كيف تعيد واشنطن تعريف دورها في الشرق الأوسط؟

شكّلت هجمات أيلول/سبتمبر 2001 منعطفًا استراتيجيًا حاسمًا في مقاربة الولايات المتحدة للشرق الأوسط، إذ انتقلت واشنطن من سياسة الاحتواء التقليدية إلى إعادة تشكيل الإقليم تحت شعار «الحرب على الإرهاب». تجلّى ذلك في غزو أفغانستان ثم العراق، غير أنّ التركيز على إسقاط الأنظمة، من دون تصوّر واضح لمرحلة ما بعد السقوط، أدّى إلى تفكك السلطات المركزية وخلق فراغ بنيوي عميق مهّد لمرحلة طويلة من الفوضى وعدم الاستقرار.

في هذا السياق، جاء التمدد الإيراني بوصفه نتيجة مباشرة لهذا الفراغ الاستراتيجي. فقد تعاملت واشنطن مع طهران، في مراحل عدة، كقوة يمكن احتواؤها ضمن توازنات مرنة، بل تطوّر هذا التعاطي لاحقًا إلى نوع من التعايش الوظيفي غير المعلن، أُتيح لإيران بموجبه استخدام شبكات ميليشياتها لإدارة العراق، شريطة عدم المسّ بالمصالح الأميركية الحيوية أو تجاوز خطوط الردع الأساسية.

مع اندلاع ثورات «الربيع العربي» عام 2011، اعتمدت الولايات المتحدة سياسة يمكن توصيفها بـ «إدارة الانهيارات» بدل منعها أو احتوائها جذريًا. وبلغت هذه المقاربة ذروتها في سوريا، حيث قُبل بالتدخل الإيراني–الروسي كبديل عملي عن الانخراط العسكري الأميركي المباشر. وبالتوازي، تراجعت القضية الفلسطينية تدريجيًا عن موقعها المركزي لصالح سياسة تحييد الصراع وإدارته، مع الدفع نحو تطبيع عربي–إسرائيلي منفصل عن أي أفق حقيقي لحل جذري للقضية الفلسطينية.

لم يعد «الشرق الأوسط الجديد» مشروعًا لإعادة رسم الخرائط أو فرض نماذج جاهزة من الخارج، بل تحوّل إلى إطار واقعي لإدارة أزمات مزمنة ومتشابكة. أزمات تُحتوى وتُضبط بدل أن تُحل جذريًا، ويُستخدم فيها ميزان التحالفات والتوازنات لتحقيق استقرار نسبي هش. وباختصار، لم تعد واشنطن تسعى إلى إعادة اختراع الشرق الأوسط، بل إلى إعادة ضبط موقعها داخله بدقة وحذر

جاءت أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتقوّض هذه الافتراضات دفعة واحدة: فلا أمن إسرائيل بدا مضمونًا، ولا القضية الفلسطينية أثبتت قابليتها للاحتواء أو الشطب من جدول الصراعات المفتوحة.

تبلور هذا التحول لاحقًا في ما يمكن تسميته برؤية «مرحلة ما بعد الميليشيات»، وهي رؤية أعادت الاعتبار للدولة المركزية بوصفها محور الحسابات الأميركية الجديدة. تقوم هذه المقاربة على رفض دعم الميليشيات كوكلاء مستقلين، ورفض مشاريع التفتيت، واعتبار مكافحة الإرهاب جزءًا لا ينفصل عن تعزيز سيادة الدولة ووحدتها. وقد ظهرت أولى تطبيقات هذه الرؤية في سوريا، عبر الدفع نحو دمج «قوات سوريا الديمقراطية-قسد» ضمن إطار الدولة المستقبلية، بوصفه مثالًا على الانتقال من دعم الفواعل غير الدولتية إلى إعادة الاعتبار للدولة كضامن وحيد للاستقرار.

ينطلق هذا التحول الأميركي من قناعة ترسّخت بعد تجارب مكلفة ومؤلمة، مفادها أن الاعتماد طويل الأمد على الميليشيات والفواعل غير الدولتية لا ينتج استقرارًا مستدامًا، بل يؤدي، على المدى المتوسط والبعيد، إلى تعميق الفوضى الأمنية والسياسية. ومن هنا، تبلورت المقاربة الراهنة حول مفهوم «الاستقرار المُدار»، وهي فلسفة تهدف إلى إبقاء الأزمات الإقليمية ضمن حدود ودرجات حرارة يمكن التحكم بها، ومنع تحوّلها إلى انفجارات شاملة تهدد المصالح الأميركية أو تستدعي عودة التدخل العسكري الواسع والمكلف. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا في واشنطن بأن مشاريع إعادة البناء السياسي الشامل (Nation-Building) مكلفة، غير مضمونة النتائج، وغالبًا ما تخلّف فراغات أخطر من الأنظمة التي أُسقطت.

في هذا الإطار الجديد، لم تعد الولايات المتحدة ترى نفسها «المهندس الأوحد» للنظام الإقليمي، بل أعادت تعريف دورها بوصفها «مدير التوازنات». وهو دور يقوم على توجيه مسارات الصراع وصياغة التحالفات من خلف الكواليس، من دون انخراط عسكري مباشر في كل نزاع. ومع ذلك، تحافظ واشنطن على خطوط حمر واضحة تتعلق بأمن حلفائها الاستراتيجيين (وفي مقدمتهم إسرائيل ودول الخليج الرئيسية)، واستقرار تدفق الطاقة، ومنع صعود تهديدات إرهابية عابرة للحدود قد تطال أمنها الداخلي.

ولتنفيذ هذه الرؤية، تعمل الإدارة الأميركية على إعادة تفعيل التحالفات الإقليمية بصيغ أكثر تشابكًا وتعقيدًا. فلم تعد العلاقات مع إسرائيل أو دول الخليج مجرّد شراكات ثنائية تقليدية، بل تُدمج ضمن شبكات أمنية واقتصادية إقليمية، هدفها توزيع أعباء الاستقرار على الشركاء المحليين وتقليص الحاجة إلى التدخل الأميركي المباشر. ويبرز في هذا السياق الدفع المتواصل لتوسيع مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي، الذي لم يعد يُنظر إليه كإنجاز دبلوماسي رمزي، بل كركيزة لبنية أمنية إقليمية قادرة على مواجهة النفوذ الإيراني وتخفيف العبء عن الولايات المتحدة.

في المقابل، تتعامل واشنطن مع الخصوم الإقليميين، وعلى رأسهم إيران، عبر مزيج مرن من أدوات الضغط والردع والانفتاح المحدود. فهي توظف العقوبات الاقتصادية كأداة رئيسية، مع الإبقاء على خيار الردع العسكري المركز، وترك نافذة ضيقة للتفاوض التكتيكي عند الضرورة، بهدف تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة تستنزف الموارد الأميركية وتعيدها إلى دوامة المغامرات العسكرية المفتوحة.

وتنسجم هذه المقاربة مع الرفض الأميركي المتزايد لنماذج الفيدرالية أو اللامركزية المتطرفة في دول المنطقة الهشّة. فالخلاصة الأميركية اليوم هي أن غياب الدولة الفاعلة والشرعية يشكّل البيئة المثالية لعودة الإرهاب وازدهار اقتصاديات الحرب والفساد، وهو ما يفسر انتقال الأولوية من إدارة الفواعل الميدانية إلى إعادة ضبط الدولة نفسها وبناء مؤسساتها.

سواء مع إدارة دونالد ترامب أو أي إدارة لاحقة، دخلت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط مرحلة إعادة ضبط عميقة. وهي مرحلة لا تقوم على القطيعة مع الماضي، بل على إعادة تعريف الأدوات والأولويات. فالمنطقة التي كانت مسرحًا للتدخل العسكري المباشر والطموح التغييري، تُدار اليوم بمقاربة براغماتية صارمة، هدفها تقليص الكلفة الاستراتيجية والبشرية والمالية، مع الحفاظ على حدّ أدنى من النفوذ يضمن المصالح الحيوية.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل في مواجهة "الجهاد".. مَنْ يردع مَنْ؟

لم يعد «الشرق الأوسط الجديد» مشروعًا لإعادة رسم الخرائط أو فرض نماذج جاهزة من الخارج، بل تحوّل إلى إطار واقعي لإدارة أزمات مزمنة ومتشابكة. أزمات تُحتوى وتُضبط بدل أن تُحل جذريًا، ويُستخدم فيها ميزان التحالفات والتوازنات لتحقيق استقرار نسبي هش. وباختصار، لم تعد واشنطن تسعى إلى إعادة اختراع الشرق الأوسط، بل إلى إعادة ضبط موقعها داخله بدقة وحذر.

إنها سياسة تقوم على مراجعة الدروس، وتقليص الخسائر، وضبط الفوضى عبر تعزيز الدولة المركزية، بوصفها الضامن الأساسي للأمن والشرعية والمواطنة في المنظور الأميركي. قد تبدو هذه المقاربة أقل طموحًا من مشاريع الماضي الكبرى، لكنها أكثر انسجامًا مع عالم متعدد الأقطاب، ومع رأي عام أميركي بات أقل استعدادًا لتحمّل كلفة مغامرات عسكرية مفتوحة. وهكذا، بين إدارة الاستقرار الهش وحافة الفوضى الدائمة، تحاول واشنطن اليوم صياغة شرق أوسط قابل للإدارة والاحتواء، حتى لو ظلّ عصيًّا على الحل الشامل في المستقبل المنظور.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  جورجيا تقلب المعادلة لمصلحة بايدن.. وترامب يخسر حزبه