تصريحات مارك كارني لم تكن مجرد موقف سياسي. بل إعلان رمزي عن نهاية السردية المؤسسة للنظام العالمي وتعبير مكثف عن التحول البنيوي الحاصل. الانتقال من عالم القواعد إلى عالم القوة. من شرعية المؤسسات إلى شرعية الهيمنة والاخضاع. من منطق النظام إلى منطق الفوضى المدارة.
من خلال هذا السياق، تصبح عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي العالمي ليس كاستثناء، بل كنتيجة طبيعية لانهيار النظام العالمي.
***
منذ عودة دونالد ترامب إلى المسرح السياسي الدولي، برز كشخصية شعبوية تتبنى شعار استعادة عظمة أميركا (ماغا). غير أن هذا الشعار يُخفي وراءه توجهًا أكثر عمقًا وخطورة؛ فترامب لا يسعى فقط إلى إعادة تثبيت الهيمنة الأميركية، بل يتبنى نهجًا يهدف إلى تفكيك النظام القائم وإعادة تشكيله وفقًا لمصالح القوة الأميركية المجردة. وكأن له ثأرًا خاصًا مع النظام العالمي الذي تأسس بعد عام 1945، والذي يقوم على مؤسسات متعددة الأطراف كالأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وحلف الناتو، ومنظمة الصحة العالمية، إضافة إلى اتفاقيات دولية تنظم التجارة والأمن والمناخ. فبرغم ما يعتري هذا النظام من عيوب، إلا أنه منح الولايات المتحدة دور القيادة عبر القواعد والمؤسسات وليس فقط عبر القوة العسكرية. والأهم أنه منح ترامب ذاته فرصة الصعود.
***
يرى دونالد ترامب أن القواعد التي صاغتها واشنطن لتأمين هيمنتها لم تعد مكسبًا، بل أصبحت عبئًا، وبخاصة مع صعود قوى جديدة مثل الصين، وعودة روسيا، وتماسك قوى إقليمية كبرى. وفي ظل ازدحام القمة الدولية، يعتقد ترامب أن محاولة البقاء في الصدارة ضمن هذا النظام مكلفة ومليئة بالقيود، ويفضل تحطيم الطاولة بدل الجلوس حولها. أي أنه يرى أن تكلفة هدم النظام أقل بكثير من تكلفة الصعود إلى قمته من جديد.
تتجلى هذه الاستراتيجية في انسحابه من اتفاق باريس للمناخ، وتهديده لحلف الناتو، وتشكيكه في منظمة الصحة العالمية، ثم فرضه تعريفات جمركية أحادية على الحلفاء وغير الحلفاء، وهجومه على منظمة التجارة العالمية، واحتقاره للعمل الدبلوماسي الجماعي. سلوكيات ليست عشوائية، بل تمثل استراتيجية تهدف إلى كسر القيود وإضعاف المؤسسات الدولية وتفريغ القواعد الناظمة من معناها..
***
لا يؤمن ترامب بالعلاقات المتعددة الأطراف. هي وسيلة تفاوضية وليست غاية سياسية. يرى العالم ساحة صراع ثنائية. أميركا مقابل كل دولة على حدة. يعتقد أن العلاقات الثنائية تمنح واشنطن قدرة أكبر على فرض شروطها. بينما يعتبر التحالفات والعلاقات الأكثر اتساعًا مجرد قيود تضعف اليد الأميركية. لهذا يفضل التفاوض المباشر مع الصين والمكسيك وأوروبا وحتى مع إيران، من دون اللجوء إلى الأطر الجماعية. ويُفسر ذلك بسيرة فريقه التفاوضي القادم من خارج الدولة التقليدية، فهو يرى أن سرعة صناعة القرار تحدد نتيجته في النجاح أو الإخفاق. ولا يعتقد أن صناعة القرار عملية تعتمد على التراكم والتراتبيات. بل يجب على أميركا التحرر من هذا كله بهدف إعادة تعويم النموذج الأميركي القوي، إقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا.
من الواضح أن ترامب ليس رجل إصلاح للنظام الدولي، بل رجل صراع معه. هو ليس مهندسًا لعالم جديد، بل مُحطِّمًا لعالم قائم، وليس صاحب أيديولوجية كبرى، بل لاعبٌ في مباراة ملاكمة دولية مفتوحة لا أحد يعرف كيف ستنتهي
ويحمل ترامب تصورًا مختلفًا جذريًا لمفهوم القوة ذاته. فهو لا يفهم القوة بوصفها قدرة على الردع أو الحفاظ على توازن مستقر، كما فعلت الولايات المتحدة خلال حقبة الحرب الباردة. بل بوصفها شيئًا يجب ممارسته وإظهاره بشكل دائم. القوة التي لا تُستخدم تفقد هيبتها من وجهة نظره.. والقواعد التي تمنع استخدام القوة تُضعف الدولة بدل أن تحميها. لذلك يميل ترامب إلى الاستعراض الاقتصادي والعسكري والتهديد العلني والعقوبات الأحادية، معتبرًا أن الفعل المباشر، حتى لو كان صداميًا أكثر فعالية من سياسات الردع الطويلة أو إدارة التوازنات. هذا الفهم العملي للقوة يجعل ترامب أقرب إلى قائد يرى العالم ساحة اختبار دائم لقدرة أميركا في توظيف قوتها لا نظامًا دوليًا يجب ضبطه وتوفير استقراره.
***
من خلال محاولة فهم رؤية ترامب لمفهوم القوة، نجد أن الرجل مؤمن بأن لحظة انهيار النظام الدولي ستمنح الولايات المتحدة أفضلية مطلقة لصياغة نظام جديد. فهو يتخيل فوضى منظمة تنهار معها القواعد القديمة فتتدخل أميركا كقوة حاسمة تفرض قواعد جديدة أكثر صرامة وأقل التزامًا بالقانون الدولي. لكن هذا الرهان يبدو محفوفًا بالمخاطر. إذ أن انهيار النظام قد يؤدي إلى عالم أكثر فوضى وتسليحًا وأقل استقرارًا، وقد تتكاثر الصراعات بدل أن تُدار. مشروع ترامب لا يقوم على أيديولوجية واضحة أو سياسة طويلة الأمد. بل يتسم بمنطق الملاكمة الدولية (UFC): تراشق اعلامي على الهواء مباشرة مع استعراض للقوة. تنظيم مباراة لا مانع من كسر القواعد فيها. حشد للجماهير. ضربات متتابعة. قد يتحقق الفوز بالضربة القاضية كما في فنزويلا، أو الانتصار بالنقاط كما يسعى مع إيران وغرينلاند. لا تراكم للنتائج فقط استعراض لها.
***
هنا ينبري سؤال بديهي: هل تستطيع أميركا فعلاً إدارة الفوضى التي تصنعها أم أن كسر النظام سيؤدي إلى تراجع نفوذها؟
سياسات ترامب تُفهم على أنها استراتيجية كسر ممنهج للنظام الدولي لا تهدف إلى تحسينه أو تحديثه. رهان ترامب على أن الفوضى المتمادية فرصة لأميركا لا تهديدًا لها في غياب تصور واضح للنظام الدولي المستقبلي هو رهان خطير. فالتاريخ يُعلّمنا أن القوى العظمى التي تعاند التحول في النظام الدولي غالبًا ما تجد نفسها ضحية للفوضى التي صنعتها بنفسها. كما حدث مع امبراطورية روما والسلطنة العثمانية وبريطانيا العظمى والاتحاد السوفييتي.
من الناحية التاريخية أيضًا، ليست هذه أول مرة يشهد العالم صراعًا حول قواعد النظام الدولي. فكما أن صلح وستفاليا عام 1648 أنهى حروب أوروبا الدينية ووضع أسس الدولة الحديثة، وكما أن مؤتمر فيينا 1815 أعاد ترتيب ميزان القوى بعد نابليون (المؤتمر الذي خرجت من رحمه عقيدة الرئيس الأميركي مونرو ويتم استعادته من قبل ترامب ذاته!)، فإن نظام 1945 كان محاولة لبناء عالم أكثر استقرارًا بعد حربين عالميتين. غير أن ترامب يبدو، على خلاف أسلافه، أقرب إلى قائد يريد تفكيك العقد الدولي بدل تحديثه.
من الواضح أن ترامب ليس رجل إصلاح للنظام الدولي، بل رجل صراع معه. هو ليس مهندسًا لعالم جديد، بل مُحطِّمًا لعالم قائم، وليس صاحب أيديولوجية كبرى، بل لاعبٌ في مباراة ملاكمة دولية مفتوحة لا أحد يعرف كيف ستنتهي.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
