الخُماسيّة الإيرانية.. حين تتفوق الإرادةُ على القوّة

خُماسيّةُ إيرانَ استثناءٌ كبيرٌ. سبقتْها ستالينغراد في الحربِ العالميّةِ الثانية، وهي الأولى في الراهنِ المعاصر بعد كوبا وفيتنام. يقعُ التمايزُ بينها جميعاً في المنطلقاتِ الفكريّة، وينشأُ التشابهُ التطبيقيُّ في الميدانِ السياسـو-إستراتيجي. كلُّها كانت حروبَ تصدٍّ للكولونياليّةِ الرأسماليّة، والرمزُ الأعلى فيها كان مواجهةَ الولاياتِ المتحدة. ولقد انهزمت فيها كلُّها.

خماسيّةُ إيران في صدِّ العدوانِ الأميركي-الإسرائيلي تقوم على خمسة أركان:
1- الإرادة السياسية مع الشرعية الأخلاقية.
2- الصمود الميداني مهما تكن التحديات.
3- استثمار الجغرافيا الواسعة.
4- توظيف الوقت في الحرب.
5- الجرأة الواعية ودقّة التحالفات.

هذه الخماسيّة الإيرانية صفعت ثنائيّة ترامب ونتنياهو. وصفعت وجهين بكفّ واحدة، وأصقعت رأسين معاً. هذان الاثنان ليسا مجرد قرصانين مستفحلين في ساحات العنصرية والجريمة الإبستيمية، بل هما رمزان من رموز أخطر تحالف بين الكولونياليّة الرأسمالية والإسقاطات الدينية على السياسة والتاريخ، ولا سيّما منها التلمودية والصهيونية المسيحية وبعض التيارات الإسلامية الطائفية التي ترى الحرب شيعية-سنّية، وتعيد إحياء ابن تيمية وتغضّ طرفها عن طبيعة صراع النفوذ والاقتصاد في العالم، فتغيّب حقيقة الاستهداف الاستعماري الرأسمالي لموارد المشرق، وتشوّه جوهر العدالة والحرية في الإسلام القرآني.

الإرادة بوجه القوة

لن تتوقّف الحرب قريباً. ربما تتوقف إحدى معاركها، وهذا احتمال ضئيل. أمّا الحرب بما هي تصدٍّ للهيمنة الأميركية-الإسرائيلية والقطبية الأحادية فمستمرة، لأن المعنى الإستراتيجي لهذه الحرب مستمر إلى أن يُحسم أمرها بصورة ما: إنها معركة أولى في الحرب العالمية الثالثة. ويبدو جلياً أن ما كان قبل الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026 واغتيال السيد علي خامنئي لن يعود هو ذاته أبداً، في منطقتنا أو في العالم، لا بالمفاوضات ولا بالقوة العسكرية.

إيران هنا لا تمثّل نفسها وحدها في هذه الحرب، ولا تعبّر عن محور إقليمي محدود، ولا يقتصر دورها على سدّ الفراغ الإستراتيجي العربي. إنها أكثر من ذلك وأعمق. لقد تحوّلت في غضون ساعات قليلة على استشهاد خامنئي إلى رمز عالمي مقاوم للعرْبدة الاستعمارية الأميركية، ولمواجهة فكرة إنزال المسحة الإلهية على الحروب الرأسمالية، وعلى الادعاءات الأسطورية التلمودية التي يروّجها نتنياهو، فيما ينفيها قولاً واحداً المؤرخون اليهود العلميون.

إيران في هذا السياق قوة تغييرية. أعادت المعنى الفيتنامي لمعادلة الإرادة بوجه القوة، ولكن من منطلق إسلامي وقومي تحرّري يختلف في آلياته عن المنطلق الماركسي في فيتنام. وبرغم ذلك، التشابه قائم؛ وهذا ما بدأت تخاف منه واشنطن التي أصيبت بنكسة عسكرية وسياسية قياساً باستعراض جبروتها وأهدافها في إسقاط الجمهورية الإسلامية على طريقة ما فعلته في فنزويلا. كان ترامب ونتنياهو يظنان أن أسلوب “قطع الرأس” باغتيال خامنئي يؤدي إلى انهيار الدولة وارفضاض الناس من حولها، فجاءت النتيجة معاكسة تماماً. وسجّلت إيران إسقاط نظرية الحرب الخاطفة التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب، وأحيت النموذج التطبيقي للمفكرين الإستراتيجيين “كلاوزفيتز” و”صان تزو” في أن الحرب صراع إرادات، وأن الإرادة تغلب القوة إذا أتقن صاحبها استثمار الوقت بالصبر والوعي، واستثمار الجغرافيا بالثبات في المكان.. وهذا ما فعلته إيران.

الاستنزاف والحسم

قليلون الذين انتبهوا إلى هذه المعادلة في مقاربة الصمود الإيراني المرشّح للاستمرار. في هذا السياق، يُمكن القول إن الإرادة في إيران نابعة من منبعين:

المنبع الأول هو الإسلام التحرري، وقد بات عقيدة راسخة لدى معظم الإيرانيين وجزءاً محورياً من تكوين هويتهم الوطنية وحضارتهم الفارسية التاريخية.

المنبع الثاني هو الوعي الإستراتيجي؛ فالقيادة الإيرانية أصيبت بالصدمة بعد اغتيال المرشد الأعلى لكنها لم تُصب بالعمى الإستراتيجي. أدركت منذ اللحظة الأولى أنها إذا تضعزعت ستخسر فرصة الرد الحاسم، فتماسكت وفتحت الجبهات على كيان الاحتلال وعلى القواعد الأميركية في الخليج قبل أن تختار مرشداً جديداً. هذه الخطوة نادرة في العلوم العسكرية، لكنها إذا حصلت فإنها تجعل زمام المبادرة في يدي صاحبها، وتعزّز ثقة الناس بالقيادة، وتمنحها فرصة تفعيل خططها وإعادة التخطيط وفقاً للظروف.

الإيرانيون نجحوا في ذلك بعد أن خبروا في المفاوضات حقيقة النيات الأميركية المنسّقة مع الاحتلال الإسرائيلي. وهم سيواصلون التصدّي حتى إسقاط المشروع الأميركي بالقوة وبالحِنكة وبالإرادة، ولا سيّما أنهم أظهروا ثقافتهم العميقة في العلوم العسكرية الحديثة. ويكفي أنهم أفادوا من نظرية الجنرال السوفياتي الشهير في الحرب العالمية الثانية الماريشال جوكوف (تُدرّس نظرياته في عدد كبير من الكليات العسكرية في العالم). وأهم ما يستفيد منه الإيرانيون في نظرية جوكوف ثلاثة مبادئ:
1- امتصاص الصدمة.
2- الاستنزاف المدروس.
3- الحسم مهما تكن الكلفة.

الاثنان الأولان طبقتهما إيران، وهي ستواصل الحرب من أجل الثالث: “الحسم مهما تكن الكلفة”. رسالة المرشد الجديد مجتبى خامنئي تؤكد ذلك إذ أعلن فيها الاستمرارية في التصدّي، ورسم ملامح المرحلة القريبة المقبلة القائمة على عدم الانزلاق إلى أي مساومة خضوعية مع الأميركيين والإسرائيليين.

مرحلة جديدة

وعي إيران الإستراتيجي تشاركها فيه روسيا والصين، وتبرز في هذه النقطة عالمية الحرب. إيران بجغرافيتها الواسعة وبحدودها مع خمس عشرة دولة هي حصن غرب آسيا، وبوابة ركنية نحو آسيا الوسطى، وممر إلى روسيا، وقلعة في مشروع “الحزام والطريق” الصيني. ولهذا فإنها ليست وحدها، بل هي في ضوء مآلات الحرب عليها ستكون خطوة توجيهية نحو نظام عالمي جديد يتخلص من الأحادية القطبية الأميركية، وينتهي فيه الدور الإسرائيلي مع جنوح الإمبراطورية الرومانية في واشنطن إلى الزوال، وهو آتٍ عاجلاً أو آجلاً.

إقرأ على موقع 180  هل أنهى ترامب ست حروب بالفعل؟

ومثل كل حرب في التاريخ يقف المراقبون أمام معادلات الانتصار والهزيمة. وإذا واصلت إيران نجاحها في التصدّي وحافظت على دولتها ـ وهو المرجح حتى الآن – فإن مشروع تقسيم المنطقة من سواحل المتوسط إلى باكستان على حدود الصين، ثم في قلب آسيا على تخوم روسيا، سيتوقف. أما إذا كان العكس، ولا سيما بوجود العمى الإستراتيجي العربي، فإن مشروع التفتيت سينفلت من عقاله، وسيحدق الخطر بمصر التي ما زالت تحافظ على معنى الدولة.

عسى أن يستفيد العرب من درس العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران ليدركوا أن هذه الحرب وجودية، فيُغيّروا من نظرتهم وموقفهم، ويتأكدوا أن الاستعمار لا يحمي أدواته بل يختار الفرار عندما تجبره على ذلك إرادة التصدّي عند الشعوب. وهكذا فعل الأميركيون حينما قصف الإيرانيون قواعدهم العسكرية في الخليج، فسحبوا دفاعاتهم وأبعدوا سفنهم خلافاً لكل الوعود التي كانوا قد قطعوها لأصدقائهم.

نحن الآن في مرحلة عالمية جديدة بعد العدوان على إيران. لا مجال لتضييع الوقت، فهل يخرج العرب من سباتهم كي لا يخسروا الجغرافيا بعدما خسروا التاريخ؟

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الحوار العربي الإيراني.. ضرورة تفرضها وقائع التاريخ والجغرافيا