يقول الكابتن ميللر في فيلم Saving privat Rayan أو "إنقاذ الجندي ريان"، وهو يُحتضر بعد إصابة بالغة في الحرب العالمية الثانية: "الحرب تجعلُ الحياة نفسَها دَيْنًا أخلاقيًا ثقيلًا على من ينجو منها".
يقول الكابتن ميللر في فيلم Saving privat Rayan أو "إنقاذ الجندي ريان"، وهو يُحتضر بعد إصابة بالغة في الحرب العالمية الثانية: "الحرب تجعلُ الحياة نفسَها دَيْنًا أخلاقيًا ثقيلًا على من ينجو منها".
ليس أخطر ما يواجهه لبنان اليوم اتساعُ الجبهة الجنوبية فحسب، ولا احتمالُ الاجتياح البري الإسرائيلي وحده، ولا مشهد القتل والتهجير والخراب. الأخطر أن البلد يقف على تخوم لحظة تأسيسية معاكسة: لحظة يُراد فيها استغلال عدوان خارجي غير مسبوق لإعادة ترتيب الداخل اللبناني نفسه تحت ضغط النار. هنا بالذات يصبح الخوف على السلم الأهلي أكبر من الخوف على الجبهة وحدها، لأن النار، حين تعجز عن الحسم الكامل في الميدان، قد تُستثمر لفرض وقائع سياسية ومعنوية داخلية أشد أثرًا وأطول عمرًا.
بينما تنصرف التحليلات الغربية والإقليمية إلى رصد الترسانة الصاروخية الإيرانية أو الطموحات النووية، ثمّة جيشٌ صامتٌ نراه في إيران يعمل تحت الأرض وفوق الجبال، يُشكّل حائط صدٍّ لا يقلّ أهمية عن منظومات الردع الصاروخية: إنّه الشبكة الوطنية للكهرباء والغاز. ومع تصاعد نبرة التهديدات الإسرائيلية والأميركية الأخيرة باستهداف المنشآت الحيوية الإيرانية كردٍّ استراتيجي، يبرز السؤال الملحّ: هل تملك طهران عمقًا إنشائيًا قادرًا على امتصاص الصدمة، أم أنّ بنيتها التحتية تمثّل خاصرتها الرخوة؟
الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، كما لن تشلّ قدرات طهران. وكل الخيارات المطروحة أمام واشنطن تنطوي على مخاطر كبيرة، ما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التصعيد في حربٍ لا أمل لها في تحقيق نصر فيها، أو الإنسحاب فوراً قبل أن تتحوّل هذه الحرب إلى مُستنقع مُدمّر يصعب الخروج منه. والخيار الثاني هو الأكثر حكمة، لأن إيران لا تحتاج إلى انتصارٍ حاسم؛ يكفيها أن تُثبت فشل الأهداف الأميركية-الإسرائيلية، بحسب إيلان غولدنبرغ في "فورين أفيرز"(*).
يعيش الإقليم الشرق أوسطي ضمن "مثلث حصار" من الأزمات والحروب المتشابكة، يُظهر بوضوح أن المنطقة تشهد تحولات متسارعة، وإن تفاوتت درجاتها وحدّتها. هذه التحولات مرشّحة لأن تترك تأثيرات بنيوية عميقة على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وعلى أنماط العلاقات وطبيعة التحالفات فيه.
دخلت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، وبدأت على شكل هجمات جوية مشتركة استهدفت نحو سبعة آلاف موقع داخل إيران، رافقتها عمليات اغتيال استندت إلى معلومات استخبارية وتقنيات متطورة، طالت عدداً كبيراً من القيادات الإيرانية، في مقدمها المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. في المقابل، ردّت إيران بقصف صاروخي بالستي استهدف مواقع داخل إسرائيل، وكان أعنفها ضربة ديمونا وعراد مساء السبت الماضي.
يواجه لبنان اليوم واحدةً من أبرز المبادرات الدبلوماسية الدولية الرامية إلى التأثير في مستقبله السياسي والأمني عبر ما يُعرف بـ"الورقة الفرنسية". ولا يمكن قراءة هذه المبادرة بمعزل عن التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية الفرنسية في عهد إيمانويل ماكرون، ولا عن النقاش الدائر حول مدى استمرارية الإرث "الديغولي" في مقاربة فرنسا لمنطقة المشرق العربي. ففي حين يرى البعض أنها محاولة لإعادة تفعيل الدور الفرنسي في لبنان، يعتبرها آخرون جزءاً من مسار أوسع لإعادة تموضع فرنسا في المنطقة في ظل تراجع نفوذها التقليدي.
تعكس المقاربة الأميركية تجاه إيران اضطراباً استراتيجياً بقدر ما تكشف عن تداخل معقد بين الرغبة في التصعيد والخشية من كلفته. فإدارة دونالد ترامب، برغم خطابها الحاد، تبدو أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة منها إلى تنفيذ خطة متكاملة الأهداف. وبين ضغوط إسرائيل، وتحفظات الحلفاء، والانقسام الداخلي، يتحول القرار الأميركي إلى عملية موازنة دقيقة بين خيارات تبدو جميعها مكلفة.
في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، حين أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية المشتركة على إيران، لم يكن العالم يدرك بعد أنه يشهد بداية أكبر اضطراب في أسواق الطاقة العالمية منذ أزمة النفط عام 1973. غير أن ما بدا، للوهلة الأولى، أزمة عالمية تضرب الجميع بالتساوي، سرعان ما كشف عن رابح واحد هو الولايات المتحدة الأميركية نفسها.
عندما كتب رئيس وزراء بريطانيا هارولد ولسون عن تجربته في رئاسة الحكومة، لم يكن بصدد تقديم سيرة ذاتية تقليدية؛ بل كان يعرض خلاصة تجربة طويلة في قلب الشأن العام البريطاني امتدت بين عامي 1964 و1970 ثم بين 1974 و1976. في تلك المرحلة التي استمرت عقداً ونيف، كانت بريطانيا تمر بتحولات اقتصادية عميقة وتواجه تحديات داخلية وخارجية.