانية أن مطلقي الصاروخين الأخيرين لا علاقة لحزب الله والمقاومة اللبنانية بهم. في مواجهة هذه الخروقات “الإسرائيلية”، لم يتردد “المعلم” الأمريكي في اعلان تأييده للغارات “الإسرائيلية” مسرباً شروطاً يُطالب لبنان بتحقيقها أقل ما يمكن القول عنها إنها عبارة عن استسلام لـ”إسرائيل” (تطبيع ومعاهدة سلام وترتيبات أمنية إلخ..)، وهي تبدأ بتشكيل لجان مشتركة مع “إسرائيل” تكون مؤلفة من شخصيات دبلوماسية مدنية للبحث في مواضيع عدة منها انسحاب الجيش “الإسرائيلي” من خمس نقاط حاكمة ما يزال يحتلها في الجنوب اللبناني وتُشكّل خرقاً لاتفاق وقف اطلاق النار، والبحث في اطلاق الأسرى اللبنانيين لدى “إسرائيل”، والذي ينص اتفاق وقف اطلاق النار على اطلاق سراحهم أيضاً، ونزع سلاح حزب الله على كامل الأراضي اللبنانية. وبات معروفاً أيضاً أن “المعلم” الأمريكي يمنع إعادة بناء ما دمّره العدوان “الإسرائيلي” إلا ضمن الشروط المذكورة.
للضرورات أحكامها ولا بد للمقاومة من الانحناء للعاصفة مؤقتاً في انتظار أن تُعيد ترميم أوضاعها. وبطبيعة الحال فإن “المعلم” في المنطقة (الولايات المتحدة)، ومعه “أزعر” الحي (“إسرائيل”)، يدركان، ولذلك قرّرا تصعيد موقفهما وبطلجتهما لمنع المقاومة من التقاط أنفاسها
وكما في رواية “أزعر” الحي، حيث هناك دائماً من يريد أن يتجنب غضب “الأزعر” و”معلمه” فيتحول من حيث يدري أو لا يدري إلى داعم لهما، فإن شخصيات وقوى سياسية لبنانية وازنة أخذت تُبرّر لـ”إسرائيل” اعتداءاتها على البلاد ووصل الأمر عند بعض ممثلي هذه القوى إلى القول إن لم يخضع حزب الله ويُسلّم سلاحه فلا بد للسلطات اللبنانية أن تُلزّم هذه العملية لـ”إسرائيل” جنوباً ولمجموعات الرئيس السوري أحمد الشرع شرقاً. طبعاً سها عن بال هؤلاء اللبنانيين أن الرضوخ لشروط “الأزعر” و”معلمه” لن يجلب لهم السلامة لأن هذه الشروط ستُفرّخ شروطاً إضافية ليتحول معها البلد لاحقاً إلى مجرد هيكل تحت سلطة “الأزعر”.
أمام هذا الواقع لا مجال للشك بأن المقاومة في لبنان في وضع لا تُحسد عليه، فقد تعرضت إلى ضربات موجعة وخسائر مؤلمة قبل وخلال العدوان “الإسرائيلي” البري الذي استمر 66 يوماً، ولولا القتال الاستشهادي والصمود الأسطوري لمقاتليها عند الحافة الحدودية لكان الجيش “الإسرائيلي” وصل إلى مدينة الهرمل في أقصى شمال شرق لبنان. وطالما أن المقاومة تحتاج إلى عامل الوقت من أجل ترميم قدراتها العسكرية والتنظيمية، فإنها قرّرت الوقوف وراء الدولة في كل ما يتعلق بالصراع مع “إسرائيل”، وقال قادتها إنهم يعطون الفرصة للدولة اللبنانية لكي تُحقّق عبر الطرق الدبلوماسية استكمال الانسحاب “الإسرائيلي” من الجنوب واستعادة الاسرى، لكن المقاومة تعرف جيداً أن هذه الطرق لا تُحرّر أرضاً ولا تُطلق أسيراً، ومع ذلك، للضرورات أحكامها ولا بد للمقاومة من الانحناء للعاصفة مؤقتاً في انتظار أن تُعيد ترميم أوضاعها. وبطبيعة الحال فإن “المعلم” في المنطقة (الولايات المتحدة)، ومعه “أزعر” الحي (“إسرائيل”)، يدركان، ولذلك قرّرا تصعيد موقفهما وبطلجتهما لمنع المقاومة من التقاط أنفاسها.
أما الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فقد باتا في وضع لا يُحسدان عليه؛ الأول والثاني يُدركان جيداً أن المقاومة التزمت التزاماً كاملاً بشروط وقف اطلاق النار كاملة في جنوب نهر الليطاني، وفق مندرجات القرار 1701. وبالرغم من تساهل الرئيسين مع املاءات “المعلم” الأمريكي في التعيينات الأمنية والعسكرية، فإنهما لم يحصلا مقابل ذلك على شيء يوحي باحترام وقف اطلاق النار من قبل “أزعر” الحي “الإسرائيلي” أو “معلمه” الأمريكي. وهذا ما يُعزّز منطق المقاومة عند بيئات لبنانية معينة، وبخاصة أن الصلف الأمريكي بلغ حد ارسال مبعوثة إلى لبنان هي مورغان أورتاغوس التي تعمدت المفاخرة بيهوديتها في أول لقاء لها مع الرئيس عون.
أمام هذه الصورة الدراماتيكية، هل من مخرج من هذا الوضع، في ظل مطالبة بعض الداخل اللبناني بوجوب تلبية كل شروط “المعلم” الأمريكي و”أزعره الإسرائيلي”؟
الجواب هنا كما في كل روايات “أزعر الحي” هو بوجود “فتوة” صاحب كرامة ينتفض على هذا الواقع ويكسر يد “الأزعر” ويحرم “المعلم” من أداته لفرض إرادته على الحي، و”الفتوة” هنا هي المقاومة التي كما أسلفنا تحتاج إلى عامل الوقت.. وهو لا بد قريب.