في الطَّمَع والقَّناعَة

عقدت شابَّةٌ في دائرة المعارف والأصدقاء قرانَها، ولم يمُر شهران إلا وطلبت الانفصالَ وأتمَّت إجراءاته بالفعل. حكت في لقاء شهدَ فضولَ المجتمعين كلهم؛ نساءً كانوا أم رجالًا؛ إنها تزوَّجت بعدما لمَست بنفسِها قدرةَ العريس على توفير حياة ناعمة ومريحة، لا تخلو من كماليات ورفاهية؛ ثم إذا بها تفاجأ بسوءِ الخُلُق وقُبح المُعاملة. ردَّت إحدى الصَّديقات بعدما ظلت صامتةً طيلة القعدة؛ تتابع التفاصيلَ وتعكسها في علامات امتعاض مَمزوجة بشيء من التَّشفي: "الطمَع يقلُّ ما جمَع". 

العواقبُ السيئة التي تصيب الطَّماع قد تُشفي بعض الأوقات صدورَ الآخرين؛ لما لا، وصيغة المبالغة تشير إلى الشَّخص النهم، السَّاعي دومًا للمزيد، والذي لا يتمتَّع في العادة بمحبَّة الناس؛ إذ يرهقهم وينغّص عيشتهم ويُشعِرهم بشيء من الدونية ما قورنوا به؛ كونهم على الدوام أقل منه حالًا، فمتى تحوَّلت أطماعُه إلى نكبة؛ لم يجد منهم تعاطفًا ولا شفقة بل رضاءً وراحة، واطمئنانًا لصحَّة المَسار الذي اختاروا، واستردادًا للثقة في وجود عدالة بالدنيا.

***

كثيرًا ما يكون الدافع الرَّئيس لاختيار شريك الحياة؛ هو ما يملِك من ميزات العيشة المَيسورة الرَّحبة، بغضّ النظر عن الجوانب الأخرى، والظنُّ أن ثمَّة أمور لا تستقيم الشراكةُ دونها ولا تتمتَّع بأيّ استقرار. في السُّخرية من هذا الذي يتجرَّد طوعًا من حِكمته وبَصيرته؛ يقول المثلُ الشعبيُّ الطريف: “يا واخد القرد على ماله؛ يروح المال ويبقى القرد على حاله“. القرد الذي يحمل الذهنُ الجمعيّ انطباعًا بقبحه؛ لن تتغير هيئتُه الأولى تحت أيّ ظرف عابر، وبالمثل فإن السّمات التي فُطِرعليها الفرد، أبقى من ثروةٍ تتعرَّض في أيّ لحظة للزوال. الكلماتُ حارقةٌ لاذعة؛ لكنها تثبت مرارًا صدقَها وحصافةَ قائلها.

***

ثمَّة أخلاقياتٌ تنشأ في ظل استشراء أطماع الإنسان وتناميها، فتلازمه وتصبح جزءًا ثابتًا منه؛ وفي هذا الصَّدد تقول الأمثولة البليغة: “مَن لَزِم الطمَعَ عدِم الورع“، والقصد أن التوقَ لإشباع الرغبة، ينزع عن المرء تدريجيًا ميزة الإحساس بالشبع والاكتفاء، ويجرده من منظومة القيم التي تحفظ له هيبته واحترامه؛ فيمضي متخليًا عن حيائه، مدفوعًا نحو سُبل منحرفة ملتوية.

***

يُكنى الطمَّاع بأنه شخص “عينه فارغة“؛ يسعى دومًا للمزيد ولا يرضى أبدًا بما لديه، كلما أصاب من الثروة ما يكفيه؛ كلما تطلع لما هو أضخم وأكبر وأعظم. العينُ الفارغة تدخل طرفًا في حكمة شعبية قاسية، تتوارد على ألسنة الناس تبعًا للموقف؛ فيقال إن البني آدم طمَّاع “ما يملاش عينه إلا التراب“، والقصد أن تطلعاته تتصاعد بلا سقف وتتضخَّم؛ فلا تخضع لما يحجمها أو يحدُّ منها، ولا تنتهي إلا بخروج روحه وانتقالها إلى بارئها.

***

على الجانب المقابل للطمع؛ تقف القناعةُ، المَوصوفة في الحكمة العربية الأصيلة بأنها “كنزٌ لا يفنى“. القناعةُ قرينُ الرضاء، إذا قنع الواحد بما لديه؛ قرَّت عينُه ورضيَ عن حاله وذاته وترك الشقاءَ لغيره، بل وكلما ضاقت عليه الدنيا وقترَت من عطائها؛ كلما أسعده القليلُ وأرضاه. المفارقةُ الكائنة بين مفاهيم “القناعة” و”الاكتفاء” من ناحية، و”الكنز” من ناحية أخرى؛ تُكسِب العبارة عمقًا و ثراءً، وربما تقترب بها من التجليَّات الصُّوفية التي تجمع النقائضَ والمتضادات سويًا، وتصلها ببعضها البعض؛ دون أن يشعرَ المتلقي بتعثُّره في المعنى.

***

شكّلت أطماع القادةِ في أزمنة الامبراطوريات الشاسِعة، مُنطلقًا رئيسًا لاحتلال الدول ذات الثروات الطبيعية الوفيرة، التي لاحت أدنى تطورًا وأقل عدَّة وعتادًا وشأنا. ضمَّت فرنسا تحت رايتها بلدانًا عدة، ومثلها بريطانيا العظمى، وكان أن مرَّت الأيامُ وتبدَّلت الأحوال، وتغيرت صورةُ الاحتلال المباشر واستُبدِلَت بها أنماطٌ اقتصادية تبدَّت أكثر أناقة ومُسالمة رغم قدرتها الهائلة على استنزاف الموارد واستعباد الناس؛ ثم إذا بالتاريخ يكرر نفسَه، فيستعيد كبار القادة المُعاصرين ثلةَ الأطماع الصَّريحة في ثروات البلدان الأضعف. لا يعدم دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة جرأة في التعبير عن مطامعه التي فاقت أبعد التصوُّرات، وجبَّت أسوأ الكوابيس؛ أطماع في الخليج العربيّ وما حوله وما يبعد أيضًا عنه، أطماع في الشرق والغرب، ومثلها في الشمال والجنوب. أطماع مقترنة بمزيج من الغرور والفجاجة وانعدام المبادئ؛ بل وبانهيار مكانة الكلمة التي عُدَّت ذات يوم من شرف قائلها، وكذلك من مُحددات مَوضِعه على خريطة العقلاء.

***

الطمع هو القاعدة الأساسية التي تعتمد عليها المقامرة باختلاف صورها وضروبها؛ ثمَّة من تدفعه رغبته في الترقي على سُلَّم السُّلطة إلى طرح كرامته على المائدة، ومَن تزين له أحلامُه وضعَ القليل الذي يملك، نظير مَكسَب سريع غير مأمون، وأحيانًا غير مشروع.

***

ثمَّة من يقامر بماله طامعًا في مضاعفته، ومن يقامر بحياته طمعًا في أخرى أفضل، ومن يعزف عن أي مقامرة راجيًا السلامة. قامرنا ذات يوم بالفتات الذي ملكنا؛ ذهب الفتات تاركًا القحط وحده في جعابنا، والحق أن مقامرةَ أخرى لن تأت بما هو أسوأ؛ فما عاد في الأفق مزيد من المذلة، وما عادت على الأرض حالٌ أهون أو أدنى.

***

قد تمتدُّ يدُّ الطمع بعيدًا عن أمور الحِسابات والثَّروات والأملاك والعَقارات، بعضُ الأشخاص يطمعون في تخليد أسمائهم بشتى الوسائل ولو بدت مضحكة؛ ويُذكَر في هذا الصدد إطلاق الرئيس الأمريكي اسمه على مضيق هرمز، دون أن يعرفَ السامعون على وجه اليقين إن قصد القولَ أو زلَّ لسانه؛ لكن الثابت على كل حال أنه أقحم اسمه سلفًا على منشآت قديمة الوجود؛ هوسًا بتكريم ذاته طالما لم يكرمه الآخرون. لا ينفرد دونالد ترامب بهذه العلة، فرؤساء عدَّة سبقوه و آخرون سيلحقون به؛ لا إلى صفحات المجد والخلود؛ بل إلى سَلة النفايات الحافلة بتاريخ الحمق والجنون.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  الأم "تُهلوّس" حسب حكاية "أم حسين"!
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  من العراق إلى لبنان.. فرصة بين صقيع الأزمة وحرارة الدم