إذا كان فوكوياما قد بشّر بانتصار الليبرالية بوصفها خاتمة المطاف البشري، فإن ترامب يعلن اليوم نهاية التاريخ رسميًا و«قانونيًا»، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القوة العارية، ولا مرجعية تعلو على إرادة الكاوبوي الذي استبدل الدبلوماسية بصولات وجولات الكوماندوز الهوليوودية.
ومن المفارقات التي تثير سخرية مريرة أن يأتي هذا التغوّل العسكري في وقت لا يخفي فيه ترامب طموحه الجامح لنيل جائزة نوبل للسلام. فهل هذا هو السلام الذي يطمح إليه؟ سلام يُبنى على اختطاف رؤساء الدول من غرف نومهم وتغيير الأنظمة بقوات النخبة؟
إن هذا الطموح الشخصي يصطدم بحقيقة كون ترامب هو المشرف الفعلي والداعم المطلق للجرائم الوحشية التي تُرتكب في فلسطين ولبنان. فمن يمنح صكوك الغفران لآلة القتل في غزة وضاحية بيروت لا يمكنه الادعاء بصناعة السلام في كاراكاس، بل يعيد تعريف السلام بوصفه إخضاعًا كاملًا لكل من يجرؤ على الخروج عن الهيمنة الأيديولوجية للبيت الأبيض.
في هذه اللحظة الدرامية، لا يسعنا إلا استحضار المشهد الذي وقف فيه الكولونيل الليبي معمر القذافي، قبل أعوام، على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليمزّق ميثاقها أمام أعين العالم، معتبرًا إياه «خرقة» لا تحمي الضعفاء. لكن المفارقة المريرة تكمن في أن ما فعله القذافي آنذاك كان تمزيقًا رمزيًا صدر عن زعيم «متمرّد» احتجاجًا على تهميش دول العالم الثالث، بينما ما يفعله ترامب اليوم هو تمزيق مادي وقانوني يصدر عن رأس النظام نفسه.
إن فعل ترامب أشدّ قسوة وخطورة ورعبًا؛ فالقذافي لم يكن يملك القوة لإلغاء الميثاق، بينما يملك ترامب الأساطيل والكوماندوز لتحويله إلى رماد. نحن أمام انقلاب إمبراطوري من الداخل: حين يُقرّر حارس القانون أن يصبح هو القرصان، نكون قد بلغنا ذروة الانهيار. ما حصل اليوم هو الرسالة الأكثر رعبًا في القرن الحادي والعشرين: «لا حاجة لتمزيق الميثاق على المنصات، طالما يمكن سحقه تحت بساطير الجنود في غرف نوم الرؤساء».
ولا شك أن تقاطع خرق القوانين الأممية مع تجاوز القيود الدستورية الأميركية الداخلية يخلق وحشًا قانونيًا يهدد السلم العالمي. فمتى سُمح بتعريف القوة خارج الأطر الدولية، فذلك يعني فتح الباب أمام شرعنة الإرهاب الدولي تحت لافتة مضللة تُسمّى «إنفاذ القانون».
نحن نعيش في برزخ سياسي: سقط القديم ولم يولد الجديد بعد، سوى ملامح غابة دولية يقودها كاوبوي مهووس بـ«نهاية التاريخ». السؤال لم يعد: هل مادورو حي؟ بل: متى يعلن العالم رسميًا وفاة القانون الدولي ويستعد لعصر المواجهة المفتوحة تحت رحمة الصواريخ والقذائف؟
ما حدث في فنزويلا هو زلزال قانوني يعيد العالم إلى عصور الغابة، حيث تصبح عمليات الكوماندوز بديلًا من القنوات الدبلوماسية والقضائية. إن حماية العالم من الإرهاب الدولي تبدأ باحترام القوانين التي تمنع القوي من افتراس الضعيف، وإلا فإن البشرية جمعاء ستجد نفسها بانتظار دورها في طابور ما يُسمّى «التطهير الأيديولوجي».
إن التاريخ لم ينتهِ بانتصار القيم، كما زعم فرانسيس فوكوياما، بل يبدو أنه يتجه نحو «نهاية قانونية» مأساوية على يد دونالد ترامب، حيث تُنتهك السيادة، وتُباد الشعوب في الشرق الأوسط، وتُختطف الرئاسات في أميركا اللاتينية، كل ذلك من أجل سلام زائف وميدالية ذهبية تختصر نرجسية القوة العارية.
ومن المثير للدهشة، وربما للسخرية السوداء أو للقرف السياسي، أن نرى بعض الأصوات في المغرب، مثلًا، تصفّق لهذا السلوك الترامبي الإرهابي انطلاقًا من منطق النكاية الضيق، حين يبرّرون اختطاف مادورو نكايةً بموقف فنزويلا من قضية الصحراء الغربية وتأييدها لجبهة البوليساريو، متناسين أن كسر هيبة السيادة الدولية هو السلاح نفسه الذي قد يُشهر غدًا في وجه أي دولة لا تنسجم أهواؤها مع مزاج واشنطن.
وفي السياق ذاته، تبرز أصوات من معارضي المحور الإيراني تتمنى تكرار سيناريو الكوماندوز مع آية الله علي خامنئي، متوهمين أن «حبيبهم» ترامب سيهديهم الحرية على فوهة صاروخ. هؤلاء يسقطون في فخ الرهان على الوحش، فيشرعنون أسلوبًا يتجاوز مغامرات السينما الهوليوودية ليصل إلى مرحلة الإرهاب المؤسسي.
إنهم يغفلون عن حقيقة كبرى: من يقتلع رئيسًا من بيته في كاراكاس هو نفسه من يمنح الضوء الأخضر لإبادة العائلات في غزة وهدم القرى والمدن في جنوب لبنان. ولا يمكن للمرء أن يكون سياديًا في بلده ومباركًا للاختطاف في فنزويلا في آن واحد.
إن القانون الدولي هو درع الضعفاء، وبمجرد أن نصفّق لكسر هذا الدرع نكايةً في خصم سياسي، فإننا نعرّي صدورنا أمام الرصاصة القادمة. ودونالد ترامب لا يتحرك بدافع أخلاقي لتحرير الشعوب، بل بدافع إمبراطوري لتأديب كل من يخرج عن النص. وما فنزويلا إلا “بروفه” لنظام عالمي جديد يكون فيه الكوماندوز هو القاضي والمشرّع والمنفّذ.
إن تمني الاستقواء بالأجنبي لإسقاط الخصوم المحليين هو اعتراف ضمني بالعجز، والأخطر أنه اعتراف بشرعية الغابة. إن «سلام ترامب» الذي ينتظره البعض في طهران أو دمشق أو بيروت هو سلام القبور، سلام لا يعترف بدولة ولا بقانون ولا بمؤسسات، بل يرى في الجغرافيا العربية مجرد ساحات لتصفية الحسابات.
ما جرى هو جريمة اختطاف دولي مكتملة الأركان، وفعل يصنّفه العرف القانوني ضمن أعمال قرصنة الدول.
وبينما يحبس الفنزويليون أنفاسهم بانتظار خبر عن مصير رئيسهم المختطف، يبرز السؤال الأكثر رعبًا، من كاراكاس إلى أروقة الأمم المتحدة: هل لا يزال القانون الدولي على قيد التنفس؟
لا نعتقد أن السؤال عن نبض مادورو سوى إعلان وفاة إكلينيكية للنظام الدولي الذي تشكّل عقب أهوال الحرب العالمية الثانية. فلقد أثبتت عملية الاختطاف الترامبية أن ميثاق الأمم المتحدة وُضع في «غرفة الإنعاش» منذ زمن، وما جرى اليوم ليس إلا نزعًا لأجهزة الدعم الأخيرة عنه. فالقانون الدولي لا يموت بالتقادم، بل يموت حين تصبح «البلطجة المنظمة» سياسة رسمية للقوة العظمى، وحين تتحول الحصانة السيادية من حق أصيل إلى «وجهة نظر» خاضعة لمزاج ساكن البيت الأبيض.
إن غياب المعلومة حول مصير مادورو وزوجته يكرّس مفهوم «الاختفاء القسري الدولي»، وهو تطور خطير يعيدنا إلى عصور ما قبل الدولة، حيث لا محاكمات ولا ملاحقات ولا شفافية، بل «ثقوب سوداء» قانونية تبتلع الرؤساء والسيادات. وإذا كان رئيس دولة يُختطف من قصره ولا يُعرف مصيره، فما الضمانة لأي أمة أو شعب في هذا العالم؟
هذا هو السلام الذي يريده ترامب: سلام «الصمت المطبق»، حيث تُحل النزاعات بـ«التنظيف» الأيديولوجي، وتُمنح جوائز نوبل على أنقاض الدول المحطمة في الشرق والغرب.
إن القانون الدولي اليوم لا يتنفس؛ لقد خنقته الازدواجية في فلسطين، والعدوان في لبنان، وأخيرًا «القرصنة» في فنزويلا.
نحن نعيش في برزخ سياسي: سقط القديم ولم يولد الجديد بعد، سوى ملامح غابة دولية يقودها كاوبوي مهووس بـ«نهاية التاريخ». السؤال لم يعد: هل مادورو حي؟ بل: متى يعلن العالم رسميًا وفاة القانون الدولي ويستعد لعصر المواجهة المفتوحة تحت رحمة الصواريخ والقذائف؟
