التفاهم الأميركي الإيراني: هدنة أم اعتراف متبادل بموازين القوى؟

في خضم السجال المحتدم حول مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، انشغل الرأي العام بمحاولة الإجابة عن سؤال تقليدي: من ربح الحرب ومن خسرها؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، يحجب سؤالاً أكثر دلالة يتعلق بطبيعة التسوية نفسها، وما إذا كانت تمثل تراجعاً أميركياً أمام إيران، أم إعادة تموضع متبادلة فرضتها موازين القوى؟

لا تبدو مذكرة التفاهم، بما تتضمنه من انهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، وإعادة فتح مضيق هرمز، وفك الحصار البحري، وتخفيف القيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني، مجرد هدنة مؤقتة، بل خارطة طريق ترسم حدود مرحلة انتقالية جديدة في العلاقة بين واشنطن وطهران، لا يُمكن الجزم في مآلاتها قبل انتهاء مهلة الستين يوماً.. القابلة للتمديد بموافقة الطرفين.

وإذا وضعنا في كفة الميزان مذكرة التفاهم ببنودها الأربعة عشر، وفي الكفة الأخرى ما يُشبه الإجماع الدولي والإقليمي – باستثناء إسرائيل – على الترحيب بالمذكرة، إلى جانب تهديدات دونكيشوتية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بدت، في نظر منتقديه داخل الولايات المتحدة، محاولة لصرف الأنظار عن موجة تشكيك سياسية وإعلامية تتحدث عن تراجعه أمام طهران؛ فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا لو جاء الحكم النهائي لصالح الطرف الذي لم يكن ينوي، بحسب روايته، الذهاب إلى الحرب، بل اختار التفاوض لتسوية الخلاف حول حدود البرنامج النووي؟

وعند التدقيق في مذكرة التفاهم، ولا سيما بندها الأول، نجد أن إيران والولايات المتحدة توافقتا على أن الاتفاق النهائي بينهما سيؤكد على “الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”. وقبل الوصول إلى هذه المرحلة، اتفق الجانبان على وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز وفك الحصار البحري الأميركي، في الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة وإيران مفاوضات مكوكية برعاية باكستانية وقطرية لأجل التوصل إلى اتفاق نهائي يُنهي صفحة من العداوة والالتباسات عمرها من عمر الثورة الإيرانية.

وبكلام أدق، فإن مذكرة التفاهم لا تلزم الطرفين المعنيين بوقف النار فحسب، بل تفتح الباب أمام إنهاء الحروب بينهما (ومعهما الحليف الإسرائيلي لأميركا وحزب الله حليف إيران).

وإذا كان متروكاً للمفاوضات المحددة بشهرين، والقابلة للتمديد، الخوض في تفاصيل الأهداف التي طرحها ترامب خلال الأشهر الثلاثة الماضية لتبرير الحرب، فإن وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، الذي يحتل أولوية قصوى بالنسبة إلى المفاوضين الإيرانيين، تصدر جدول أعمال الجلسة الطارئة للمحادثات الأميركية – الإيرانية في سويسرا، باعتباره الملف الأكثر التصاقاً بقضايا الاستقرار والسلام في الإقليم. وتبدو هذه الأولوية مرتبطة بالتفاعل الجيوسياسي بين جبهة لبنان ومضيق هرمز وانعكاساتهما على التوازنات الإقليمية.

أما هدف «تغيير النظام» في إيران أو تعديل سلوكه، فقد بدا ضحية سوء تقدير لطبيعة الدولة الإيرانية وتعقيداتها الاجتماعية والسياسية، حيث يشكل ما يُعرف بالدولة العميقة، المتمثلة في المؤسسة الدينية الشيعية ومنظومتها الأمنية والاجتماعية، أحد أبرز عناصر التماسك الداخلي. وفي المقابل، تبقى ملفات البرنامج النووي، ومستويات التخصيب، والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين في لبنان واليمن وفلسطين، فضلاً عن الملف العراقي، موضوعاً مفتوحاً للأخذ والرد.

لقد دأب ترامب على التهديد بالعودة إلى الحرب، بل وبـ«إبادة الحضارة الإيرانية»، إذا لم تستجب طهران للحلول التي يراها مناسبة خلال مرحلة التفاوض. غير أن ترجمة هذه التهديدات كانت تصطدم بالتطلعات السلمية للحلفاء الخليجيين لواشنطن، وبمزاج الرأي العام الأميركي، فضلاً عن الشكوك المتزايدة في جدوى نظام الحماية الأمنية الأميركية بعد الضربات الإيرانية التي أظهرت محدودية فاعليته، فضلاً عن تعذر فتح مضيق هرمز بكل الوسائل التي إستخدمها الأميركيون حتى لحظة العمليات العسكرية.

وثمة أمر لافت للانتباه في النقاش الأميركي الداخلي حول مذكرة التفاهم، إذ يعتبر معارضوها المتشددون أن ترامب يمنح إيران متنفساً اقتصادياً قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، ويترك لها هامشاً واسعاً في إدارة علاقاتها الإقليمية. في المقابل، تؤكد طهران أن أي تفاهم نهائي لن يكون قابلاً للحياة ما لم يؤدِّ أولاً إلى رفع العقوبات المفروضة عليها.

ويرى محللون أميركيون أن إعادة فتح مضيق هرمز جاءت أيضاً تحت وطأة ضغوط داخلية ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة ومعدلات التضخم.

وفي ظل عدم الرغبة الأميركية في إرسال قوات برية لخوض مواجهة مباشرة مع إيران، لم يكن أمام ترامب سوى خيارات محدودة، ما دفعه، بحسب هؤلاء، إلى القبول بالعودة إلى الوضع القائم السابق لاندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، باستثناء المكسب الذي فرضه الإيرنيون عندما وفّرت لهم الحرب فرصة استخدام سلاح المضيق ومن ثم المطالبة باستثماره بالتنسيق مع سلطنة عُمان.

وتحظى المادة الثامنة في مذكرة التفاهم باهتمام خاص لدى البيت الأبيض، إذ تنص على معالجة مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وفق آلية زمنية وتقنية يجري الاتفاق عليها بين الطرفين خلال فترة المفاوضات. لكن اللافت للانتباه أن المسؤولين الأميركيين يركزون بصورة علنية على آليات الرقابة والتفتيش، فيما يربط المسؤولون الإيرانيون أي تنازل في الملف النووي برفع شامل للعقوبات الأميركية.

وبحسب هذه القراءة، قدّمت إيران تنازلاً محدوداً في الملف النووي، مقابل مكاسب أوسع تمثلت في فك الحصار، واستعادة جزء من أموالها المجمدة، وتثبيت دورها الإقليمي من هرمز في الخليج إلى جنوب نهر الليطاني في لبنان، فضلاً عن المساهمة في استقرار سوق الطاقة العالمية بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الأميركي.

إقرأ على موقع 180  إردوغان والأسد إن التقيا "قريباً".. في بغداد أم أبو ظبي؟ 

في المحصلة، قد يكون من المبكر الجزم بأن مذكرة التفاهم دشنت تسوية نهائية بين واشنطن وطهران، لكنها تكشف أن الحرب التي رُوّج لها بوصفها وسيلة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط انتهت، حتى الآن، إلى إعادة الاعتراف بوقائع القوة القائمة أكثر مما انتهت إلى تغييرها. وإذا كانت إسرائيل قد وجدت نفسها خارج غرفة التفاوض بعدما راهنت على إسقاط النظام الإيراني عسكرياً أو تقويض ركائزه الاستراتيجية، فإن الولايات المتحدة بدورها بدت مضطرة إلى الموازنة بين سقوفها التفاوضية وضرورات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبين هذين الحدين، تبدو إيران وقد نجحت، على الأقل في المرحلة الراهنة، في تحويل قدرتها على الصمود إلى رصيد تفاوضي، فيما يبقى الحكم النهائي على المذكرة رهناً بما ستسفر عنه مفاوضات الأشهر المقبلة، وما إذا كانت هذه المرحلة الانتقالية ستقود إلى اتفاقات دائمة تعيد رسم توازنات الإقليم، أم إلى هدنة طويلة قابلة للانتكاس عند أول اختبار جدي.

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  أمريكا في مرحلة عصيبة