منذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت تتشكل في لبنان ظواهر “زعماء جدد”، برزوا مع صعود وانتشار المدّ الناصري والمقاومة الفلسطينية. آنذاك، حاول الزعماء التقليديون، لا سيّما في الشارع الإسلامي، وتحديدًا السني، استعادة “شوارعهم” بخطاب المقاومة والدعم للقضية الفلسطينية، غير أنهم سرعان ما خسروا جزءًا من سيطرتهم لعوامل داخلية، وأيضًا لبروز عوامل خارجية دولية وإقليمية كان لها الكلمة العليا في التأثير على المشهد اللبناني.
بين الأعوام 1979 و1990، شغل اسم رفيق الحريري تدريجيًا الساحة اللبنانية. برز اسم الحريري الأب في مرحلة كانت تشهد فيها الزعامات تصدّعًا هائلًا، فاستطاع أن يُجسّد ويُكرّس نمطًا جديدًا من القيادة. هذا التحوّل لم يكن مجرد تغيير في الأسماء، بل كان مؤشرًا صارخًا على “أزمة الدولة” وانهيار مؤسساتها بفعل الحرب الأهلية (1975-1990). في تلك المرحلة، تراجع النفوذ الذي كان يعتمد على الوجاهة الاجتماعية، ليحلّ مكانه نموذج “رجل الأعمال–الدولة”، الذي يعيد بناء الأمن بإمكانياته المالية الذاتية، ويبني المدارس، ويزفّت الطرقات، ويفاوض الدول الكبرى. كان دخول نموذج رفيق الحريري في ذلك الوقت ضرورة ساهمت في إنقاذ المجتمع اللبناني بشكل عام من آثار الحرب الأهلية، إلا أنه رسّخ أيضًا أزمة الدولة عبر جعل “الزعيم” الجديد هو المرجع والمموّل والضامن، بدل العمل على إعادة انتظام المؤسسات الدستورية، الأمر الذي ساهم في مأسسة نظام المحاصصة في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف.
كان رفيق الحريري يقوم بمهام الدولة الغائبة أو المفككة، فلم يكن مجرد ظاهرة عابرة. كان لبنان يعيش في تلك الحقبة لحظة انهيار مؤسساتي كامل بسبب الحرب، أدت إلى وجود إدارة مفككة واقتصاد بلا مركز. ملأ رفيق الحريري الفراغ بالمال، وبالعلاقات الدولية، وبشبكة خدمات كبيرة. أعاد الإعمار، وأعاد وصل لبنان بالعالم، غير أن خطيئته الكبرى أنه فعل ذلك من داخل نظام زعامات لم يسمح بولادة دولة فعلية. بنى رفيق الحريري سلطة داخل دولة ضعيفة، بدل أن يبني دولة ذات سلطة مركزية قوية. نجح في إدارة التوازنات الطائفية والسياسية، لكنه لم ينجح في تفكيكها.
في كتابي “الزعامة السنية في لبنان: بروز رفيق الحريري 1979-1990″، أُوثّق كيف بنى الحريري شرعيته عبر الحلول مكان الدولة في زمن الأزمات، أو كما قال أحد الذين قابلتهم في سياق الكتابة: لقد كان رفيق الحريري هو الدولة. بالطبع، في نقاش الحقبة الممتدة بين سبعينيات القرن الماضي وصولًا إلى انتهاء الحرب الأهلية وما تلاها، لا يمكن إغفال العوامل الخارجية، لا سيّما الوصاية السورية التي كانت تتحكم بالميليشيات على الأرض وبكل مفاصل الدولة بعد الحرب. غير أن هذا الواقع، الذي تكرّس بفعل انقسام وارتهان وفساد الميليشيات اللبنانية آنذاك، لا يعني إسقاط المسؤولية اللبنانية، وهي المسؤولية الأكبر عمّا حدث في لبنان منذ خمسينيات القرن الماضي وصولًا إلى اليوم.
وللمفارقة، فإن جميع الميليشيات التي شاركت في الحرب الأهلية هي نفسها التي انتقلت من الشارع إلى مؤسسات الدولة لتشارك في حكم مرحلة ما بعد انتهاء الحرب دون أي محاكمة أو محاسبة أو مصارحة، باستثناء القوات اللبنانية (سجن رئيسها سمير جعجع) والتيار الوطني الحرّ (نفي رئيسه ميشال عون)، قبل أن ينضمّا بعد 2005 إلى نظام دولة الطوائف.
إذًا، حاول رفيق الحريري بناء الدولة داخل منظومة الزعامات، فوجد نفسه مضطرًا للتعايش معها ومأسسة فسادها في الدولة بدل تجاوزها. لذلك، فشل رفيق الحريري في تحويل لحظته إلى دولة.
في العام 2019، يمكن القول إن نظام الزعامة والحكم الذي تبلور مع رفيق الحريري تعثّر وانهارت مقوّماته المالية والإقليمية. هذا الانهيار يعيدنا تمامًا إلى اللحظة ذاتها عشية بروز ظاهرة رفيق الحريري، وإن بظروف دولية وإقليمية مختلفة، حتى هذه اللحظة لم تتلقّفها كل الطبقة السياسية الموجودة في لبنان، الحالية والسابقة والمعتكفة والعائدة. لذلك، وبقدر ما تشكّل هذه المرحلة تحديات وجودية للبنان، فهي أيضًا تشكّل فرصة نادرة وأخيرة لإعادة تعريف الدولة في وقت تمرّ فيه المنطقة بمخاض إعادة رسم خرائط النظام الجديد، لا سيّما في ما يتعلّق بشكل ووجود ودور الدول فيها.
تكمن المعضلة الأساسية اليوم في أن النظام السياسي اللبناني الحالي تمّ تشكيله للعمل بـ”محركات خارجية”، بحيث يؤدي غياب “الراعي” الإقليمي أو الدولي إلى شلل الدولة، كما يحدث اليوم. من هنا، إذا كانت مرحلة رفيق الحريري هي مرحلة إعادة الإعمار، فإن المرحلة الحالية هي امتحان وجود الدولة نفسها. فلبنان اليوم لا يعاني من أزمة حكم فقط، بل يعاني من غياب الإجابة عن سؤال وجودي: هل نستطيع الانتقال من منطق الزعامات إلى منطق المؤسسات؟ أم نستمرّ في إعادة إنتاج الانهيار بأسماء مختلفة؟
إن الإجابة الطبيعية والمنطقية والضرورية عن هذا السؤال هي وجوب الانتهاء من ظاهرة سيطرة الزعامات على الدولة وتكريس منطق المؤسسات. من هنا يبرز السؤال التالي: كيف يمكن بلوغ ذلك؟
رفيق الحريري، كتجربة شخصية، لم يفشل، بل إن لبنان هو الذي لم يتحوّل من زعامة إلى دولة. وبعد انهيار “دولة رفيق الحريري”، أعادت قوة السلاح تعويم سلوك الزعامات نفسه في زمن الحرب، وكلاهما بدائل لدولة غائبة.
اليوم، نكاد نطلب جميعًا من رئيس الحكومة نواف سلام ما لم يُسمح للحريري أن يقوم به، أو ما لم يقم به هو شخصيًا لأنه فضّل المسار الذي اعتقد أنه الأسهل. لم يستطع الحريري بناء دولة داخل منظومة لا تريد الدولة، ففضّل أن يكون “ضابط إيقاع” لهذه المنظومة، وهو ما ساهم في اعتباره “حاجة وطنية”.
لهذا، فالمشكلة اليوم ليست في ضعف نواف سلام، كما يعتبر البعض. المشكلة أن نظام الحرب الأهلية لا يزال أقوى من أي رئيس حكومة. في الوقت نفسه، لا يعني ذلك إعفاء الحكم الحالي من مسؤوليته التاريخية في استعادة الخدمات إلى الدولة وليس إلى الجمعيات والأحزاب، وفي احتكار السلاح والقرار السياسي والأمني، وفي فكّ الارتباط بين الزعيم والطائفة وإعادة وصل المواطن بالمؤسسة. هذا المسار ليس شعارات ولا ضربًا من الخيال، بل هو حاجة وطنية قابلة للتطبيق إذا ما عرف العهد كيف يستثمر الدعم والضغط العربيين والدوليين، وإذا ما نجح رئيس الحكومة تحديدًا في ضبط مجلس الوزراء، أي تحمّل كلفة بناء الدولة.
فهذا الدعم الخارجي النادر، الذي بدأ بالتراجع، يجب استثماره لتطبيق المحاسبة وبناء مؤسسات دولة حقيقية، وليس لبناء “زعامات” جديدة. من دون ذلك، ستبقى الزعامات أقوى من الدولة، وستبقى الدولة فكرة مؤجلة. فإما أن نغادر منطق العائلات السياسية والزعيم المنقذ، أو سنبقى ننتقل من انهيار إلى انهيار، ومن أزمة إلى أزمة.
رفيق الحريري مثّل لحظة تاريخية، لكن اللحظة الراهنة أخطر، لأنها لم تعد لحظة إعادة إعمار، بل لحظة تقرير ما إذا كان لبنان سيبقى ساحة زعامات أم يصبح دولة.
إن صعود رفيق الحريري لم يكن قصة نجاح فردي فقط، بل توثيقًا لانهيار الدولة اللبنانية. لم يصعد الحريري لأنه أقنع الناس ببرنامج سياسي أو خطة عمل، بل لأنه أنقذهم حين غابت الدولة وعمل في زمن الشلل الوطني.
المشكلة اليوم ليست في غياب الزعامة أو ضعف الدعم لها، بل غياب الجرأة على بناء الدولة.
