التفاوض الصعب بين أمريكا وإيران أقل كلفة من الفوضى المفتوحة

تعود إلى السطح مجددًا روايات شديدة الحساسية تربط بين عالم الفضائح الجنسية، الاستخبارات، وصنع القرار السياسي في واشنطن. وبرغم أن كثيرًا من هذه الروايات يبقى في دائرة الادعاءات غير المثبتة، إلا أن توقيت إعادة تداولها يكشف حجم التوتر الجيوسياسي المحيط بملف إيران، والدور الذي تلعبه إسرائيل في توجيه مسار هذا التوتر.

أحد أبرز مروّجي هذه السردية هو آري بن مناشي، الضابط السابق في الاستخبارات الاسرائيلية، الذي يدّعي منذ سنوات أن جيفري إبستين وغيسلين ماكسويل كانا جزءًا من شبكة هدفت إلى جمع مواد ابتزاز ضد شخصيات نافذة في الولايات المتحدة. هذه المزاعم لم تُثبت قضائيًا، وتبقى محل جدل واسع، لكنها تُستخدم في بعض الأوساط لتفسير طبيعة النفوذ المتشابك بين السياسة والملفات الشخصية.

في هذا السياق، يُطرح تفسير مفاده أن زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن لا تندرج فقط ضمن التنسيق التقليدي بين حليفين، بل تأتي في إطار ضغط سياسي مباشر لدفع الإدارة الأمريكية نحو موقف أكثر تشددًا تجاه إيران. ووفق هذه الروايات، فإن جوهر الخلاف لم يعد حول البرنامج النووي وحده، بل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، الذي ترى فيه إسرائيل تهديدًا فوريًا لتفوقها العسكري وأمنها الداخلي.

وبعيدًا عن صحة الاتهامات المرتبطة بملفات الابتزاز، فإن المأزق السياسي الذي يواجهه دونالد ترامب — أو أي رئيس أمريكي في موقع مشابه — يبدو حقيقيًا. الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران لا يشبه عمليات محدودة أو ضربات رمزية. إنه سيناريو يحمل مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، واهتزاز الأسواق، وتعقيد أي خطة لإنعاش الاقتصاد. وإذا أقدمت طهران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، فإن التداعيات ستكون فورية على الاقتصاد العالمي، وليس الأمريكي فقط.

المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية. خيار التفاوض الصعب قد يبدو ضعيفًا في الخطاب السياسي، لكنه يظل أقل كلفة من حرب قد تبدأ بضربة وتنتهي بفوضى إقليمية مفتوحة. أما القرار، فسيُتخذ في الغرف المغلقة، لكن نتائجه ستطال العالم بأسره؛ فلننتظر الآتي من أيام وأسابيع

سياسيًا، التوقيت أكثر حساسية. أي تصعيد عسكري كبير قبيل انتخابات تشريعية أمريكية نصفية قد ينعكس سلبًا على الحزب الحاكم، خصوصًا في ظل مزاج شعبي أمريكي يميل بشكل متزايد إلى الانكفاء الداخلي ورفض “الحروب التي لا تنتهي”. القاعدة الانتخابية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض رفعت شعار التركيز على الداخل، الوظائف، والاقتصاد لا الانخراط في صراعات شرق أوسطية معقدة ومكلفة.

من الجهة الأخرى، تبدو إسرائيل وكأنها تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. لسنوات، كان الخطاب الرسمي يضع “منع إيران من امتلاك سلاح نووي” في صدارة التهديدات. اليوم، يزداد التركيز على الصواريخ الباليستية الدقيقة، وقدرات الضرب بعيدة المدى، وأنظمة الطائرات المسيّرة. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة الحروب الحديثة، حيث يمكن لقدرات تقليدية متطورة أن تُحدث تأثيرًا استراتيجيًا دون الحاجة إلى سلاح نووي.

إيران، من جهتها، ترسل إشارات مزدوجة: انفتاح مشروط على التفاوض النووي، مقابل تمسك واضح ببرنامجها الصاروخي باعتباره عنصر ردع أساسي. من منظور طهران، التخلي عن البرنامج الصاروخي يعني “فقدان توازن القوة” في مواجهة خصوم يملكون تفوقًا جويًا وتكنولوجيًا، ودعمًا غربيًا واسعًا. ومن منظور إسرائيل، بقاء هذه القدرات يعني تعاظم خطر الضربات الدقيقة على منشآت حيوية وعسكرية. بين هذين المنظورين، تجد واشنطن نفسها في موقع صعب. فهي مطالبة بالحفاظ على أمن حليفها الإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه تدرك كلفة الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة. أي قرار هنا لن يكون عسكريًا فقط، بل انتخابيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا في آنٍ واحد.

الأخطر في المشهد ليس فقط احتمال الحرب، بل طريقة إدارة السردية حولها. في أزمنة الأزمات، تختلط المعلومات المؤكدة بالتسريبات والتكهنات والدعاية، ويصبح الرأي العام ساحة معركة بحد ذاته. ما يُقال وما لا يُقال، ما يُضخَّم وما يُهمَّش.. هذه كلها أدوات في صراع لا يقل أهمية عن الصواريخ والطائرات. في النهاية، السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت الضغوط موجودة — فالضغوط بين الحلفاء جزء طبيعي من السياسة الدولية — بل ما إذا كان القرار النهائي سيُبنى على حسابات هادئة للمصلحة القومية، أم على خوف سياسي، أو اعتبارات انتخابية ضيقة، أو سرديات غير موثقة.

المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية. خيار التفاوض الصعب قد يبدو ضعيفًا في الخطاب السياسي، لكنه يظل أقل كلفة من حرب قد تبدأ بضربة وتنتهي بفوضى إقليمية مفتوحة. أما القرار، فسيُتخذ في الغرف المغلقة، لكن نتائجه ستطال العالم بأسره؛ فلننتظر الآتي من أيام وأسابيع.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  الإنسحاب الأميركي المنقوص.. رافعة توازن مع إيران
فوّاز يوسف غانم

كاتب أردني متخصص في الاقتصاد السياسي والاجتماعي

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ما بعد رحيل غينسبرغ.. أم المعارك الأميركية!