إيران بين الشاه والخميني.. من “ملك الملوك” إلى “آخر القلاع”!

لم يكن محمد رضا بهلوي مجرد ملك بالنسبة لأميركا وإسرائيل، كان "ملك الملوك". فإيران البهلوية شكلت رأس حربة في المشروع الغربي عن سابق إصرار وتصميم. في رأي الشاه، سياسة عدم الإنحياز هي وصفة سحرية للسقوط. رأى والده يُجبَر على التنحي بعد الغزو السوفياتي البريطاني لإيران عام ١٩٤١، واختبر حافة الخلع من العرش مع محمد مصدق عام 1953.

انحاز الشاه بكل ما لديه غربًا، لكن ذلك لم يمنعه من السقوط. لذا، عندما جاء روح الله الخميني إلى إيران مع بداية عام 1979، لم يكن بدوره مجرد قائد ثورة، بل كان صاحب دين جديد في السياسة على مستوى العالم. مسارٌ كسر السردية السائدة لخطاب الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. لم يشعر العالم بإرهاصات هذا التحول مباشرة، ففي غمرة التغييرات العالمية، وبينما كانت الجمهورية الإسلامية الوليدة تصنع مساحات تأثيرها الممتد، كانت بصمتها تعيد تشكيل النقاش على مستوى العالم. هذه المرة الأولى التي يصعد فيها نموذج سياسي ديني بهذه التركيبة، وهذا النموذج بدأ يصنع لنفسه امتدادًا، وإن ببطء، سيؤسس مع الوقت لإمبراطورية فكرة. كان الغرب في بدايات الثورة ينتظر عودة إيران إلى الحظيرة. «خسارة إيران»، من خلال مركزية التفكير الأميركية، كانت حدثًا جللًا؛ فهي لم تغادر تحالفًا فحسب، ولم تبدّل التموضع فقط، بل راكمت على مدى نصف قرن حالة مواجهة على النمط القرطاجي، تتسع ببطء ولكن بثبات. من لبنان الثمانينيات، إلى دعم الفصائل الفلسطينية في التسعينيات، وعراق ما بعد صدام حسين وأفغانستان بدايات القرن، وسوريا والنفوذ في المنطقة في عقده الثاني، بالتزامن مع برنامج نووي مثير للجدل، وتطوير مشروع صاروخي ولاحقًا مشروع فضائي طموح.

في العنوان الكبير، نظّر مؤسس الجمهورية آية الله الخميني لمقارعة الاستكبار. هكذا صنع له حضورًا ممتدًا من إيران إلى غير مكان. لبنان كان نقطة انطلاق وثقل، لكن لبنان لم يُصنع بخطة، بل صنعته الفرصة. وهكذا، بعد أقل من ثلاثة أعوام على الثورة، أصبحت إيران عمليًا على حدود فلسطين. ما تحقق في لاحق السنين، وما تراكم من نزاع بين إيران والعرب، وصعود الشحن الطائفي والاقتتال، غيّب عن المنطقة حقيقة لا يمكن التغاضي عنها: لقد صنعت إيران بين المنطقة وإسرائيل فاصلًا آمنًا، جعل الدول العربية تتوهم للحظة أن الخطر الإسرائيلي ثانوي، وأن التطبيع ممكن، وأن العدو الأول هو إيران. بدورها، غرقت إيران أكثر في الساحات التي عملت فيها والتي رفدت تماسها مع إسرائيل، غرقت في الشؤون الداخلية ولم تُعر اهتمامًا للأصوات المعترضة. أولوية الحضور والمواجهة قدّمتها على كل شيء، فتحول بعض حلفائها، كما في الحالة السورية قبل سقوط الرئيس المخلوع بشار الأسد، عبئًا ماليًا ومعنويًا وسياسيًا وطائفيًا.

قبل أيام فقط، سمعنا من النقيض تمامًا للتيار الذي يُمثله سعيد جليلي، أي الرئيس الأسبق محمد خاتمي، موقفًا واضحًا تجاه فكرة تغيير النظام، حيث نُقل عنه قوله: «إذا زال هذا النظام بكل نواقصه وعيوبه، فإن مصير إيران سيكون أشد مرارة مما هو عليه اليوم. فالنزعات الانفصالية، والتدخل الخارجي، والاختراقات، ستؤدي إلى تدمير إيران»

عودة إلى نظرية “تحالف محيط إسرائيل”!

لقد صنع التغافل العربي عن إسرائيل، والتوتر المستمر مع إيران، طبقة سميكة فوق حساسات الأمن الإقليمي والأمن القومي للدول. الانكفاء الإيراني اليوم، بعد نتائج حرب غزة (2023-2025)، أزال الغبار. لا يعني هذا أن العلاقات العربية مع إيران تغيّرت نحو الأفضل، ربما تحسنت ظاهريًا، لكن الأصل أن تشخيص الأخطار الأخرى، بما في ذلك وبشكل أساسي الخطر الإسرائيلي، أضحى أكثر واقعية، في ظل اهتزاز السور الذي كان يفصل بين هذه الدول العربية وبين إسرائيل، وحتى بينها وبين بعض السياسات الأميركية التي لم تكن تُقرأ بالواقعية نفسها التي تُعالج بها اليوم.

لذلك نجد اليوم قلقًا إقليميًا واضحًا من أي اهتزاز قد يصيب الداخل الإيراني، لا حبًا بها، إنما خشية من مستقبل قاتم سيعيد إنتاج نظرية «تحالف محيط إسرائيل» التي نظّر لها ديفيد بن غوريون، والتي أنتجت مثلثًا حليفًا للدولة اليهودية كان قوامه، في ستينيات القرن الماضي، تركيا العلمانية، وإيران الشاه، وإثيوبيا. كما تجلّت هذه النظرية في تحالفات مبكرة مع مكونات تشكّل أقليات أو في حالة مواجهة داخل الدول العربية، كالكرد في العراق، أو المتمردين حينها في جنوب السودان، واليمين المسيحي في لبنان. ولأن المنطقة اليوم هي في الأصل وسط صراعٍ موازٍ بين اتجاهين، تقسيمي من جهة، وآخر يفضّل استعادة الاستقرار من جهة أخرى، فإن الأرض خصبة لتطبيق هذه النظرية. وليس ما حدث في ما يُسمّى بـ«دولة أرض الصومال» قبل أسابيع إلا مثالًا بيّنًا على ذلك.

رضا بهلوي.. خميني بلا عمامة ولحية!

ما يحدث اليوم في إيران تراكمي داخليًا، كما جاء في المقال السابق، لكنه تراكمي في مساحة الصراع الخارجي أيضًا، ولا يمكن فصل هذا عن ذاك، لا سيما أن هناك صوتًا مرتفعًا لدى من ينادون بإسقاط النظام، باستدعاء التدخل الدولي والقطيعة مع كل ما هو مرتبط بالثقافة الإسلامية وإيران ما بعد الفتح الإسلامي. هؤلاء يريدون فراقًا قاسيًا واصطفافًا جديدًا يعيد إنتاج صورة إيران السابقة، لتصبح نسخة أكبر وأكثر تأثيرًا من أذربيجان أو غيرها من دول هذا النسق. بالنسبة إلى كثيرين ممن يريدون هذا المسار، تصبح الصورة المتخيلة لما بعد التحول نحو المحور الأميركي هي طهران كمدينة دبي أو باكو، وربما لم يصلهم حديث بغداد بعد الغزو الأميركي.

بالنسبة إلى الشرائح المؤيدة للجمهورية الإسلامية، على اختلافها، هناك قناعة بأن سقوط النظام هو سقوط فردي لكل واحد منهم. ولعلهم في ذلك يعودون مجددًا إلى قول الخميني عندما سُئل عن مواجهة الخطر على النظام، حيث قال: «إن حفظ الجمهورية الإسلامية هو من أوجب الواجبات، بل وأهم من الحفاظ على حياة شخص واحد، ولو كان إمام العصر (الإمام المهدي)»

في شوارع طهران، هناك من يتظاهر مطالبًا بحقوق اقتصادية واجتماعية، وهناك من يريد إسقاط النظام، وبينهم من يحلم بالانفصال في دولة عرقية خاصة، وكذلك من يريد حلولًا إيديولوجية مكان الجمهورية الإسلامية، كجماعة “مجاهدي خلق”. لكن الواجهة تجري هندستها خارجيًا لرضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، الذي يقدّم نفسه رمز إعادة إحياء إيران الملكية، وجسر العودة الغربية–الإسرائيلية إلى بلاد فارس، ورأس حربة العلمانية الليبرالية في مواجهة رجال الدين. لا يريد رضا بهلوي أن يكون نسخة أخرى عن والده، بل خمينيًا بلا عمامة ولحية، مفجّر ثورة من نوع آخر وملهم تحوّل إقليمي عميق.

إقرأ على موقع 180  بوتين إما يكون يلتسين أو ستالين؟     

الجليليون: إسقاط النظام خط أحمر

التحول من مقلب إلى آخر وإنتاج نظام جديد هو، بالنسبة إلى رضا بهلوي ومن يتقاطعون معه، السيناريو الأسلم، لكنه ليس الأكثر ترجيحًا. فالمعركة، على غير العادة، تبدو واضحة جدًا، ولا تقبل القسمة ولا التسويات. والنظام لم يحرّك بعد كتلته الصلبة من العقائديين. هنا لا نتحدث عن الحرس الثوري والباسيج والمنضوين في المؤسسات العسكرية والأمنية، بل عن كتلة ترى في الجمهورية الإسلامية آخر قلاع التشيّع الإثني عشري، ودولة التمهيد لظهور الإمام الثاني عشر. هذا الحيز من المجتمع من الصعب إدراك فاعليته من دون الاحتكاك به. بالأرقام، جزء من هؤلاء يتقاطعون مع النظام في الأهداف، وقد يختلفون لحظيًا في السياسة، كـ13 مليونًا صوّتوا لسعيد جليلي في الانتخابات الرئاسية، برغم كونه المرشح غير المستساغ من النظام والحرس الثوري. من يُصوّت لسعيد جليلي يعرف لماذا يذهب إلى الصناديق ليضع رأيه.

أنصار سعيد جليلي يرفضون أي نوع من التسوية مع الغرب، وهم قادوا الحملة لإسقاط الاتفاق النووي وخوّنوا كل من تفاوض مع الأميركيين. هؤلاء يشكّلون شريحة مهمة، وهناك قطاعات أخرى مختلفة في المسار السياسي والعقائدي، لكنها تتقاطع في اعتبار سقوط النظام خطًا أحمر. فقبل أيام فقط، سمعنا من النقيض تمامًا للتيار الذي يُمثله جليلي، أي الرئيس الأسبق محمد خاتمي، موقفًا واضحًا تجاه فكرة تغيير النظام، حيث نُقل عنه قوله: «إذا زال هذا النظام بكل نواقصه وعيوبه، فإن مصير إيران سيكون أشد مرارة مما هو عليه اليوم. فالنزعات الانفصالية، والتدخل الخارجي، والاختراقات، ستؤدي إلى تدمير إيران».

المحدد الديني ليس وحده الحاكم هنا؛ فإشارة خاتمي تذهب بعيدًا إلى أصل وجود إيران ووحدتها. لكن التيار المتدين عمومًا يرى في سقوط النظام تحويلًا لعجلة التاريخ في الاتجاه الذي كانت عليه سابقًا. بكلام آخر، يعود الشيعة إلى مساحة التبليغ الديني وتحت سطوة الحاكم أيًا كان. بالنسبة إلى الشرائح المؤيدة للجمهورية الإسلامية، على اختلافها، هناك قناعة بأن سقوط النظام هو سقوط فردي لكل واحد منهم. ولعلهم في ذلك يعودون مجددًا إلى قول الخميني عندما سُئل عن مواجهة الخطر على النظام، حيث قال: «إن حفظ الجمهورية الإسلامية هو من أوجب الواجبات، بل وأهم من الحفاظ على حياة شخص واحد، ولو كان إمام العصر (الإمام المهدي)».

(*) راجع مقالة الزميل علي هاشم بعنوان: إيران على طريقة “إخوة ليلى”.. إدارة الأزمة أخطر من الانفجار

Print Friendly, PDF & Email
علي هاشم

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  تفاهم الرياض وطهران ليس بديلاً لتفاهمات محلية