حين يُواجَه التفوق الجوي الأميركي بـ”عقيدة الفسيفساء”.. قراءة في الاستراتيجية الإيرانية

يواجه النموذج الأميركي-الإسرائيلي للحرب عن بُعد تحديًا في حرب ذات طبيعة مختلفة تمامًا. هذه الحرب أعدّت لها إيران وخطّطت لها قبل أكثر من ربع قرن. ولتقييم ميزان القوى الحقيقي، لا بد من النظر إلى استعدادات كلا الطرفين المتحاربين، فنكتشف أن طبيعة كل طرف ومنطقه العسكري يختلفان اختلافًا جوهريًا عن الآخر.

تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حملات قصف مكثفة، حيث تُسقطان كميات كبيرة من الذخائر على إيران. ولكن ما هي أهدافهما العسكرية؟ وما هي المرحلة الثانية التي يُمهَّد لها تدمير هذه الأهداف؟

تشي وقائع الأسبوعين المنصرمين أنه لدى إيران خطة حرب تُوصَف في كتب الاستراتيجية بـ«الحرب غير المتكافئة» (Asymmetric)، والتي تعني ببساطة مواجهة الضعيف للقوي، إذ لا مجال للمقارنة بين القوة الهائلة للحلفاء الأميركيين والإسرائيليين وما تستطيع إيران توفيره في هذه المواجهة غير المتكافئة.

دعونا نرَ ما تفعله طهران للدفاع عن نفسها، علمًا بأنه بحلول اليوم الثالث من الهجوم تم تدمير جميع المعدات العسكرية «الظاهرة».

لكن إيران تواصل هجماتها وفق خطة لا تزال في مراحلها الأولى، وتتقدم تدريجيًا نحو التنفيذ الكامل.

ويشير المراقبون (وبخاصة في أوساط الاستخبارات الأميركية) إلى أن إيران لم تكشف بعد عن ترسانتها الصاروخية الكاملة: لا عن أحدث صواريخها، ولا غواصاتها المسيّرة، ولا زوارقها الصاروخية المضادة للسفن. هذه الأسلحة، التي أُدرجت لوائحها بناءً على معلومات من مصادر إسرائيلية وغيرها، لا تزال مخفية. لماذا؟

من هنا ينشأ الجهل بالمدى الكامل لقدرات إيران، ولا يمكننا حتى الآن التنبؤ بتأثير نشرها الكامل على مسار الحرب، سلبًا أم إيجابًا.

ويتكرر النمط نفسه مع حزب الله في لبنان. فقد أشارت التقديرات الإسرائيلية والتقارير الاستخباراتية إلى أن هذا الحزب «العنيد» انهار في حرب ٢٠٢٤ وتشتّت مخزونه الحربي، لكنه يبدو الآن بكامل قوته، وقد بدأ هجومه في فاصلٍ زمني دقيق جدًا، لكأنه تعمد ممارسة التضليل الإستراتيجي حتى على بيئته التي كانت لا تُريد منه سوى الحد الأدنى من الرد على الاغتيالات والاعتداءات الإسرائيلية طوال خمسة عشر شهراً فإذا بالحزب قد أعدّ العدة لمواجهة نوعية بكل معنى الكلمة.

كذلك قامت حركة النجباء، وحزب الله العراقي، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب أنصار الله الأوفية — وجميعها جزء من «المقاومة الإسلامية في العراق» — بتنفيذ هجمات في توقيتٍ مبرمج، حيث قصفت قواعد فرنسية وأميركية، حتى في الكويت، ناهيك عما أصاب السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء في بغداد.

ويبدو أن الحوثيين قد حددوا “الساعة الصفر” لتوقيت انضمامهم إلى المعركة من خلال إغلاق مضيق باب المندب، بالتوازي مع حصار مضيق هرمز.

وتبدو هذه الجبهات وكأنها جزء من الاستراتيجية الإيرانية غير المتكافئة والتي نشأت من خلال مراقبة حملة القصف الأميركية المكثفة في العراق، طوال ثلاثة أسابيع عام ٢٠٠٣. فبعد القضاء على القيادة العسكرية العراقية المركزية، انهار هيكل جيش صدام حسين بالكامل.

وبعد حرب العراق، كان السؤال الذي واجه الإيرانيين هو كيفية الحفاظ على بنية عسكرية رادعة في ظل افتقارهم — وعدم قدرتهم على امتلاك — قدرة جوية تضاهي القدرة الأميركية. وقد ازداد هذا الأمر أهمية بالنظر إلى قدرة الولايات المتحدة على رصد كامل البنية العسكرية الإيرانية بفضل كاميراتها الفضائية عالية الدقة.

لذا تمثلت المقاربة الأولية في تقليص مساحة البنية العسكرية الإيرانية الظاهرة (كما عند حزب الله) والمرئية من الفضاء؛ إذ كان لا بد من دفن مكوناتها في أعماق الأرض، بعيدًا عن متناول معظم القنابل (استراتيجية الأنفاق).

أما الرد الثاني فكان أن الصواريخ المدفونة في أعماق الأرض يمكن أن تُشكّل بالفعل «قوة جوية»، أي بديلاً عن القوات الجوية التقليدية. فقد دأبت إيران على بناء وتخزين الصواريخ لأكثر من عشرين عامًا.

وبفضل أبحاثها المكثفة في تكنولوجيا الصواريخ، صنّعت إيران نحو عشرة نماذج مختلفة من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية. بعضها فرط صوتي، وبعضها الآخر يحمل مجموعة من الذخائر المتفجرة الموجّهة (للتهرب من أنظمة الدفاع الاعتراضية). ولديها مخزونات تضم عشرات آلاف الصواريخ من جميع الأنواع.

وتُطلق الصواريخ الإيرانية الكبيرة من صوامع تحت الأرض منتشرة في جميع أنحاء إيران (وهي دولة واسعة المساحة، غنية بالسلاسل الجبلية والغابات). وفي لبنان واليمن تمتلئ الجبال بالكهوف والممرات بين شقوق الصخور. كما تُنشر شبكة من الصواريخ في شبكة كثيفة على طول الساحل الإيراني.

أما الرد الثالث فتمثل في إيجاد حل لعدم تكرار عملية إسقاط القيادة العسكرية لصدام حسين خلال العملية المروّعة عام 2003.

في عام ٢٠٠٧ بدأ تطبيق عقيدة «الفسيفساء». وتقوم فكرتها الأساسية على تقسيم البنية التحتية العسكرية الإيرانية إلى قيادات إقليمية مستقلة، لكل منها مستودعات ذخيرة وصواريخ خاصة بها، وقواتها البحرية وميليشياتها عند الضرورة.

تلقى القادة خططًا قتالية مُعدّة مسبقًا، بالإضافة إلى تفويضهم بشن عمل عسكري بمبادرة منهم في حال وقوع هجوم يستهدف اغتيال القيادة العليا في العاصمة. وكان من المفترض تفعيل هذه الخطط والبروتوكولات تلقائيًا عند اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وهو ما حدث بالفعل.

إقرأ على موقع 180  "عقيدة ميونيخ" مجدداً بعد 7 أكتوبر.. ما هي؟

وقد عالجت عقيدة «الفسيفساء» أي ضعف قد يصيب هيكل القيادة المركزي، إذ وُزّعت القيادة على مستويات متعددة لتجنب أي جمود في حال وقوع هجوم مفاجئ، وهذه العقيدة يُمارسها حزب الله في منطقة جنوب نهر الليطاني إلى حد كبير.

باختصار، تعمل الآلة العسكرية الإيرانية — في حال توجيه ضربة حاسمة — وفق ردّ فعل آلي بعيدًا عن مركزية القرار، وبشكل يصعب السيطرة عليه من قبل الغزاة.

هكذا بدأت إيران بتطبيق هذه الاستراتيجية، أي الحرب غير المتكافئة شبه المثالية، فتمتص الهجمات الأولية قبل مهاجمة القواعد المحيطة بها في دول الخليج، وتدمير أنظمة الرادار، والحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدراتها الصاروخية.

من هنا تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما في موقف بالغ الصعوبة، لأنهما لا تعرفان سوى نوع واحد من الحرب: القصف الجوي للأهداف. وقد فشلتا في تدمير قواعد الصواريخ تحت الأرض، وهما الآن تواجهان إيران القابعة في موقع استراتيجي ممتاز، تخوض الحرب بشروطها وجدولها الزمني الخاص.

ويبدو أن قرار القيادة الإيرانية الاستراتيجي بإعطاء الأولوية لحرب طويلة الأمد ينبثق مباشرةً من إدراك أن الجيوش الغربية مصممة وفق نهج «إطلاق النار ثم الانسحاب» في حروب سريعة، لتجنب إثارة غضب الرأي العام الغربي.

في الخلاصة؛ لا تبدو هذه الحرب مجرد مواجهة تقليدية بين قوتين عسكريتين، بل صدام بين عقيدتين مختلفتين في إدارة الصراع. فبينما تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على التفوق الجوي والتكنولوجيا الدقيقة لضرب الأهداف من مسافة بعيدة، تراهن إيران على طول النفس وتفكيك مركزية الحرب وتحويلها إلى شبكة من الجبهات والقدرات الموزعة وصولاً إلى انهاك الاقتصاد العالمي من خلال اقفال مضيق هرمز. لذلك قد لا يُحسم هذا النوع من الحروب بسرعة أو بضربة حاسمة، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الاستنزاف وإدارة الوقت. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع الصمود أكثر، ومن ينجح في فرض إيقاع الحرب وشروطها على الآخر؟

(*) بالتزامن مع “أخبار بووم

Print Friendly, PDF & Email
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  لجنة هيكلة المصارف اللبنانية تموت قبل ولادتها