لبنان: سعد الحريري.. أزمة الدور وسؤال العودة؟

في الرابع عشر من شباط/فبراير 2005، هزّ انفجار مدوٍّ قلب بيروت، وأودى بحياة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، مطلقًا سلسلة من التحولات العميقة التي امتدت من الداخل اللبناني إلى محيطه الإقليمي. لم يكن هذا الاغتيال مجرد تصفية سياسية لرجل نافذ، بل كان زلزالًا أنهى مرحلة كاملة وفتح الباب أمام إعادة رسم توازنات لبنانية كانت تبدو راسخة ومستقرة منذ زمن طويل.

رفيق الحريري، الذي تولى الحكم بعد اتفاق الطائف بوصفه رجل إعادة الإعمار ورمز الارتباط بالمنظومة العربية والدولية، كان مدركًا لتعقيدات المشهد اللبناني. تحالفاته الداخلية، وعلاقاته الوثيقة مع السعودية وفرنسا، وقنواته المفتوحة مع الولايات المتحدة، كلها أعطته شعورًا بالأمان والمناعة السياسية. لكنه لم يكن يتوقع أن فائض القوة الذي شكّله مع مرور السنوات، نتيجة حضوره الاقتصادي والسياسي، سيُنظر إليه من قبل خصوم الداخل والخارج كاختلال في ميزان تقليدي لطالما ارتكز على التعادل السلبي. اغتياله كشف هشاشة هذا الفائض، وأعاد تفكيك معادلة الطائف، ممهّدًا لمرحلة جديدة حيث «السنية السياسية» لم تعد قويةً كما كانت.

لحظة الاغتيال: صدام بين الداخل والخارج

في تلك اللحظة الحرجة، كانت سوريا تحت ضغط متزايد بعد احتلال العراق عام 2003، وبدأت تتضح خطوط الصدام بين مشروعين متقابلين: أحدهما يسعى لإدماج لبنان في النظام الدولي، والآخر يريد إبقاءه ساحة مفتوحة للصراع. اغتيال الحريري لم يكن ضربة لشخصية فحسب، بل أعاد تموضع السنّة في لبنان، وغيّر قواعد الاشتباك السياسي بين الداخل والخارج وبين الطوائف، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ لبنان الحديث.

على هذا المسرح، ظهر سعد الحريري بوصفه الوريث الطبيعي. لم يكن ذلك نابعًا من تجربة سياسية أو نضج سياسي، بل نتيجة رغبة سعودية. الشاب الذي نشأ في قصور ملكية مترفة وتربى في بيئة رفاهية لم يكن مستعدًا لتشابكات السياسة اللبنانية المعقدة، لكنه وجد نفسه فجأة في قلب معركة لا أحد يستطيع التنبؤ بنتائجها.

كان بإمكان سعد أن يبقى الفتى الهادئ القادم من الرياض، بعيدًا عن ضجيج السياسة اللبنانية ودهاليزها المظلمة، لكن دم والده ألقى على كتفيه حملًا ثقيلًا لم يختره، ومسؤولية تجاوزت عمره السياسي وتاريخه الشخصي. ورث اسمًا ثقيلًا وإرثًا سياسيًا غارقًا في التعقيد، لا يشبه عالم الأعمال الذي عرفه، ولا توازنات المال والدبلوماسية في الخليج. دخل بيروت من بوابة الحداد الوطني، لا من صناديق الاقتراع، ليجد نفسه محاطًا بحلفاء طارئين، وخصوم لا ينسون وثأريون لا يُبالون بالوافد الجديد، وتاريخ يُطلب منه إكمال سطوره من تحت الركام.

لم تمنحه السياسة وقتًا للتعلم، بل وجّهته مباشرة إلى صراعات لا رحمة فيها، وتسويات قسرية، وخيانات متكررة، وقرارات صعبة في بلد تحكمه الطوائف لا الدساتير. هكذا بدأ الفتى الخليجي رحلة التيه في لبنان، بين ثقل الإرث وضباب الحاضر، وسؤال مؤلم يطارده: هل كان قدره أن يكون الوريث أم الضحية؟

دمشق.. نقطة التحول

المحطة المفصلية في حياته السياسية كانت زيارته إلى دمشق عام 2009. بأمر ملكي سعودي، دخل قصر المهاجرين، ونزل ضيفًا على النظام الذي كان إلى الأمس القريب متهمًا باغتيال والده. لم تكن هذه الزيارة مجرد حدث رسمي، بل انقلابًا رمزيًا على كل الخطاب السابق، وخطوة كشفت هشاشة التكيّف مع منطق الصفقات الإقليمية (سين سين) على حساب الموقف والمبدأ، ولو بغير قناعة منه.

لم يكن هذا مجرد تنازل سياسي، بل إعلانًا صريحًا بأن الرجل مستعد للتعايش مع خصومه مقابل الحفاظ على موقعه، وهو ما شكّل لحظة انكسار لمشروع السيادة الذي حمله جمهور 14 آذار طويلًا، قبل أن يكتشفوا أن الزعيم الشاب لم يكن قائدًا لمعركة، بل مديرًا لتسوية.

أصبح سعد الحريري شريكًا كاملًا في المنظومة التي كان خصمها. شارك في حكومات توافقية مع «حزب الله»، وعقد تسويات مع «التيار الوطني الحر»، وساهم في إيصال ميشال عون إلى سدّة الرئاسة عام 2016، في واحدة من أكثر صفقاته السياسية كلفة على المستويين الوطني والشعبي. غضّ الطرف عن سلاح «حزب الله» بعنوان (ربط النزاع بعد 42 جلسة حوار مع حزب الله وحركة أمل في عين التينة)، وتراخى في ملفات الفساد، ورضي بمنطق المحاصصة.

كان من المفترض أن يكون في موقع يفاوض باسم الدولة، لكنه في الواقع أعطى شرعية ضمنية لتفكيكها. ومع مرور الوقت، خسر قاعدته الشعبية التي رأت فيه رمزًا للسيادة، وتحول إلى زعيم يراكم التنازلات دون أن يحقق مكاسب. لم تُجنّبه التسويات العزل، بل سحبته إلى هامش القرار، ثم إلى خارج المشهد السياسي كليًا.

التحول السوري والزلزال الإقليمي

تزامن الانكفاء الكامل لسعد الحريري مع الزلزال الإقليمي الذي شهده الشرق الأوسط: حرب غزة، وسقوط نظام بشار الأسد، وصعود أحمد الشرع في سوريا. ومع سقوط النظام السوري، الذي كان طرفًا أساسيًا في تسويات ما بعد الطائف، انهارت هندسة سياسية قائمة على موازين وتحالفات شبه ثابتة.

شكّل صعود أحمد الشرع صدمة في المشهد العام، وفتح الباب أمام تسوية إقليمية ودولية جديدة أعادت رسم الخرائط السياسية في المنطقة، وأخرجت سوريا من محور الممانعة التقليدي، وفتحتها على العالمين العربي والغربي.

إقرأ على موقع 180  أعتذر منك يا سيّدي

تغيّرت المعادلة السورية–اللبنانية من علاقة فوقية وأمنية إلى علاقة جديدة لم تتضح معالمها بعد، ولم تعد تحتاج إلى وسطاء لبنانيين من نوع الحريري أو غيره.

ترافق هذا التحول مع تغير المقاربة السعودية تجاه لبنان. لم تعد المملكة ترى في «البيت الأزرق» قاعدة نفوذ أو رأس جسر إلى بيروت، بل أصبحت تنظر إلى لبنان من خلال ما يحدث في سوريا، وضمن مقاربتها للدور السوري المستجد.

مع سقوط النظام السوري، سقطت الوظيفة السياسية لسعد الحريري، المتمثلة في تمثيل الاعتدال السني ضمن موازين الحرب الباردة العربية–الإيرانية. ومع تبدّل سوريا وتغير الرياض، أصبح الحريري بلا دور، وبلا غطاء، وبلا خريطة يهتدي بها في زمن تغيّرت فيه البوصلات كلها.

أسئلة العودة

مع انتهاء احتفالية الذكرى الواحدة والعشرين لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، يطرح السؤال نفسه: هل سيبقى سعد الحريري على عزوفه عن العمل السياسي، أم ستغريه الساحة السنية الفارغة بالعودة؟ وإذا عاد، فما المشروع الذي سيحمله؟ هل يمتلك أدوات السياسة الفعّالة، أم أن ما تبقى له مجرد إرث شخصي؟ وهل ستكون عودته منفردة، أم نتيجة تسوية إقليمية أم إشتباك إقليمي؟ هل نحن أمام «توكيل دولي–عربي» لدمشق لإعادة ترتيب البيت السني في لبنان؟ وهل ستكون دمشق بوابة عودة الحريري إلى العمل السياسي بمباركة الرياض وبرعاية أحمد الشرع، بما يتوافق مع ترتيبات إقليمية جديدة؟

الأخطر من ذلك: هل سيكون ثمن العودة الانخراط الكامل في مشروع «السلام الإبراهيمي» الذي يتمدد بهدوء في المنطقة؟ وهل يمكن للحريري أن يتحول إلى رأس حربة هذا المشروع، أو إلى عرّابه السني في لبنان؟ وكيف سيتعامل الحريري مع «حزب الله»، الذي تقاطع معه في محطات عديدة وتواجه معه في أخرى؟ وهل ما يزال يملك هامش المناورة الذي استفاد منه سابقًا؟

أي عودة سياسية لا يمكن أن تقوم فقط على تقاطع المصالح الخارجية، بل تحتاج إلى مضمون سياسي داخلي واضح. فما المشروع الاقتصادي الذي سيطرحه الحريري إذا قرر العودة؟ هل سيعيد إنتاج خطاب «سيدر» والاستدانة باسم الإصلاح، أم أن لديه رؤية جديدة لبناء دولة عصرية حديثة ومن هو شريكه في الوطن في هكذا مشروع؟

الأسئلة كثيرة، وإجاباتها لا تكمن فقط في نوايا الحريري، بل في خريطة إقليمية تتغير يوميًا. وحتى ذلك الحين، سيبقى «البيت الأزرق» ينتظر زعيمًا، فكرةً، أو ربما زلزالًا جديدًا يعيد إليه الحياة، ولو أن السيدة بهية الحريري ستكون قادرة على ملء الوقت الضائع بما تيسر من مراجعات ومتابعات إدارية وبروتوكولية وسياسية ولو بحدودها الدنيا؟

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  "الميلاد".. "الرّسالة" المسيحيّة كونيّة!