هل فجّر ترامب.. “ثورة إسلاميّة” جديدة في المنطقة؟

لطالما تحدّثنا، في ما سلَفَ من قَولٍ ومن مَقال، حول خطورة حصر الوعي والعقل وحتّى الذّكاء.. في الذّهن ذي الأفكار والمفهوم، وخصوصاً حصرها في ما يُسمّى عادةً بالذّهن أو بالعقل التّكنولوجيّ أو التّقنيّ أو الأداتيّ (أو المادّيّ-التّقنيّ إلخ..). والواقع اليوم، الماثل أمام عيني الظّاهرة (وربّما كذلك أمام عيني الحدسيّة الباطنة) هو التّأكّد، أكثر فأكثر، من أنّ ظاهرة الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، و"العقل" الذي يُمثّله.. هي خير تجسيدٍ أو تجلٍّ أو مِصداقٍ، لهذه الأطروحة العامّة.

“العقل” هنا يبدو تقنيّاً بحتاً وأداتيّاً متطرّفاً، وإلى حدّ كبير: يبرع في “حلّ” بعض المشاكل السّطحيّة والظّاهرة والمادّيّة.. ولكنّه يعجز عجزاً عظيماً ما وراء ذلكم وفي الأعمّ الأغلب. والحرب الدّائرة على إيران حاليّاً، هي أيضاً خير مثال على ما نحاول وصفه وتوصيفه في هذا الإطار.

الحرب على إيران وعلى حلفائها من منظّمات وتنظيمات ومكوّنات وجماعات- وربّما دول- تُشكّل مثالاً واضحاً على ذلك، وهو مثالٌ يتحرّك اليوم أمام أعيننا. ولكي نُحاول إيصال المقصود إلى القارئ العزيز، فلنتوقّف عند النّقاط الأساسيّة- شبه السّرديّة- الآتية:

  •  “العقل” التّرامبيّ ذو النّزعة التّقنيّة الحادّة اتّخذ قراراً ببدء هجوم عسكريّ وأمنيّ على إيران. فاستطاع، في ما ظهر وبدا، قتلَ عدد من القادة الكبار فيها، على رأسهم قائد الثّورة ومرشدها الإمام السّيّد علي الخامنئيّ، بالإضافة إلى عدد من القادة العسكريّين والأمنيّين الكبار. وقد استطاع هذا “العقل” التّقنيّ الرّأسماليّ، أيضاً، أن يُلحق أذىً لا يُستهان به في ما يعني عدداً من المؤسّسات والمرافق العامّة، والمنشآت العسكريّة، بما فيها منشآت صاروخيّة وربّما نوويّة (مدنيّة في المبدأ) وما إلى ذلك.

ثمّ صاح هذا “العقل” مُزمجِراً (على منصّة تغريديّة غالباً)، صاح: ألا يا أيّتها “الجمهوريّة الاسلاميّة” استسلمي! ألا يا أيّها الحلفاء لـ”الجمهوريّة الاسلاميّة” استسلموا! وكيف لا تستسلمون جميعاً، وأنا، “أنا” ذو الذّهن التّقنيّ: أنا، الذي استطعت أن أقتل فلاناً وفلاناً، وأن أدمّر كذا وكذا، من خلال استخدام فلان وفلان، ومن خلال استعمال كذا وكذا من الأسباب والعوامل التّقنيّة. حقّاً، لماذا لا تستسلمون، أمام هذه “الأنا” التّقنيّة الجبّارة، التي تلعب بالأسباب المادّيّة-التّقنيّة، كما يلعب المهاجم البرازيليّ بكُرة القدم؟

***

المشكلة العميقة، أو لعلّها الكارثة العميقة مع هذا “العقل” وطريقة عمله: هي أنّ هذا “العقل”.. يقف عند هذا الحدّ عموماً، ولا يستطيع في الغالب ادراك أنّ هناك أبعاداً أوسع وأعمق للواقع وللحقيقة (بما في ذلك الجوانب المتعلّقة بادراك أو تأويل أو بناء “المعنى” كما يُشير بعض المفكّرين).

يعني، مع التّبسيط الشّديد مجدّداً: هل تقف النّتائج المؤثّرة على الواقع كلّه.. عند نجاحنا، ضمن هذا المثال تحديداً، في اغتيال فُلان، وفي قتل أو جرح فُلان، وفي تدمير الأبنية والمنشآت الفلانيّة؟ هل تقف النّتائج، حقّاً، عند هذا البُعد أو عند هذا الصّنف من الأبعاد؟

***

في اعتقادي، هناك مُعطيات وتجلّيات متعدّدة قد تبيّن، في المرجّح شبه الأكيد، أو ربّما في الأكيد.. خطورة الاعتماد على هذا “العقل التّقنيّ” الغَلَبة بطريقة حصريّة أو شبه حصريّة، خصوصاً في هذا المثال التّرامبيّ العجيب.

لنتوقّف سويّاً، ولو بشكل سريع، عند بعض النّقاط المهمّة في نظرنا وفي هذا الإطار (بالمناسبة، إنّ استخدام اللّغة الرّمزيّة هنا قد يُفيد إلى حدّ لا يُستهان به بطبيعة الحال، كما رأينا في السّابق، وكما سنرى في ما يلي):

  • لقد استطاعت الآلة التّقنيّة العسكريّة الأميركيّة-الاسرائيليّة أن تقتل جسد السّيّد علي الخامنئيّ مثلاً. ولكن، ما لا يستطيع هذا الذّهن التّقنيّ ادراكه هو جوانب أخرى في ما حصل، قد تكون أكثر خطورةً ومن بعيد. على سبيل المثال أيضاً: بالنّسبة إلى الرّجل المستهدَف وبالنّسبة إلى مريديه ومقلّديه ومحبّيه في إيران وحول العالم.. هل نالَ “الحُسينيّ الخامنئيّ” هذا إلّا ما كان يليق به من طريقة رحيل عن هذا العالم؟ هل من أسمى، بالنّسبة إليه، من أن يموت جسده في شهر رمضان، وهو صائم، وقد قضى العُمُر ذاكراً لله، مُقيماً للصّلاة، مؤتياً للزّكاة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مُجاهداً في سبيل الله (من وجهة النّظر قيد الدّراسة طبعاً ومجدّداً)؟

هل من أفضل لرجلٍ كالخامنئيّ، أيضاً من وجهة نظر هؤلاء، من أن يرحل عن هذه الدّنيا الفانِية بالطّريقة التي رحل عنها “جدّه” عليّ بن أبي طالب نفسه؟

عند هؤلاء، ولنركّز سويّاً على الجانب الرّمزيّ والعرفانيّ و”التّاريخيّ” معاً: هل من كرامة أفضل وأسمى لعليّ الخامنئيّ.. من أن يرحل، أبداً، كجدّه “عليّ الهاشميّ”؟ هل من كرامةٍ أعظم من ذلك؟

ثمّ يخرج بعد ذلك ابنُه “مُجتبى بن عليّ” (المجتبى، هو لقب الحسن بن عليّ بالمناسبة) على النّاس وعلى العالم، مُخاطباً، بشكل مباشر وفي رسالةٍ مشهودة، الإمام الباطن والظّاهر.. ويُلمّحُ بعدها إلى معنىً مفادُهُ أنّ التّوسّل بنور ذلك الامام وبنور الأئمّة الميامين من آبائه: لَهُو الإكسيرُ الأعظم، والكبريتُ الأحمر.. في اشارة خيميائيّة-صوفيّة ذات معانٍ ظاهرةٍ وباطنةٍ، لا يُدركها إلّا صنفٌ مُعيّن من الوعي والعقل عند الانسان؟

إذن، في هذا المثال تحديداً: لقد قَتل “العقلُ التّقنيُّ” جسدَ رجلٍ كالسّيد الخامنئيّ.. ولكن، هل يستطيع أن يرى- حقّاً- ما الذي جرى أبعد من ذلك وفوقه، من تجلٍّ لجوانب روحيّة وعرفانيّة ورمزيّة عميقة، لها تأثير على الوعي الجماعيّ.. وخصوصاً على اللّا-وعي الجماعيّ لجزء كبير من الشّعب الإيرانيّ، ولجزء كبير من شعوب المنطقة؟

إقرأ على موقع 180  "الاقتصاد الماليّ الاسلاميّ".. هل حقاً هو مفهوم جدّيّ؟

من المرجّح شبه الأكيد، أنّ قتل رجلٍ قائدٍ كالخامنئيّ، وعلى يَدَي رجُلَين من ذوي سُمعة كسُمعة نتنياهو وترامب-لا سيّما ضمن سياق الفضائح الآبستينيّة العجيبة- قد فجّر أبعاداً وجوانبَ رمزيّة ووجدانيّة وروحيّة عميقة جدّاً.. وقد تكون هي، في النّهاية، المُمسكة بمآلات الأمور في ما سيلي من أيّام وشهور وسنوات، وربّما أبعد من ذلك.

المعطيات والأمثلة الفرعيّة القريبة أو الشّبيهة كثيرةٌ جدّاً، ولا مجال لتفصيلها في هذا المقام طبعاً، ولكن لنتوقّف، بما استطعنا، عند عشرة من تجلياتها:

  • انبعاث وربّما انفجار اللّاوعيّ الجماعيّ الشّيعيّ، العلويّ والحسينيّ-الكربلائيّ تحديداً، في إيران وفي المنطقة. في رأيي الموضوعيّ، هو انفجار عميق واقعاً، لم أشهد مثيلاً له ربّما في حياتي إلى اليوم.
  • في نفس الإطار العامّ: انبعاث اللّاوعي، بل والوعي والوجدان الثّوريّ.. أيضاً في إيران والمنطقة ككلّ.
  • تجدّد وتعمّق الوعي المناهض للظّلم الاستعماريّ، والمُطالب بمقاوَمة العدوان الاسرائيليّ على الايرانيّين والمسلمين والمشرقيّين أجمَعين.
  • بروز أهمّية الجانب الرّمزيّ لِأن تظهر إيران في موقع “الخَير كلّه” الذي خرج “للشّرّ كلّه”.. خصوصاً مع وجود شخصَين كنتنياهو وترامب حول الطّاولة، كما أشرنا، وربّما مع وجود صورة جزيرة آبستين المُريبة خلفَهما وفي نظر أغلب شعوب المنطقة (على الأقلّ).
  • تفجّر الشّعور بالخطر الوجوديّ لدى جماعات “مُقاوِمة” متعددة في الإقليم والعالم، أي أن الأمر لا يقتصر على فئة معينة.
  • تجدّد الطّاقة الثّوريّة الشّبابيّة داخل إيران وخارجها، وظهور وجوه قياديّة جديدة.
  • تجدّد الخطاب الرّمزيّ والوجدانيّ والفنّيّ كما بدأنا بالإشارة أيضاً، ومن خلال وسائل متعدّدة، منها ما ظهر ويظهر.. من جيلٍ جديدٍ واقعاً من الأناشيد والقصائد والألحان الثّوريّة.
  • دفع الفصائل المُقاوِمة في العراق لنفض الغبار الذي تعتبره قبيحاً عن أنفسها، وخروجها على العالم في الموقع الذي تُحبّه لهذه الأنفس.. من خلال عمليّات نوعيّة ومفاجئة، وعلى مستويات متعدّدة. أيّهما أفضل لهؤلاء النّاس: اضاعة الوقت والطّاقة في محاولة إدارة الأزمات الدّاخليّة وحملات التّحريض.. أم الخروج بمظهر “المقاوم” المنزّه المُقبلِ غيرِ المُدبر.. على الاستعمار وعلى الاحتلال وعلى حلفائهما أجمَعين؟
  • استعداد “أنصار الله” في اليمن لمقارعة بحرية جديدة في باب المندب، هُم من يُحدّدون “ساعتها الصفرية”.
  • وصولاً، طبعاً، إلى دفعَ رِجالٍ من أرضِ عاملةَ والبقاعِ الشّماليّ والغربيّ والأوسط.. للخروجِ ممّا يُشبه السّردابَ السّحريَّ العجيب، في ليلةٍ رمضانيّةٍ عجيبةٍ، ردّاً على الاعتداءات الاسرائيليّة التي عجزت الحكومة هذه عن ايقافها، وعجزت عن اعطاء أيّ اجابةٍ مقنعةٍ حول كيفيّة استعادة الحقوق وتحرير الأرض وفرض السّيادة الحقّ لا السّيادة الشّكليّة.

الأمثلة الفرعيّة كثيرة، كما أسلفنا، لكن، لنتذكّر أيضاً طرحَنا المركزيّ القائل بخطورة هيمنة “العقل المادّيّ-التّقنيّ” على وَعيِنا.. ولنتأمّل اليوم في احتمالِ أن يكون دونالد ترامب-الرّئيس الظّاهريّ العَجيب-إنّما قد فجّر ويُفجّر باطناً.. “ثورة إسلاميّة” جديدة في إيران وفي المنطقة.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  أنا وفلسطين.. أربعة تواريخ وحكايات