بدت فرنسا في الأيام الأخيرة الجهة الأكثر اهتمامًا، إلى جانب لبنان، بتوفير أفضل الشروط لنجاح المبادرة التي أطلقتها بهدف حشد أكبر دعم إقليمي وأوروبي ودولي لمساعدة القوات المسلحة اللبنانية في مهماتها المتعددة الموكلة إليها، وذلك بحسب الأوساط المتابعة للملف اللبناني.
ولم تُخفِ هذه الأوساط أن باريس واجهت، في مساعيها وخلال اتصالاتها، عقبات كثيرة، وإن بدا بعضها شكليًا في ظاهره، سواء لجهة مكان انعقاد المؤتمر أو مستوى تمثيل الوفود المشاركة فيه، إلا أنها حملت أكثر من معنى ودلالة.
فالعاصمة الفرنسية كانت تُحبّذ أن تستضيف الرياض المؤتمر، كدلالة على انخراط المملكة العربية السعودية «الكامل والفاعل» في مسار تسليح الجيش، إلا أن الأخيرة اعتذرت، فحلّت باريس مكانها.
ثم جاء دور الاجتماع التمهيدي والتحضيري، الذي كان من المتوقع أن تستضيفه الدوحة، غير أن العاصمة القطرية تراجعت أيضًا، فجاءت القاهرة لتأخذ مكانها.
أما بالنسبة إلى مستوى الحضور، فكان من المقرر أن تكون فرنسا ولبنان البلدين الوحيدين الممثلين على مستوى الرئاسة (إيمانويل ماكرون وجوزاف عون)، برفقة وزيري خارجية البلدين. أما الوفود الأخرى، فإما كانت ستُمثَّل على المستوى الوزاري أو على مستوى السفراء. وكانت الأنظار متجهة خصوصًا إلى مستوى التمثيل الأميركي، علمًا أن السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، المكلّف بالملف، غاب عن اجتماع القاهرة.
واعتبرت هذه الأوساط أن هذه الأجواء عكست «ترددًا وحماسة فاترة، مع عدم توفر القناعة الكاملة بجدوى توقيت انعقاد المؤتمر»، سواء على صعيد الداخل اللبناني (نظرًا إلى عدم وضوح خطط تنفيذ حصرية السلاح والرغبة في انتظار بوادر التنفيذ العملي للمرحلة الثانية من خطة الجيش)، أو على صعيد الخارج الإقليمي (في انتظار اتضاح مسار المواجهة الأميركية–الإيرانية وتداعياتها، حتى قبل بدء الهجوم الأميركي–الإسرائيلي الأخير على إيران).
ويبقى السؤال الأهم متعلقًا بالنتائج العملية التي كان من المتوقع أن يخرج بها المؤتمر، خصوصًا لجهة حجم المساعدات التي كانت ستُعلن عنها الجهات المشاركة؟
وهنا تبرز نقطة جوهرية، بحسب هذه الأوساط: فالمطلوب لا يقتصر على التوقف عند أرقام المساعدات المعلنة، بل الأهم هو معرفة صدقية النوايا والانتقال من «الوعود المعلنة» يوم المؤتمر إلى «التزام عملي وتنفيذي على الأرض وبالسرعة المطلوبة» في اليوم التالي لانعقاده.
إيجابيات التأجيل
وسط هذه المعطيات، ومع تسارع الأحداث بعد الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران، بدأ التفكير في مصير المؤتمر.
وكُشف أنه جرى التداول، في نطاق ضيق، في إمكان الإبقاء على الموعد المحدد، مع بروز فكرة عقده عن بُعد عبر تقنية الفيديو، لتعذّر وصول المشاركين (وقد سبق للرئيس ماكرون أن ترأس مؤتمرًا مخصصًا لدعم الشعب اللبناني عام 2020 عبر هذه التقنية). إلا أن اتساع نطاق المواجهة العسكرية الأميركية الإسرائيلية الإيرانية دفع إلى صرف النظر عن هذا الخيار واتخاذ قرار التأجيل.
وأشارت الأوساط إلى أن تحديد مهلة شهر للتأجيل هدفه التعبير عن «التصميم الفرنسي–اللبناني» على انعقاد المؤتمر، مع الأمل في أن يتم بعد «اكتمال عناصر نجاحه.. ورب ضارة نافعة»، لجهة تبلور ظروف أكثر ملاءمة تساعد على التوصل إلى نتائج عملية ومرضية. وهكذا تكون «سلبيات تأجيل المؤتمر أقل من سلبيات انعقاده» في موعده السابق.
وتغتنم هذه الأوساط الفرصة للتأكيد على «متانة» الشراكة الفرنسية–اللبنانية، ومضي باريس في إرادتها لعب دور أساسي في لبنان، مع التزامها الكامل والمستدام بمساعدة لبنان على المحافظة على استقراره، وضمان استعادة سيادته الكاملة، ودعم مؤسساته الشرعية.
وفي هذا السياق، تبرز رغبة فرنسا في مساعدة لبنان على إيجاد «إطار جديد وصيغة دولية بديلة» للقوات الدولية العاملة في الجنوب اللبناني (اليونيفيل) بعد انتهاء مدة انتدابها في نهاية العام الحالي.
وقد بدأ البحث في هذا الموضوع الشائك والحيوي خلال الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى باريس ولقائه مع الرئيس ماكرون. وعُلم أن سلام لم يستبعد عقد لقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة للتشاور في هذا الملف. كما كان من المتوقع أن يتطرق البحث إلى هذه القضية بين الرئيسين ماكرون وعون خلال غداء العمل الذي كان سيجمعهما في قصر الإليزيه على هامش مؤتمر دعم الجيش.
