يشهد التاريخ محطات كبرى تعيد رسم موازين القوى الدولية، حيث تصعد قوى جديدة إلى مسرح التأثير العالمي وتتراجع قوى أخرى. ولا يحدث ذلك غالباً بمعزل عن الحروب والأزمات الكبرى التي تتحول إلى لحظات فاصلة في تشكيل الأنظمة الدولية.
يشهد التاريخ محطات كبرى تعيد رسم موازين القوى الدولية، حيث تصعد قوى جديدة إلى مسرح التأثير العالمي وتتراجع قوى أخرى. ولا يحدث ذلك غالباً بمعزل عن الحروب والأزمات الكبرى التي تتحول إلى لحظات فاصلة في تشكيل الأنظمة الدولية.
نام أهل جبل عامل على فرحة التحرير عام 2000، فأسّسوا ورمّموا وبنوا ووسّعوا وزرعوا وأنتجوا، حتى بات الجنوب وجهة لبنانية وعربية. جاء صيف العام 2006، فإذا بوعد تحرير الأسرى يُمسي حرباً خرجت منها المقاومة مرفوعة الرأس، ولكن الثأر الإسرائيلي صار مضاعفاً.. ثم كان ما كان في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. شهور وأيام وجبل عامل يساند غزة؛ فكان أن دفع الجنوبيون ثمن الإسناد. لامهم كثيرون على هذا الخيار.. ولا سيما في ضوء التخلي الرسمي العربي عن غزة وأهلها لا بل عن قضية فلسطين، ولكنهم ما بدلوا تبديلا.
تزامناً مع احتفال الأمريكيين بالذكرى الـ250 لتأسيس دولتهم رسمياً عام 1776، والذي منحهم استقلالاً عن التاج البريطاني، جدد المفكرون والمؤثرون الأمريكيون دعوتهم إلى ضرورة استمرار المغامرة الأمريكية، والتي بلغت حدودها القصوى الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة، مما منح واشنطن دوراً محورياً مهيمناً على الشؤون الدولية بمختلف أركانها.
العالم، ونحن جزء منه، يمر بمرحلة انتقالية، وقد علمتنا التجارب أن المراحل الانتقالية، وبخاصة تلك التي تنتقل فيها الأمم فجأة من حال إلى حال شديد الاختلاف، أو تلك التي تنتقل بإرادتها أو تحت الضغط والتهديد من الإيمان بعقائد إلى الإيمان بعقائد أخرى، أو تلك التي تتحول فيها بعض النخب الحاكمة من الالتزام بقواعد وأساليب ثقافة أو حضارة بعينها إلى تبني قواعد وأساليب ثقافة أو حضارة أخرى؛ هذه التجارب علّمتنا أنها عادة ما تكون هامة وإن صعبة وفي الغالب حرجة وعصية على التنبؤ بمستقبلها ومستقبلنا.
لم تتعامل وسائل الإعلام العالمية تشييع الشهيد القائد السيد علي الخامنئي بوصفه حدثًا جنائزيًا اعتياديًا؛ فالحشود التي ملأت شوارع طهران، وحجم المشاركة الشعبية والرسمية، والرموز الدينية والسياسية التي رافقت المراسم، دفعت معظم وسائل الإعلام الدولية إلى تجاوز الوصف الميداني، والبحث في ما تعنيه هذه الجنازة بالنسبة إلى إيران، ومستقبل الصراع الإقليمي، والتوازنات التي أعقبت الحرب الأخيرة. واللافت للانتباه أن اختلاف المدارس الإعلامية لم يكن حول ضخامة الحدث، بل حول تفسير دلالاته ورسائله.
فاجأ التشييع الملاييني لمرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي، القاصي والداني، العدو والصديق، العربي والغربي، مثلما فاجأ أهل النظام نفسه، بأطيافهم كافة، وحتى الشعب الذي بلغ طوافه به حدّ التماهي، فلا إيران الداخل كانت تنتظره بهذا الكمّ والنوع، ولا كلّ من هم خارجها كانوا يتوقعون هذا البحر البشري وهذا الدفق الواسع من الحضور السياسي لأكثر من مئة دولة.
يستدل من مئات استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية، الصادرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، أن الجمهور المعارض لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ليس واثقا من البديل الحقيقي لحكمه المستمر بتواصل، تقريبا، منذ العام 2009؛ فعلى الرغم مما يظهر في استطلاعات الرأي العام، حتى الآن، ليس مضمونا أن نتنياهو سيخسر الحكم في انتخابات تشرين الأول/أكتوبر المقبل، فمنذ الانتخابات الأخيرة، تناوبت 4 أحزاب معارضة على صدارة استطلاعات الرأي العام، كمنافس رئيس لحزب الليكود، وزعيمه، وخلال هذه الفترة، تلاشى أحد هذه الأحزاب، والثاني في طريقه ليكون كتلة صغيرة، وربما هامشية.
في البداية، لم يكن هناك حقل، ولا طائرة، ولا قرية حدودية تنتظر المطر بقلق. كان هناك مختبر هادئ في سويسرا، رفوف زجاجية، قوارير صغيرة، ومركب كيميائي جديد لا يعرف أحد بعد ماذا يمكن أن يفعل بالعالم.
تكشف التجارب التاريخية أن الحروب لا تنتهي بالضرورة عندما تصمت المدافع. فكثيراً ما تغادر المعارك ساحات المواجهة العسكرية لتستقر داخل المجتمعات والدول نفسها، حيث تعود الصراعات بأشكال أكثر تعقيداً تتصل بالسلطة والهوية والاقتصاد وتوزيع النفوذ. وما أن تتراجع حدة المواجهة الخارجية حتى تطفو على السطح التناقضات الداخلية التي كانت الحرب تؤجل انفجارها.
تفترض هذه المقالة وجود بؤرة مصالح تتعارض مع اتجاهات التفاهم والحوار بين إيران والولايات المتحدة، وترى أن الاتفاق الثلاثي اللبناني ـ الأميركي ـ الإسرائيلي، أو ما بات يُعرف بـ"إطار واشنطن"، يوفر مساحة لهذه المصالح الساعية إلى إعادة تفسير مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية أو الحدّ من مفاعيلها.