إعادة تشكّل النظام الدولي تحت ضغط الحرب على إيران

الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءتها كجولة عسكرية معزولة، بل كحلقة مفصلية في مسار إعادة تشكّل النظام الدولي. ما يجري هو تعبير مكثّف عن انتقال العالم من لحظة أحادية قطبية إلى مرحلة تعددية صراعية، تتقابل فيها رؤيتان متناقضتان لمفهوم القوة والشرعية والسيادة. إننا أمام صدام بنيوي بين فلسفة ترى أن الاستقرار يُنتَج عبر الهيمنة المنظَّمة، وأخرى تعتبر أن مقاومة الهيمنة شرطٌ لإعادة التوازن

المقاربة الأميركية–الإسرائيلية تنطلق من تصور قريب من الواقعية الهجومية كما بلورها جون ميرشايمر (John Mearsheimer)، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تعظيم قدراتها لمنع ظهور منافس إقليمي أو دولي قادر على تقويض تفوقها. الأمن، في هذا المنطق، ليس توازنًا ساكنًا، بل عملية دينامية تقوم على الردع الاستباقي وإعادة هندسة البيئات الإقليمية بما يضمن بقاء ميزان القوى مائلاً لمصلحة المركز المهيمن. وتتقاطع هذه الرؤية مع أطروحة الاستقرار الهيمني لدى روبرت كيوهان (Robert Keohane)، التي تفترض أن وجود قوة قائدة للنظام الدولي يُنتج قدرًا من الانتظام، حتى لو ارتكز إلى استخدام القوة الصلبة. ضمن هذا الإطار، تُعامل إسرائيل بوصفها ركنًا متقدمًا في بنية الأمن الغربي في الشرق الأوسط، وأي تمدد إيراني يُفهم كتحدٍ مباشر لمنظومة الردع الإقليمية المرتبطة بالهيمنة الأميركية.

في المقابل، تعتمد إيران استراتيجية تقوم على استثمار اختلال ميزان القوة التقليدي بدل محاولة كسره مباشرة. مقاربتها أقرب إلى الواقعية الدفاعية الممزوجة بأدوات الحرب غير المتماثلة، حيث تُبنى القدرة الردعية عبر شبكة نفوذ إقليمية وفاعلين غير دولتيين، وعبر تحويل الجغرافيا إلى مجال مرن لتبادل الضغط. القوة هنا لا تُقاس بسرعة الحسم، بل بقدرة الاحتمال، ولا تُختزل في المواجهة المباشرة، بل في توزيع ساحات الاشتباك وتوسيع نطاقها. إنها استراتيجية إنهاك طويلة الأمد تهدف إلى رفع كلفة التفوق العسكري التقليدي على الخصم، وتحويل أي حرب خاطفة إلى مسار استنزافي معقد.

هذا الاشتباك لا ينفصل عن إعادة تموضع القوى الكبرى. روسيا، المتأثرة برؤية أوراسية ارتبطت بأفكار ألكسندر دوغين (Alexander Dugin)، ترى في إضعاف التفرد الأميركي فرصة لتعزيز تعددية قطبية تعيد لها موقع القوة الكبرى. حضورها في الشرق الأوسط وتموضعها في أسواق الطاقة جزء من استراتيجية أوسع لتفكيك مركزية القرار الغربي. أما الصين، فتتبنى مقاربة براغماتية أقرب إلى مفهوم «الترابط المعقّد» الذي نظّر له جوزيف ناي (Joseph Nye)، حيث يُدار التنافس عبر الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد أكثر مما يُدار عبر المواجهة العسكرية المباشرة. بكين لا تستعجل الصدام، بل تستثمر في استنزاف البنية الأحادية للنظام، وتعمل على توسيع نفوذها عبر أدوات مالية وتجارية تعيد رسم موازين القوة بهدوء.

في هذا السياق، يتحول الشرق الأوسط إلى مسرح تفاعلي لإعادة توزيع النفوذ العالمي. القوى الإقليمية تعيد تموضعها بين مراكز الثقل الدولية، والدول الهشة تتحول إلى ساحات رسائل استراتيجية. الصراع يتجاوز البعد الأيديولوجي ليطال الاقتصاد السياسي الدولي: الطاقة، الممرات البحرية، التكنولوجيا المتقدمة، والنظام النقدي العالمي. أي تصعيد واسع ينعكس فورًا على أسعار النفط، وأمن التجارة الدولية، واستقرار الأسواق، كما يسرّع مسارات البحث عن بدائل للدولار وتعميق التكتلات الاقتصادية خارج المدار الغربي.

وبرغم الطابع الاستراتيجي العالي لهذا الاشتباك، فإن كلفته الأشد تقع على المجتمعات. وفق مقاربة الأمن الإنساني، لا تُقاس نتائج الصراع فقط بميزان الردع، بل بتآكل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الدول المعنية ومحيطها. العقوبات، التضخم، هشاشة الخدمات، وتراجع الثقة بالمؤسسات، كلها تداعيات مباشرة لحرب تُدار بحسابات دقيقة على مستوى القوة، لكنها تظل مفتوحة النتائج على مستوى الإنسان.

في عمق المشهد، يتجدد السؤال الفلسفي حول طبيعة النظام الدولي: هل يتحقق الاستقرار عبر سلطة رادعة كما تصور توماس هوبز (Thomas Hobbes)، أم عبر عقلانية تعاونية كما تخيل إيمانويل كانط (Immanuel Kant)؟ المؤشرات الراهنة توحي بأن العالم يقترب أكثر من منطق هوبز، حيث تُضبط العلاقات الدولية بموازين القوة لا بقواعدها، ويُدار السلام بوصفه هدنة بين جولات صراع.

هكذا، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة إقليمية، بل مختبرًا لتحول عالمي أوسع. لن يكون هناك منتصر حاسم بقدر ما ستكون هناك إعادة تموضع بطيئة لمراكز الثقل. المنطقة ستبقى عقدة التوازن أو نقطة الانفجار، والنظام الدولي سيستمر في التشكل تحت ضغط تناقض لم يُحسم بعد بين فلسفة الهيمنة وفلسفة مقاومة الهيمنة. السؤال ليس من ينتصر، بل أي منطق سيؤطر العالم في العقود المقبلة: منطق القوة بوصفها شرط النظام، أم منطق التوازن بوصفه شرط البقاء.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  معركة المصطلحات: كيف تُمهِّد اللغة لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط؟
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  سلاسة الإيمان الشعبي.. قساوة التدين الأيديولوجي