فرنسا في لبنان.. عودة الدور أم إدارة التراجع؟

يواجه لبنان اليوم واحدةً من أبرز المبادرات الدبلوماسية الدولية الرامية إلى التأثير في مستقبله السياسي والأمني عبر ما يُعرف بـ"الورقة الفرنسية". ولا يمكن قراءة هذه المبادرة بمعزل عن التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية الفرنسية في عهد إيمانويل ماكرون، ولا عن النقاش الدائر حول مدى استمرارية الإرث "الديغولي" في مقاربة فرنسا لمنطقة المشرق العربي. ففي حين يرى البعض أنها محاولة لإعادة تفعيل الدور الفرنسي في لبنان، يعتبرها آخرون جزءاً من مسار أوسع لإعادة تموضع فرنسا في المنطقة في ظل تراجع نفوذها التقليدي.

أولاً: “الماكرونية” والشرق الأوسط

تشهد الدبلوماسية الفرنسية في السنوات الأخيرة تحديات متزايدة، خصوصاً مع تراجع حضورها في بعض مناطق نفوذها التقليدية، ولا سيما في إفريقيا. في هذا السياق، يمكن فهم الانخراط الفرنسي في الملف اللبناني كجزء من محاولة استعادة دور فاعل في الشرق الأوسط، أو على الأقل الحفاظ على موقع مؤثر ضمن توازنات المنطقة.

ويأتي هذا التوجه الخارجي في وقت يواجه فيه ماكرون تحديات داخلية على مستوى الاستقرار السياسي، ما يدفع بعض المراقبين إلى التساؤل حول مدى قدرة فرنسا على الجمع بين إدارة أزماتها الداخلية والانخراط الفاعل في ملفات خارجية معقدة كالحالة اللبنانية.

كما يثير هذا المسار نقاشاً أوسع حول طبيعة التحول في السياسة الخارجية الفرنسية. فبينما ارتبطت المدرسة “الديغولية” تاريخياً بمقاربة تقوم على قدر من الاستقلالية والتوازن في العلاقة مع الشرق الأوسط، يرى بعض المحللين أن النهج الحالي يميل إلى مقاربة أكثر براغماتية، تأخذ في الاعتبار شبكة المصالح الدولية والاقتصادية المتشابكة.

وفي حين تسعى أوروبا إلى التمايز عن الولايات المتحدة ولا سيما فرنسا وألمانيا، في مواجهة الحرب التي تخاض ضد إيران، فإن أية مبادرة فرنسية، في الشرق الأوسط ستُواجه بالفيتو الأميركي، كما حصل أكثر من مرة.

ثانياً: تفاصيل المسودة الفرنسية

استناداً إلى ما تم تداوله إعلامياً، تتضمن الورقة الفرنسية مجموعة من البنود التي تطرح تساؤلات حول انعكاساتها على السيادة اللبنانية وطبيعة الصراع مع إسرائيل:

أولاً؛ الاعتراف والاعتداء: يطلب المقترح من لبنان إبداء استعداده للاعتراف بدولة إسرائيل والتوقيع على اتفاقية “عدم اعتداء” دائمة، مما ينهي حالة الحرب رسمياً المستمرة منذ عام ١٩٤٨. هذا البند يتجاوز القرارات الدولية (كالقرار ١٧٠١) التي تتحدث عن ترتيبات أمنية متبادلة، ليصل إلى تطبيع كامل يمنح العدو شرعية وجود مقابل وعود ورقية.

ثانياً؛ الترتيبات الميدانية: انسحاب إسرائيل من المواقع التي احتلتها منذ نهاية تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤، مقابل نزع شامل لسلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني، مع حديث عن “تحالف دولي” بإشراف مجلس الأمن الدولي لمراقبة تنفيذ نزع سلاح الحزب. المفارقة هنا أن الورقة تطلب انسحاباً إسرائيلياً من أرض لبنانية محتلة (وهو واجب عليها بموجب القانون الدولي)، وتضعه في كفة المقابل لنزع سلاح المقاومة (وهو حق وطني لمواجهة الاحتلال).

ثالثاً؛ المسار الزمني: دعوة لمفاوضات مباشرة في باريس تهدف لترسيم الحدود البرية (بما فيها الحدود مع سوريا) بحلول نهاية عام ٢٠٢٦. إشراك الحدود مع سوريا في هذه المفاوضات هو محاولة لربط الملف اللبناني بالتطبيع الإقليمي، وكأن ترسيم الحدود اللبنانية-السورية أصبح مدخلاً لحل الخلافات مع إسرائيل، مما يمس السيادة الوطنية المزدوجة.

ثالثاً: مقارنة مع التجربة الفلسطينية

يستحضر بعض المراقبين تجربة اتفاقيات “أوسلو” عند تقييم هذه المبادرة، حيث يرون أوجه تشابه في الرهانات على التسويات السياسية. في المقابل، يشير آخرون إلى اختلاف السياقات بين الحالتين اللبنانية والفلسطينية، سواء من حيث البنية السياسية أو موازين القوى.

وتبقى مسألة الضمانات موضع نقاش أساسي، خصوصاً في ظل تجارب سابقة أظهرت تفاوتاً في الالتزام بالاتفاقات، ما يدفع إلى طرح تساؤلات حول آليات التنفيذ وحدود فاعليتها.

رابعاً: جدلية “الميدان-الميزان”

تُطرح المبادرة الفرنسية أيضاً في سياق داخلي معقد، حيث يرى بعض الأطراف أن توقيتها قد يؤثر على العلاقة بين التطورات الميدانية والتوازنات السياسية الداخلية. فلطالما ارتبطت التحولات الميدانية في لبنان بإعادة تشكيل موازين القوى السياسية.

من هذا المنطلق، يُنظر إلى أي تسوية محتملة إما كفرصة لإعادة تنظيم الحياة السياسية، أو كمحاولة لتقييد انعكاس نتائج الميدان على المعادلات الداخلية، وهو ما يعكس تبايناً في قراءة الأولويات الوطنية بين مختلف القوى.

خامساً: إشكالية التمثيل الشيعي

في هذا الإطار، برز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الرافض لتسمية ممثلين عن المكوّن الشيعي في سياق هذه المبادرة التفاوضية، وهو موقف يفسره البعض على أنه تأكيد على ضرورة توافق المكونات اللبنانية على أي خيار مصيري.

في المقابل، يفتح هذا النقاش الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة التمثيل داخل الطوائف، وحدود الشرعية السياسية في القضايا السيادية الكبرى، خصوصاً في ظل التعدد داخل المجتمع اللبناني وتعقيد تركيبته السياسية.

في الخلاصة؛ تعكس “ورقة الأفكار الفرنسية” تقاطعاً بين تحولات دولية وإقليمية وتعقيدات داخلية لبنانية. بين من يراها فرصة لإعادة الاستقرار، ومن يعتبرها مدخلاً لتغييرات حساسة في التوازنات والسيادة؛ لذا، يبقى مستقبل هذه المبادرة مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى مقاربة مشتركة تأخذ في الاعتبار هواجس جميع المعنيين من جهة وبرفع “الفيتو” الأميركي على أي مبادرة فرنسية، فمن يرفض مجرد حضور فرنسا إجتماعات لجنة “الميكانيزم” برغم عضوبتها فيها وفقاً لاتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لن يسمح لها بأن تكون عرابة في ملف سياسي وعسكري وأمني بالغ الحساسية والتعقيد والأهمية كملف التفاوض اللبناني الإسرائيلي..

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  ChatGPT.. خرقٌ تقنيّ أم تقنية إنتحالٍ أدبيّ؟
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  وحدة الإغتيالات الإسرائيلية "حمام": نشأتها ومهامها وقادتها