“اقتصاد لبنان السياسي” لنجيب عيسى.. الفوضى المنظمة خياراً مقصوداً

يتناول كتاب "اقتصاد لبنان السياسي وإعاقة التنمية" للدكتور نجيب عيسى سؤالاً مركزياً ظل يلاحق التجربة اللبنانية منذ الاستقلال: لماذا عجز لبنان، برغم كفاءاته البشرية وأمواله المتدفقة وموقعه الجغرافي، عن بناء اقتصاد منتج وتنمية مستدامة، بينما تمكنت دول أفقر وأكثر هشاشة من تحقيق ذلك؟ يقدّم عيسى جواباً حاسماً: فشل التنمية لم يكن صدفة ولا مجرد نتيجة فساد وسوء إدارة، بل هو إعاقة مقصودة وبنيوية، لأن أي تنمية حقيقية كانت ستنسف الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي–الطائفي والريعي القائم.

ينطلق الكاتب اللبناني نجيب عيسى من لحظة التأسيس الفكري للبنان الحديث مع ميشال شيحا، المصرفي والمفكر الذي صاغ ما يشبه “الدستور الاقتصادي غير المكتوب” للدولة اللبنانية. وفق رؤية شيحا، لبنان “بلد وسيط” بحكم طبيعته، دوره التاريخي التجارة والخدمات والمصارف والوساطة بين الشرق والغرب، لا الصناعة ولا الزراعة. الدولة القوية المتدخلة خطر على “الحرية الاقتصادية”، ورأس المال يجب استرضاؤه لا تنظيمه. يُبيّن عيسى أن شيحا لم يكن يصف حقيقة موضوعية بقدر ما كان يصنعها: حوّل مصالح طبقة التجار والمصرفيين المرتبطين بالمراكز الرأسمالية الغربية إلى “قوانين طبيعية” تبدو أزلية. وهكذا أُخرج خيار الدولة التنموية والاقتصاد المنتج من دائرة النقاش المشروع، وصار النموذج الريعي–الخدمي قدراً لا يُرد. انهيار اليوم، الاقتصادي والمالي والنقدي، بحسب عيسى، ليس خيانة لهذا النموذج بل نتيجته المنطقية حين تتغيّر ظروف السوق وتجفّ موارد الريع.

يُمثّل العهد الشهابي في ستينيات القرن الماضي، برأي المؤلف، الامتحان الأهم لطبيعة هذا النظام. استدعى الرئيس فؤاد شهاب، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، بعثة “إيرفد” بقيادة الأب الفرنسي جوزف لوبريه لإجراء مسح شامل للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. أظهرت الدراسات أن لبنان ليس “سويسرا الشرق” بل بلد فوارق هائلة: بيروت تستحوذ على معظم الاستثمارات والخدمات، فيما تُهمَّش الأطراف في فقر وبنية تحتية متخلفة. اقترحت البعثة سياسات تنموية “بديهية”: تدخل الدولة لتقليص الفوارق، استثمار في المناطق المحرومة، وبناء شبكة حماية اجتماعية. لكن تحالف الزعامات الإقطاعية–الطائفية، فيما عرف بـ”الحلف الثلاثي”، تصدّى للمشروع وأسقطه في مهده.

يشرح نجيب عيسى أن رفض هؤلاء لم يكن رفضاً للتنمية كفكرة، بل إدراكاً طبقيّاً بأن تنمية حقيقية تعني تغييراً جذرياً في العقد الاجتماعي. ففي المنظومة القائمة، الزعيم هو مصدر الوظيفة والخدمة والحماية الطائفية، مقابل الولاء المطلق. قيام دولة قادرة تقدم الحقوق والخدمات مباشرة للمواطن ينسف شرعية الزعامة التقليدية. لذا تحوّل الصراع مع شهاب إلى صراع وجود بين منطق الدولة الحديثة ومنطق الإقطاع الطائفي، وانتهى بانتصار الثاني وفتح الطريق أمام الانزلاق نحو محظور الحرب.

الحريرية.. تحديث للشيحاوية

مع الحرب الأهلية (1975–1990) انهار ما تبقى من مؤسسات الدولة، ليظهر رفيق الحريري بعد الحرب كحامل لمشروع الإعمار والنهوض. بدا الحريري كأنه قادم من خارج المنظومة، برأسماله الخليجي وعلاقاته الدولية، لكن عيسى يُبيّن أن مشروعه لم يكن قطيعة مع النموذج الشيحاوي، بل تحديثاً وتوسيعاً له. حاول الحريري الجمع بين متطلبات الأسواق المالية العالمية والاستثمار الأجنبي من جهة، واستمرار نظام المحاصصة الطائفية والزبائنية من جهة أخرى. فكان الثمن هندسة اقتصاد قائم على الدين العام والريع المالي لا على الإنتاج.

تشرح فصول الكتاب كيف تحوّلت المصارف من ممول للنشاط الإنتاجي إلى ممول أساسي لعجز الدولة، عبر فوائد خيالية على سندات الخزينة. استدانَت الدولة بلا ضوابط لتمويل قطاع عام متضخّم بالتوظيفات الزبائنية، ومؤسسات عامة منهوبة، وخدمة ديون سابقة بفوائد أعلى. يُسمي نجيب عيسى ذلك “هندسات الإفقار”: مسار متعمد لنقل الثروة من جيوب المواطنين إلى قلّة من المستفيدين في المصارف والسلطة. الجميع كان يدرك أن هذا المسار غير قابل للاستمرار، لكن الرهان كان على تأجيل الانفجار.

يقدّم مشروع “سوليدير” نموذجاً مكثفاً لروح تلك المرحلة. فإعادة إعمار وسط بيروت لم تُبنَ على رؤية لمدينة تعكس حاجات سكانها، بل على رغبة في تقديم واجهة لامعة للرأسمال والسياحة. جرى محو ذاكرة الحرب وعلاقات المدينة الاجتماعية لصالح فضاء استهلاكي فخم يخدم الأثرياء والزوار أكثر مما يخدم سكانها. بيروت “سوليدير” لم تكن بيروت الأحياء الشعبية والضواحي المهمشة، بل بيروت الصفقات العقارية والرمزية الليبرالية الجديدة.

يتتبع عيسى كذلك مسار تفكيك وإفساد المرافق العامة: الكهرباء، الاتصالات، المرفأ، المطار وغيرها. هذه القطاعات تحولت إلى “إقطاعيات طائفية” تُوزَّع فيها العقود والتعيينات والمكاسب وفق حصص مذهبية، كما يتتبع آليات تعطيل إصلاحها. فبناء معامل كهرباء حديثة يهدد شبكة مولدات خاصة يملكها نافذون، وتحديث المرفأ يهدد شبكات التهريب والمصالح المرتبطة بها، وتطوير الاتصالات يمسّ أدوات تحكم ونفوذ. تصبح “الفوضى المنظمة” خياراً مقصوداً: الخراب العام مصلحة خاصة، وإبقاء الخدمات في حالة عجز دائم وسيلة دائمة لتغذية الزبائنية وتقاسم الريع.

“الفساد” في لبنان ليس عيباً عرضياً في نظام سليم، بل هو طريقة عمل النظام نفسه وآلية إعادة إنتاجه. المنظومة اللبنانية كيان متكامل ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، لها منطق داخلي وعقلانية خاصة تخدم مصالح المستفيدين منها، حتى لو بدت جنونية لمن يقيسها بمعايير التنمية والعدالة. في هذه المنظومة، الزعيم ليس “شريراً” في أعين مناصريه، بل الراعي والحامي في غياب دولة جديرة بالثقة. من هنا، لا يكفي تغيير الوجوه أو استيراد وصفات جاهزة من المؤسسات الدولية؛ المطلوب أعمق: ثورة في المعنى

ما يضمن استمرارية هذا النظام، كما يوضح الكتاب، ليس القمع المباشر فقط، بل آلية أعمق هي تحويل المواطن إلى “زبون” لدى الزعيم. الحق في الوظيفة أو الطبابة أو التعليم أو إنجاز معاملة رسمية لا يُنظَر إليه كاستحقاق قانوني، بل كمنّة شخصية من الزعيم أو أحد وسطاء شبكته. هكذا يعاد إنتاج الولاءات الطائفية والزبائنية يومياً، عبر ملايين التفاصيل الصغيرة التي تجعل فكرة الدولة المحايدة والعقد المواطني المتساوي غريبة وغير متخيَّلة بالنسبة لكثيرين.

إقرأ على موقع 180  حكومة الحريري.. بلا ثلث معطل للجميع!

الانتفاضة.. ثورة في المعنى

انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 شكّلت لحظة كسر نادرة لهذا المسار. للمرة الأولى، خرج مئات الآلاف في مختلف المناطق، رافعين شعار “كلن يعني كلن”، في محاولة لتجاوز الانقسامات الطائفية والاعتراض على المنظومة ككل. انهار “العقد الضمني” الذي حكم علاقة الناس بالزعماء بعد الحرب: الزعيم يؤمن الحماية والخدمات مقابل الولاء والصمت عن الفساد. مع الانهيار المالي، تفلت سعر الصرف، تبخرت الودائع، تهاوت الخدمات الأساسية، انكشف عجز الزعامات حتى عن تأمين الحد الأدنى من الوعود التي قامت عليها شرعيتها.

لكن الأشهر التالية كشفت أيضاً رسوخ البنى الطائفية في الهوية والذاكرة والعلاقات اليومية. استطاع الزعماء، مع الوقت، إعادة تعبئة قواعدهم عبر استثارة المخاوف الوجودية القديمة: الخوف من “الآخر” الطائفي، وتفضيل “زعيمنا الفاسد” على “سيطرة غيرنا”. يلفت عيسى الانتباه إلى أن الانتماء الطائفي ليس مجرد خيار سياسي قابل للتبدل السريع، بل هوية ثقافية–تاريخية عميقة تُشعِر الفرد بالأمان وسط عالم مضطرب. لذلك لا تكفي لحظة غضب أو حماسة ثورية لتفكيكها؛ الأمر يحتاج إلى عمل طويل لتغيير البنى المادية والثقافية معاً.

في الفصول الختامية، يرسم عيسى ملامح البديل الممكن: اقتصاد منتج قائم على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، يُحرّر البلاد من الارتهان للريع المالي والتحويلات؛ دولة مدنية حديثة تفصل المواطنة عن الانتماء الطائفي، وتوزّع الموارد على أساس الكفاءة والحاجة لا الحصة المذهبية؛ منظومة محاسبة جدية تضع حداً للإفلات من العقاب، وعدالة اجتماعية ومجالية تخفف الفوارق بين المركز والأطراف، وبين الطبقات. لكنه يقر بأن الانتقال إلى هذا النموذج يتطلب تغييراً عميقاً في الثقافة السياسية وفي ميزان القوى الاجتماعي، لا مجرد إجراءات تقنية أو حكومات “تكنوقراط”.

يخلص الكتاب إلى أن “الفساد” في لبنان ليس عيباً عرضياً في نظام سليم، بل هو طريقة عمل النظام نفسه وآلية إعادة إنتاجه. المنظومة اللبنانية كيان متكامل ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، لها منطق داخلي وعقلانية خاصة تخدم مصالح المستفيدين منها، حتى لو بدت جنونية لمن يقيسها بمعايير التنمية والعدالة. في هذه المنظومة، الزعيم ليس “شريراً” في أعين مناصريه، بل الراعي والحامي في غياب دولة جديرة بالثقة. من هنا، لا يكفي تغيير الوجوه أو استيراد وصفات جاهزة من المؤسسات الدولية؛ المطلوب أعمق: ثورة في المعنى، كما يسميها نجيب عيسى.

هذه “الثورة في المعنى” تعني إعادة تعريف اللبنانيين لأنفسهم: ما الذي يجمعهم خارج الطوائف؟ ماذا يريدون من دولتهم؟ وما الحقوق التي يستحقونها كمواطنين؟ إنها انتقال من الولاء للطائفة إلى ولاء لدولة المواطنة، ومن علاقات الزبائنية إلى منطق الحقوق والواجبات، ومن اقتصاد الوساطة والريع إلى اقتصاد الإنتاج والقيمة المضافة. كما تضع أسئلة محرجة أمام كل فرد: هل نريد فعلاً تغيير النظام من جذوره، أم نطمح فقط إلى حصة أكبر من مغانمه؟ هل نحن مستعدون للتخلي عن امتيازات (حقيقية أو متوهَّمة) يوفرها الانتماء الطائفي؟ وهل نستطيع تخيل لبنان مختلفاً عن النموذج الذي ورثناه؟

يُظهر عيسى أن إعاقة التنمية ليست مجرد خطأ في السياسات أو جريمة اقتصادية قابلة للقياس بالأرقام، بل هي جريمة تاريخية بحق أجيال حُرمت من حقها في العيش في بلد طبيعي. هذه الأجيال عاشت الحروب والأزمات المتكررة، ثم الهجرة أو الفقر والانهيار. المسؤولية هنا لا تقع على “أفراد فاسدين” وحسب، بل على منظومة متشابكة من المصالح والبُنى والذهنيات ترسخت لعقود.

في النهاية، لا يطرح الكتاب سؤال ما إذا كان النظام سينهار؛ فهو منهار فعلاً في تفاصيل الحياة اليومية. السؤال الحقيقي: ما الذي سيخلفه؟ هل يكون البديل فوضى أوسع وحروباً جديدة، أم فرصة لإعادة تأسيس لبنان على أسس مختلفة؟ لا يدّعي عيسى امتلاك الجواب، لكنه يقدم خارطة دقيقة لفهم الطريق الذي قاد إلى الكارثة، ولماذا فشلت كل محاولات الإصلاح السابقة. هذا الفهم، على قسوته، شرط أول لأي محاولة جدية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وبناء مستقبل مختلف.

(*) “اقتصاد لبنان السياسي وإعاقة التنمية”، كتاب للدكتور نجيب عيسى صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، أيار/مايو 2025.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  طرابلس "عروس الثورة" وشرارة الإنفجار الآتي