مآزق الرأسمالية.. والحروب الأميركية

كثيراً ما يكونُ المُفْترِسُ فريسةَ نفسِه. هذا في الغابات. الأمرُ عينُهُ في حياةِ الأباطرةِ والإمبراطوريّاتِ الكبرى في التاريخ. على مَن ينطبق ذلك اليوم؟

ذلكم هو حال الإمبراطور الأميركي “الضبعان” دونالد ترامب. شَعَرَ- باسم كل سابقيه من رؤساء أميركا منذ 249 سنةً- أنَّ الرأسمالية المحلية والعالمية في مأزِق مصيريّ. تكادُ أنْ تأكلَ نفسَها بنفسِها فقرَّرَ أنْ يُحاولَ إنقاذَها بأكْلِ العالم. فعَّلَ مَسيرَةَ التحام ِأسلافِهِ بالصهيونية. رأى أنَّ الآخرين في الكوكب مجرَّدُ “غوييم” لا يستحقّون الحياة بحسَبِ المفهوم التَلمودي. شاركَهُ هذه الرؤيةِ “النـُورانيّون” اليهود: من “إيبّاك” إلى المجمَّعِ الصناعي العسكري في أميركا إلى “الماسونيين” إلى نتنياهو وربابنة الهيكل في الكيان اليهودي الغاصبِ أرضَ فلسطين.

هؤلاءِ جميعاً اتخذوا قرارَ إشعالِ حروبٍ جديدة. أسقطـُوا تصوّراتِهم الرِبْحيةَ الجشعةَ على برامجِهم السياسية كما كان يشير كارل ماركس منذ القرن التاسع عشر. الأخطرُ أنَّهم اعتمدُوا نظرية الحروب المتزامنة، عسكرياً واقتصادياً وثقافياً، لتتحوَّلَ الكرةُ الأرضيةُ إلى كرةِ نار. أوَّلُ المُحترقينَ بالنارِ كان الاتحاد الأوروبي. لم يأبَهْ ترامب لحلفائهِ في “الناتو”. علا صراخُ الأوروبيينَ في غربِ القارَّةِ العجوزِ وشرقِها، فلم يُصْغِ إليهم بلِ ابتزَّهمْ بالحماية العسكرية، وشملَهُمْ برفع التعرفاتِ الجمركية، وجعلَهم يتعثّرونَ في الأسواق ويخافون من الركود، ويزدادونَ تهيُّباً أمام روسيا التي قادها بوتين إلى نصر عقلاني في أوكرانيا فلاقاهُ ترامب بمشروع تسويةٍ لحربٍ وقعت في قلب أوروبا ستكون فاتحةً لتغيير كثير من المعادلات الجيوسياسية.

ترامب أوقع الاتحادَ الأوروبي لكنَّ هدفَهُ الأكبرَ هو الصينُ غير أنَّ العِملاقَ الآسيويَّ يملِكُ من الإمكانيّاتِ العلميةِ والعسكرية والبشرية ما يجعلـُه يتصدَّى بفعاليّةٍ للحرب التجارية التي فتحتْها واشنطن. ومن بكين ستكون فاتحة ُ التراجع ِالأميركي ولو بعد سنواتٍ.. لن يستطيعَ ترامب أن يخوضَ هذه الحروبَ كلَّها دَفعةً واحدة، وإنْ أكملَ المغامرةَ فمآلُهُ إلى السقوطِ عاجلاً أو آجلاً لكنْ بعدَ خرابِ العالم. لذا فإنَّ التلويح بالقوة العسكرية ضد الصين بعدَ الحرب التجارية سيُعَدُّ ضرباً من المكابرة حتى لو تصوَّر ترامب أنَّهُ يستطيعُ أن يرتكز إلى بوَّابة تايوان، فالجغرافيا السياسية في بحر الصين تعمل هناك لمصلحةِ بكين. وهناك أسباب أخرى ستقود ترامب إلى التراجُعِ وهي:

أولَّاً؛ الحرب التجارية التي يشُنّها لن تنجو منها الولاياتُ المتحدةُ نفسُها. الركود سيصل إليها لأنَّ الدول التي تربُطها بها علاقات تجارية ستبحث عن أسواق أخرى. والمدى مفتوحٌ في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، الأمر الذي يؤدِّي إلى تغيير كبير في العلاقات الدولية ستستفيد منه الصين وروسيا ومجموعة البريكس ونمورُ آسيا.

إنَّ أقصى الحدود المتاحة الآن أمام ترامب هي الحروب الإقليمية المحدودة التي يعقبها تفاوض مع الخصوم. أما مع الصين فسيكون مضطراً للعدِّ إلى المليون قبل الإقدام على أيِّ مغامرةٍ، والأمرُ نفسُه ينطبق على روسيا

ثانياً؛ التعرِفات الجمركية التي رفعَها ترامب ستصبُّ عائداتُها في جيوب الأوليغارشية المالية بين الأثرياء الأميركيين من دون أن تنعكس إيجابياً في التنمية الداخليّة، ما سيقود حُكماً إلى كوارث معيشية ترتدُ عليه. وسيجد نفسه عاجزاً عن حماية الثقة بالدولار بوصفه عملة مِعيارية للتبادل النقدي. وقد بدأ كثيرون منَ المُستثمِرين الدوْليين يكْنِزون الـْ”يوان” الصيني. وهذا يعني أنَّ نظام بريتون وودز سيترنَّح لمصلحة نظام نقدي تعدُدي جديد في العالم. ومن المعروف أنَّ الإمبراطوريات في التاريخ تبدأ تدريجياً بالانهيار مالياً ثمَّ عسكرياً حتى تنتهي بالزوال.

ثالثاً؛ ارتفاع الأصواتِ الاعتراضيةِ على ترامب من داخل الحزبيْن الجمهوري والديموقراطي مرشَّحة ٌ للازدياد. وهذه النُخبُ المُعترضةُ لا تتخذُ موقفَها المنتقِدَ حُبّاً بمصالح الشعوب أو بالسلام العالمي بل لأنها ترى أنَّ ما يقوم به ترامب هو مجرَّد مكاسب على المدى القصير ستتحوَّل إلى خسائر على المدى الإستراتيجي، كما يتخوّفون من احتمال الانزلاق إلى العزلة أو الانكماش على الأقلّ. ويتهيّبُون أيضاً منَ الانجرار إلى قرارات حرب نارية لا تستطيع واشنطن تحمّلَ عواقبها النووية ولا الإستراتيجية في ظل العلاقات التحالفية بين روسيا والصين وإيران وعدد من دول أميركا اللاتينية، فضلاً عن ضعف الاتحاد الأوروبي واهتزاز ثقته بواشنطن.

العالمُ كلُّه على شفير تبدُّلات هائلة في ظل الحروب التجارية التي أطلقها ترامب. الصراع على الموارد هو الأساس، والاستعمار الأميركي الحديث يعيش فورته الرأسمالية الأخيرة، وإن امتدَّت لسنوات

هذه الخطوط الثلاثةُ تدفع الإستراتيجيين إلى التفكير في ما إذا كان ترامب قادراً على تفجير حرب عسكرية شاملة أم هو يستخدم القوة للابتزاز من أجل تحقيق الأهداف؟ إنَّ أقصى الحدود المتاحة الآن أمام ترامب هي الحروب الإقليمية المحدودة التي يعقبها تفاوض مع الخصوم. أما مع الصين فسيكون مضطراً للعدِّ إلى المليون قبل الإقدام على أيِّ مغامرةٍ، والأمرُ نفسُه ينطبق على روسيا.

نظرية الحروب الإقليمية المتزامنة تمَسُّ في القريب المنظور منطقة الشرق. هنا ترتفعُ وتيرةُ التهديداتِ لإيران بتوجيه ضربةٍ إليها، فإمَّا تتخلَّى عن برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي وإما تتزامن حربُ العقوباتِ مع حربٍ خاطفة عليها. الإيرانيون تعاملوا بحنكة مع هذه التداعيات فاستنكروا الضغوط القُصوى ولم يرفضوا التفاوض، وقرأوا بدقة خلفيّاتِ الاعتداءاتِ على اليمن وحشد الأساطيل الغربية في البحرين الأحمر والأبيض المتوسط. وروسيا والصين حذَّرتا من توجيه ضربة إلى طهران وجدَّدتا الدعوة إلى التفاوض وهو المآلُ الأرجح ، وإن ترتبت على ذلك تنازلات إيرانية إضافية.

إقرأ على موقع 180  هاريس وترامب.. حيرة الأمتار الأخيرة!

أمَّا ما هوَ داهمٌ بخطورةٍ عاليةٍ في منطقتنا فهو أنَّ نتنياهو – بضوءٍ أخضرَ من ترامب – يُكمل مشروعَ تطويق إيران وتقسيم جوار الكيان الإسرائيلي، بعدما رسَخَّ الخطَّ الإستراتيجي لتقسيم بلاد الشام من رأس الناقورة اللبناني إلى الجنوب السوري حتى حدود بادية العراق، ويتنافس مع أردوغان على أرض سوريا، ويسعى إلى فرض التطبيع إثرَ إسقاطه اِتفاقين لوقف إطلاق النار في لبنان وغزة بالتزامن مع حربه الإباديةِ ضدَّ الفلسطينيين، وتجديده نذائر الحرب على لبنان. وهكذا فإنَّ منطقتنا- في ظل ترامب ونتنياهو– مقبلة على كوارث ديموغرافية وسياسية وأمنية، ولا سيّما أنَّ أولياء السلطة العرب لا إرادة لهم في مواجهة واشنطن ولو بالحد الأدنى من الموقف، بل إنَّ ترامب أخذ من السعودية وحدها في ثلاثةِ أشهر سدس الأموال (تريليون و600 مليار دولار) التي خطَّـطَ لِجمعِها من وراءِ سياستِه الجمركيةِ لأجل دعمِ الاقتصادِ الأميركي المأزوم.

العالمُ كلُّه على شفير تبدُّلات هائلة في ظل الحروب التجارية التي أطلقها ترامب. الصراع على الموارد هو الأساس، والاستعمار الأميركي الحديث يعيش فورته الرأسمالية الأخيرة، وإن امتدَّت لسنوات. الولايات المتحدة إمبراطورية في طريق الزوال لكنها ستترك خراباً شنيعاً قبل أن تستطيع الشعوب النهوض، لكنها ستنهض. تلك هي حركة التاريخ.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  قمة عربية مختلفة.. بوادر أنفاس جديدة!