رحل أحمد قعبور، وترك الباب مواربًا على صوتٍ يعرف كيف يمشي بين الناس كأنه واحدٌ منهم، يمسّ أكتافهم برفقٍ ويجلس قرب تعبهم دون ضجيج.
رحل أحمد قعبور، وترك الباب مواربًا على صوتٍ يعرف كيف يمشي بين الناس كأنه واحدٌ منهم، يمسّ أكتافهم برفقٍ ويجلس قرب تعبهم دون ضجيج.
في مدنٍ صاخبة كـبيروت، لا يُقاس حضور الفنان الملتزم بما تركه من أعمال فحسب، بل بما زرعه في الوجدان من أثرٍ عميقٍ لا يُمحى. هناك أصوات تعبر الزمن كأيّ صوتٍ عابر، وأخرى تتحوّل إلى جزء من ذاكرة المكان والناس، تُستعاد كلما اشتدّ الحنين أو اشتبك الواقع مع أسئلته الكبرى. في هذا الأفق، يبرز أحمد قعبور لا كمغنٍّ وحسب، بل كصوتٍ شكّل وجدان مدينة، وكتب ولحّن وغنى، بطريقته الخاصة، سيرةً موازيةً لبيروت وأهلها ولكل أولاد البلد من الشمال إلى الجنوب.
بينما أربكت أزمة إقفال مضيق هرمز تدفقات الخليج النفطية ورفعت أرباح الشركات الأميركية، توجهت إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو كاراكاس من أجل تعزيز نفوذها النفطي والسياسي هناك، مستخدمة القوة الاقتصادية والعسكرية لإعادة هندسة ورسم خريطة الطاقة عالمياً، في امتداد مباشر للأزمة ومقدمة لمرحلة أعمق من السيطرة على أسواق الطاقة، وكشف التحرك الأميركي في فنزويلا عن طموح أكبر، حيث يتحول النفط من سلعة إلى أداة نفوذ للتحكم في التدفقات العالمية وموازين القوى.
لا تقتصر تداعيات استمرار الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران على الشرق الأوسط أو الاقتصادات الأوروبية المتضررة من ارتفاع أسعار النفط واضطراب إمدادات الغاز، بل تمتد بشكل واضح إلى آسيا، التي تواجه ضغوطًا متزايدة في مجال الطاقة. ومع تطور الأزمة، قد لا تظل هذه التداعيات اقتصادية فحسب، بل تتسع لتشمل إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وربما إحداث تحولات أعمق في ميزان القوى داخل القارة.
لطالما تقمص لبنان دور "الساحة" التي تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية. منذ تأسيس هذا البلد، لم يكن الصراع محكوماً بديناميات داخلية وحسب؛ سواء لعبة الصراع على السلطة أو الموارد أو تحديد الموقع الإقليمي. الآن، نحن نشهد أحد هذه الفصول التي تجعل الصراع امتدادًا مباشرًا للمواجهة الكبرى بين إيران من جهة، والتحالف الأميركي - الإسرائيلي - الخليجي من جهة أخرى. هذا الواقع أعاد تعريف موقع لبنان، من دولة هشة تعاني أزماتها الخاصة، إلى مختبر فعلي لتوازنات القوى في الشرق الأوسط.
أحيت استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كنت، من منصبه احتجاجًا على الحرب الجارية ضد إيران، الجدل داخل العاصمة الأميركية بشأن مبررات الانخراط العسكري ودور إسرائيل في توجيه القرار الأميركي.
بتاريخ 17 يناير/كانون الثاني 2025، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي اعتبرت تتويجاً للعلاقات المتنامية بين البلدين. وهي معاهدة تمتد لعشرين عاماً وتشمل التعاون في مجالات الدفاع، الأمن، الطاقة، الاقتصاد، والثقافة. مع ذلك، وقفت روسيا مكتوفة الأيدي عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران، سواء في حزيران/يونيو 2025 (حرب الإثني عشر يوماً)، أو في الهجوم الأخير الذي بدأ في أواخر شباط/فبراير 2026.
استمرت تطاردني عقدة "جبل" المقطم، هذا العملاق بالنسبة لسكان سفوحه وما تحتها في الجمالية والدراسة، أو بعيدًا عنها في المنيرة وحي الحكومة، وكنت أحد هؤلاء السكان. تقدم بي العمر فانتقلت من المراهقة إلى الشباب اليافع، وسافرت إلى أصقاع بعيدة، ولم يعد المقطم عملاقًا. صرت، مع مرور الوقت وتعدد مواقع سكني وعملي، أشير إليه بالتلّ المتواضع، مثلُه مثل تلال كثيرة متناثرة حول مدن سكنتها غير القاهرة.
لم يكن اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية تتكثف فيها قوانين التحوّل التي حكمت تاريخ الأمم. فالزمان، في منطق التاريخ، ليس خطًا مستقيمًا، بل حركة دائمة تعكس تبدّل الأحوال وتنازع الرؤى وتحوّل موازين القوة. وما يجري اليوم في الخليج والشرق الأوسط ليس سوى تجلٍّ حيّ لهذا التحول العميق.
عندما تتساقط القنابل، تُحصى الخسائر الأولية بالأرواح والركام، لكن الثمن الحقيقي والأكثر فتكاً يتجلى في التسميم الصامت للهواء والتربة، وفي الانعكاسات الكارثية على المناخ العالمي.