إذا تم توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بالصورة الراهنة التي تم تسريبها لوسائل الإعلام طوال الأيام الماضية، فإن طهران ستكون قد حققت نجاحًا سياسيًا حقيقيًا، وستكون الولايات المتحدة ومعها إسرائيل قد مُنيتا بخسارة استراتيجية كبرى.
إذا تم توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بالصورة الراهنة التي تم تسريبها لوسائل الإعلام طوال الأيام الماضية، فإن طهران ستكون قد حققت نجاحًا سياسيًا حقيقيًا، وستكون الولايات المتحدة ومعها إسرائيل قد مُنيتا بخسارة استراتيجية كبرى.
تنشأ المفاهيم في أصلها استجابةً لواقع معين، وتُحدّد قيمتها بقدرتها على الفعل داخله أي باعتبارها أدوات تهدف إلى انفتاح الذهن وإعادة تشكيله لا باعتبارها مجرد تمثلات ذهنية. فيُولد المفهوم في بدايته نتيجة توتر تاريخي، من أزمة أو حاجة، تدفع الفكر إلى ابتكار لغة جديدة لفهم العالم وممارسة التأثير فيه.
ليس لبنان اليوم أمام أزمة عابرة يمكن إرجاؤها إلى تسوية موقّتة، ولا أمام اشتباك حدودي يمكن احتواؤه ببيان دبلوماسي أو هدنة رخوة. إنها لحظة تتكثف فيها الأزمنة السياسية دفعة واحدة: زمن الحرب، زمن الانقسام الداخلي، زمن الوصايات، زمن السؤال الوجودي عن معنى الدولة وحدود السيادة ومصير الكيان. فما بدا طوال السنوات الماضية أزمات منفصلة صيغةً واقتصاداً واجتماعاً وحدوداً وهويةً وسلاحاً، يعود اليوم متشابكًا. كأن البلاد دفعت ثمن ترحيل الأسئلة حتى جاءتها كلها في وقت واحد.
لم يأتِ التحوّل في بنية التمثيل السياسي السنّي في لبنان من فراغ، ولم يكن مجرّد نتاج كاريزما فرد أو ظرف عابر، بل جاء نتيجة مسار الدولة بعد اتفاق الطائف، ونتاج تزاوجٍ معقّد بين إعادة هندسة النظام السياسي وصعود المال السياسي بوصفه لغة الحكم الجديدة.
أنهت حركة فتح مؤتمرها الثامن، في 16 أيار/مايو، بعد ثلاثة أيام من انعقاده في مدينة رام الله في الضفة الغربية بحضور 2595 عضواً يمثلون ساحات الحركة في رام الله وغزة ولبنان ومصر. تنافس منهم 59 عضواً على 18 مقعداً في اللجنة المركزية، و450 عضواً على 80 مقعداً في المجلس الثوري للحركة.
«أهلًا بكم في إسرائيل»!. بدت عبارة الترحيب، بنصّها وأجوائها ورسائلها، على لسان وزير الأمن القومي الإسرائيلي «إيتمار بن غفير»، تعبيرًا صريحًا عن إسرائيل الحقيقية، لا إسرائيل المُدَّعاة. استدعت الصور المفزعة، التي سجّلها وبثّها بنفسه لاستقبال ناشطي أسطول «الصمود»، إدانات دولية واسعة، لم يكترث بها. وبتعبير رئيس المجلس الأوروبي «أنطونيو كوستا»: «أنا مصدوم مما رأيت»، كأنّ هناك مفاجأة في أن تُنسب إلى دولة الاحتلال، و«بن غفير» بالذات، جرائم ضد الإنسانية.
لم تعد الحرب الإسرائيلية على لبنان مجرّد جبهة عسكرية تندرج في سياق “الردع المتبادل” أو “تعديل قواعد الاشتباك”. ما يجري اليوم أبعد من ذلك بكثير، إنه محاولة لفرض ترتيب إقليمي جديد، تُستخدم فيه القوة العسكرية لتثبيت موازين قوى ولتعطيل أي مسار يمكن أن يخرج لبنان من دائرة العجز، أو يفتح شرق المتوسط على معادلة أكثر توازنًا. وفي قلب هذا المشهد، يقف ملف الغاز الطبيعي بوصفه أكثر من ملف اقتصادي؛ إنه ملف سيادي وجيوسياسي وأمني، بل أحد أهم مفاتيح الصراع على مستقبل المنطقة.
بعد سنةٍ ونصف من تسلّم سلطةٍ جديدة الحكم في سوريا، بدأت الثقة الشعبيّة تتضاءل بإمكان إخراج المجتمع من المعاناة التي عاشها طويلاً. ولم تعد مهرجانات الاستثمار والمساهمات تؤتي ثمارها الإعلاميّة أو تخلق الآمال نفسها، خصوصاً أنّ كثيراً منها بدا مبالغاً فيه، في ظلّ تدهور الأحوال المعيشيّة لغالبية السكّان، ومع التفرقة غير المسبوقة التي يشهدها أبناء الوطن الواحد وبناته. كما لم يعد توجيه الأنظار نحو جرائم السلطة السابقة كافياً لتحويل الاهتمام عن مشكلات اليوم.
تناول الكاتب والمؤرخ الأميركي روبرت كاغان وهو أحد منظري المحافظين الجدد، في مقالة له في مجلة "ذا أتلانتيك" المأزق الذي بلغه دونالد ترامب في الحرب على إيران، قائلاً إن الرئيس الأميركي لا ينهي الحرب من موقع المنتصر، بل ينسحب منها تحت ضغط الوقائع، ما يعني ـ برأيه ـ تراجع الهيمنة الأميركية وصعود إيران كقوة إقليمية ودولية. أما الكاتبان ديفيد هالبفينغز ورونين بيرغمان، فيُشدّدان في مقالة لهما في "نيويورك تايمز" على أنّ الحرب على إيران كشفت تراجع موقع إسرائيل داخل القرار الأميركي، بحيث انتقل بنيامين نتنياهو من شريك يقود الحرب مع واشنطن إلى طرف مُهمَّش ينتظر قرارات ترامب ويتكيّف معها.
يتجاوز التنافس الإقليمي الراهن في الشرق الأوسط حدود الصراع التقليدي على الموارد أو النفوذ الجغرافي، ليتخذ أبعادًا أعمق تتصل بما يمكن تسميته «الشرعية المعنوية». فالجدل القائم بين القطبين الإقليميين، المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يدور حول موازين القوة الصلبة وحدها، بل حول أحقية تمثيل المجال الإسلامي، وامتلاك موقع القيادة الرمزية والسياسية في منطقة شديدة الحساسية دينيًا واستراتيجيًا.