حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح والاقتصاد إلى ميدان.. أزمة النظام العالمي

لا يجوز النظر إلى ما يجري اليوم في منطقتنا بوصفه مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لأن هذه الصورة، على صخبها، لا تعدو كونها السطح الظاهر لزلزال أعمق بكثير: زلزال يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الاحتمال، ويمتحن تماسك نظام دولي لم يعد يمتلك لا العقل الجماعي اللازم لاحتواء الصدمات، ولا الإرادة السياسية المشتركة التي تتيح للقوى الكبرى أن تدير خلافاتها من دون أن تدفع العالم كله إلى حافة الاختناق.

وإذا كانت الموارد تمثل عضلات النظام الدولي، فإن الإدارة تمثل عقله. وحين يختل هذا العقل، أو ينقسم على نفسه، أو يتعطل تحت وطأة الشكوك والمصالح المتعارضة، لا تعود الخسائر مرتبطة بحجم الحدث وحده، بل تتضخم بفعل سوء التصرف فيه، وضعف التنسيق حياله، وغياب الرؤية المشتركة لاحتوائه. ومن هنا تبدو المقارنة بين الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي وأزمة عام 2008 مفيدة؛ فهي مفتاح لفهم اللحظة الراهنة نفسها.

في الكساد العظيم قبل نحو مائة سنة لم يكن الانهيار الاقتصادي وحده هو العنصر الكارثي، بل انضم إليه فقدان القيادة والإدارة والإرادة والتنسيق، فامتدت الأزمة وتعاظمت آثارها وانتهت إلى حرب عالمية أعادت تشكيل العالم بالقوة والدمار. أما في أزمة الـ 2008، وعلى الرغم من عمق الارتجاج واتساعه، وُجد حد أدنى من الوعي المؤسسي والتنسيق بين المراكز الكبرى، بما سمح بتخفيف الكلفة، ومنع الانهيار الكامل، وتسريع التعافي النسبي.

في يومنا هذا، يبدو العالم أقرب بكثير إلى البيئة الأولى منه إلى الثانية. قادة شعبويون وديكتاتوريون، قوى كبرى متنافرة، تحالفات رخوة، شكوك متبادلة حتى بين الحلفاء التقليديين، قوميات اقتصادية خشنة في صعود متواصل، ورسوم وضغوط وعقوبات وابتزاز يتقدّم فيها منطق الإكراه على منطق التعاون. ولهذا، فإن أي حرب تُشعل الآن لا تقع فوق أرض دولية صلبة، بل فوق بنية متعبة، متصدعة، ضعيفة المناعة. وكل نار تُشعل في هذه البنية لا تبقى موضعية ولا محصورة، بل تغدو مرشحة للامتداد أسرع ولإحداث أثر أعمق، لأن العالم الذي يستقبلها لم يعد يملك ما يكفي من العقل الجماعي لإطفائها، ولا ما يكفي من الثقة المتبادلة لتطويقها.

إنّها.. أزمة أميركا

في قلب هذا المشهد المأزوم تقف الولايات المتحدة، لا بوصفها طرفًا أساسيًا في الصراع فحسب، بل بوصفها أيضًا أحد المراكز البنيوية للأزمة ذاتها. فواشنطن لا تدخل هذه الحرب من موقع القوة الخالصة كما توحي ترسانتها العسكرية، بل من موقع ملتبس تختلط فيه وفرة القوة الظاهرة بعمق الاختلال الاقتصادي والاستراتيجي. الدين العام الأميركي لم يعد تفصيلًا ماليًا هامشيًا في دفاتر الخزانة، بل تحوّل إلى أحد أكثر عناصر الضعف تركيبًا داخل الهيمنة الأميركية نفسها. فمنذ خروج الدولار من قيد الذهب، تأسست القوة الأميركية الحديثة على معادلة دقيقة بالغة الحساسية: إصدار النقد، وتمويل العجز، واستمرار جذب العالم إلى سندات الخزانة وإلى الثقة بالدولار باعتباره مركز النظام المالي الدولي ووعاءه المرجعي. وقد منحت هذه المعادلة الولايات المتحدة لعقود امتيازًا استثنائيًا، إذ أتاحت لها أن تموّل النفوذ بالعملة، وأن تموّل الهيمنة بالدين، وأن تجعل من الدولار أداة سلطة كونية تتجاوز حدودها القومية. لكنها، في المقابل، راكمت فوق هذا الامتياز جبالًا من الالتزامات، إلى أن صار الدين نفسه عامل ضغط على القرار السياسي، وعنصر اختلال في بنية القوة، لا مجرد رقم متضخم في السجلات المالية.

المعضلة الأميركية اليوم أن هذا الدين يتسارع بوتيرة لا يوازيها نمو مماثل في قدرة الاقتصاد الحقيقي على حمله من دون كلفة متفاقمة. وقد جاءت جائحة كورونا، ثم الحرب الأوكرانية، لتضاعفا هذا الخلل البنيوي، وتدفعا الإنفاق الأميركي إلى مستويات هائلة، في وقت أصبحت فيه التوازنات النقدية أكثر هشاشة، والتضخم أكثر قابلية للتحول إلى تهديد داخلي دائم، وسوق الفائدة أكثر حساسية لأي ارتجاج إضافي. وحين تصبح الدولة الأعظم محكومة بثقل التزاماتها المالية، ومقيمة في ظل احتمال دائم لعودة التضخم واضطراب أسعار الفائدة وتآكل الثقة المطلقة بعملتها، فإن أي صدمة جديدة في الطاقة أو التجارة أو الغذاء لا تبقى أزمة خارجية بعيدة، بل تتحول فورًا إلى عبء داخلي مباشر.

بهذا المعنى، لا تبدو الحرب منفصلة عن أزمة أميركا، بل متصلة بها عضويًا: دولة تريد الحفاظ على هيمنتها العالمية فيما أدوات هذه الهيمنة نفسها بدأت تستنزفها، وتفرض عليها أكلافًا متزايدة، وتقلّص هامش مناورتها التاريخي.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم جانب أساسي من دوافع الاندفاعة الأميركية. فالصراع لم يعد يدور فقط حول إيران بوصفها خصمًا إقليميًا، ولا حول إسرائيل بوصفها حليفًا يحتاج إلى الحماية، بل حول الخرائط الجديدة للقوة الاقتصادية في العقود المقبلة. الولايات المتحدة ترى بوضوح أن العالم يتحرك بثقله نحو الشرق، وترى الصين تتقدم بهدوء وثبات نحو موقع الصدارة، لا عبر المغامرات العسكرية، بل عبر البناء الداخلي، والتوسع الإنتاجي، وتعظيم القدرة الصناعية، ومدّ شبكات الربط التجاري والاستثماري على امتداد القارات. وفي المقابل، تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى استثمار فائضها العسكري والجيوسياسي لتعويض ما تفقده تدريجيًا من تفوق اقتصادي نسبي. وعندما تشعر القوة المهيمنة أن منافسها الاستراتيجي يصعد بطاقة أقل كلفة، وأكثر استدامة، وأوسع أفقًا، يصبح التحكم بمصادر الطاقة وبممراتها وبالبلدان الواقعة عند تقاطعاتها جزءًا من معركة كبح التحول التاريخي نفسه، لا مجرد دفاع عن مصالح ظرفية أو حسابات أمنية عابرة.

هرمز.. معضلة استراتيجية

لهذا، لا يمكن فصل الحرب الراهنة عن سؤال الطاقة العالمي، ولا عن الصراع على مفاصلها الحيوية. فإيران ليست مجرد دولة في مواجهة خصوم إقليميين ودوليين، بل تقع عند تقاطع بالغ الحساسية بين الاحتياطات ومسارات الإمداد وموقع الخليج في سوق الطاقة وحاجة آسيا، وعلى رأسها الصين، إلى تدفقات مستقرة ومأمونة. وإذا كانت بكين قد بنت تمددها بهدوء عبر الاقتصاد والبنية التحتية ومشاريع الربط الواسعة، فإن واشنطن تميل إلى مقاربة أكثر خشونة، قوامها تطويق الخصوم وخنقهم أو إعادة تشكيل البيئة المحيطة بهم بما يُبطّئ صعودهم. غير أن المفارقة الكبرى هنا أن هذا النوع من اللعب على الشرايين الحيوية قد يرتد على أصحابه أنفسهم، لأن من يقترب من النار عند عصب الطاقة العالمي لا يملك ضمانة كاملة بأنه سيتحكم وحده باتجاه اللهب، ولا بحجم الحريق الذي قد يولده.

هنا يبرز مضيق هرمز، لا بوصفه مجرد معبر بحري، بل بوصفه العقدة التي تتحول فيها الجغرافيا نفسها إلى أداة قوة وإلى سلاح استراتيجي. فالأزمة هنا ليست تفصيلًا عسكريًا في حرب أميركية ـ إسرائيلية على إيران، ولا حادثًا ملاحيًا يمكن احتواؤه داخل حدود الخليج، بل لحظة تكشّف فيها العالم أمام هشاشته. ذلك الشريط البحري الضيق الذي طالما جرى التعامل معه بوصفه ممرًا مضمونًا لانسياب التجارة والطاقة ظهر فجأة باعتباره عنق زجاجة قادرًا وحده على إدخال الاقتصاد الدولي في حالة اختناق إذا طال الشلل فيه. نحن هنا لا نعبر أمام طريق تمرّ فيه ناقلات النفط فحسب، بل أمام عقدة استراتيجية تتقاطع فيها الطاقة والتجارة والقانون والردع العسكري. هنا يتحول البحر من فضاء للمرور إلى ساحة لإعادة تعريف من يملك حق المرور، ومن يفرض شروطه على الملاحة، ومن تكون له الكلمة العليا عندما يتراجع النص وتتقدم موازين القوة.

بهذا المعنى، شكّل هرمز صدمة استراتيجية ثلاثية الأبعاد. فهو أولًا شريان نفطي وغازي لا يمكن تعويضه بسهولة، لأن أي تعطيل طويل فيه لا يعني فقط انقطاع شحنات، بل ارتباكًا في واحدة من أكثر البنى حساسية في الاقتصاد العالمي. وهو ثانيًا عقدة اقتصادية لا يبقى اضطرابها داخل الخليج، بل ينتقل فورًا إلى أسعار الطاقة، وكلفة الشحن، وأقساط التأمين، وسلاسل التوريد، والتضخم، والنمو في القارات كلها. وهو ثالثًا ساحة قانونية ـ سياسية تطرح سؤالًا شديد الحساسية: من يملك حق تنظيم المرور في مضيق دولي؟ ومن يملك حق تعطيله أو تقييده؟ ومن ينفّذ القانون إذا كانت الأطراف الأكثر التصاقًا بالأزمة نفسها خارج آليات الإلزام القضائي المباشر؟

إقرأ على موقع 180  هذا الفيروس الذي يجعلنا نسأل

يختصر هرمز إيقاعًا اقتصاديًا كاملًا بُنيت عليه الصناعة والنقل والتصنيع والاستهلاك والتخزين والتسعير في قارات بأكملها. وحين يتعطل هذا الشريان لأسابيع، لا يعود السؤال متعلقًا بسعر برميل النفط وحده، بل بقدرة الاقتصاد العالمي نفسه على مواصلة الإيقاع الذي بُني عليه. ومن هنا لم تكن قفزة أسعار النفط مجرد انعكاس نفسي في الأسواق، بل نتيجة مباشرة لانقطاع كميات هائلة عن الدورة الاقتصادية العالمية، ولاضطرار دول الخليج نفسها إلى خفض إنتاجها أو إبطاء تصديرها، بما ضاعف أثر الصدمة. وفي هذه اللحظة انكشفت كذلك هشاشة نموذج اقتصادي لدى دول الخليج بُني لعقود على افتراض أن هرمز سيبقى مفتوحًا بوصفه ممرًا طبيعيًا ومضمونًا لتدفق النفط والغاز. فهذه الدول لا تخسر هنا مجرد جزء من صادراتها، بل تواجه ارتجاجًا مباشرًا في إيراداتها، وفي انتظام شحناتها، وفي صدقيتها كمورّد مستقر للأسواق العالمية.

صدمة متعددة الأبعاد

الأثر الاقتصادي السلبي لا يقف عند حدود دول الخليج المنتجة، بل ينسحب على الاقتصاد العالمي كله. فالارتفاع في كلفة الطاقة ينعكس مباشرة على النقل البحري والبري، وعلى الصناعة، وعلى أسعار المواد الغذائية والأدوية والأسمدة والمعادن والمواد الأولية، وسائر السلع التي تحتاج إلى طاقة أو إلى شحن أو إلى مدخلات مشتقة من النفط والغاز. وبذلك تغدو الأزمة تضخمًا عالميًا جديدًا، لا حدثًا قطاعيًا محدودًا. وفي الاقتصادات الهشة خصوصًا، لا يعني النفط المرتفع فقط فاتورة استيراد أعلى، بل يعني أيضًا ضغوطًا على العملات المحلية، وخروجًا للأموال الساخنة، وتدخلًا مكلفًا من المصارف المركزية لحماية سعر الصرف وامتصاص الذعر. وهكذا تتحول أزمة هرمز في هذه الدول إلى أزمة نقدية ومالية واجتماعية في آن واحد. فما يظهر في الاقتصادات الكبرى على شكل غلاء إضافي، يظهر في الاقتصادات الأضعف كتهديد مباشر للاستقرار المالي والنقدي، وكعبء قد يلتهم الاحتياطيات، ويضغط على المالية العامة، ويزيد احتمالات الانكماش أو الانفجار الاجتماعي.

لكن القوة الإيرانية في هرمز لا تقوم على إعلان سياسي أو تهديد لفظي فقط، بل على هندسة جغرافية ـ عسكرية دقيقة. فإيران لا تحتاج إلى احتلال البحر بالمعنى الكلاسيكي كي تجعل المضيق رهينة. يكفيها أن تبني منظومة مترابطة من الجزر، والرادارات، والزوارق السريعة، والألغام، والصواريخ، والطائرات المسيّرة، والمواقع اللوجستية، بما يجعل المرور مكلفًا وخطرًا وقابلًا للتعطيل. وهنا تكتسب الجزر الإيرانية أهميتها الاستثنائية: فهي ليست مجرد تضاريس مبعثرة، بل عقدًا في شبكة تحكم متكاملة. الجزر هنا تتحول إلى منصات إشراف ورصد وتهديد وردع، بما يجعل الجغرافيا نفسها سلاحًا متكاملًا، لا مجرد خلفية للمواجهة. ومن ثمّ، لا تبدو أي محاولة أميركية لفتح المضيق بالقوة مهمة بحرية عادية. فالمشكلة لا تكمن في مرافقة ناقلات أو فرض عبور مؤقت، بل في تفكيك معمار كامل صُمم على قاعدة حرمان الخصم من سهولة الدخول وحرية الحركة. والحديث عن إنزال قوات، أو السيطرة على بعض الجزر أو تحييدها، أو ضرب مواقع مفصلية في الشبكة الإيرانية المحيطة بالمضيق، يكشف أن الولايات المتحدة لا تواجه زورقًا أو لغمًا أو جزيرة منفردة، بل بنية ردع بحري غير متماثل كاملة التماسك.

الضحية الأكبر لإقفال هرمز هي دول الخليج. فهذه الدول التي راكمت طوال عقود فوائض مالية ضخمة، وشيدت بنى تحتية حديثة، ووسعت استثماراتها وسيولتها ونفوذها الاقتصادي، تجد نفسها اليوم أمام حرب تضربها من الشريان الذي تتغذى منه ثروتها. ومن هنا، لم يعد الأمن الاقتصادي الخليجي يُقاس بحجم الاحتياطيات أو الفوائض وحده، بل بمدى تنويع المنافذ، والقدرة على تجاوز نقاط الاختناق، والاستعداد اللوجستي لمواجهة أزمات طويلة النفس. لقد خرج الاستثمار في البدائل من كونه خيارًا تقنيًا أو ترفًا هندسيًا إلى كونه جزءًا أصيلًا من تعريف السيادة الاقتصادية نفسها. ذلك أن الدول لا تحمي ثرواتها اليوم فقط بمراكمة الأموال، بل ببناء المسارات التي تضمن استمرار تدفقها ساعة الاختبار.

حرب على معنى الاستقرار

ثمة خلاصة لا تحتمل أي التباس: ما يجري ليس مجرد حرب جبهات، بل حرب على الثروة، وعلى النمو، وعلى الاستقرار الاجتماعي، وعلى خرائط التوازن الاقتصادي الدولي في العقود المقبلة. إنها حرب تكشف أن القوة العسكرية لم تعد وحدها المحدد الحاسم في رسم النفوذ، وأن نقطة اختناق جغرافية واحدة قد تكفي لزعزعة حسابات قوى عظمى، ولدفع اقتصادات بأكملها إلى حافة التباطؤ أو الركود أو التضخم. كما تكشف، بوضوح لا لبس فيه، أن العالم حين يفقد القدرة على الإدارة الرشيدة يعود سريعًا إلى منطق الأزمات الكبرى التي لا تتوقف عند حدود شرارتها الأولى، بل تتمدد لأن أحدًا لم يعد يملك ما يكفي من عقل الإطفاء، ولا من الإرادة المشتركة لإخمادها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس من يربح ميدانيًا، بل من يستطيع أن يمنع هذه الحرب من التحول إلى ماكينة شاملة لاستنزاف الثروات، وإفقار المجتمعات، وتدمير شروط العيش، وإعادة رسم خرائط النفوذ فوق أنقاض الاستقرار. الولايات المتحدة تدخلها وهي مثقلة بديونها، وباهتزاز يقينها التاريخي بنفسها وبمستقبل تفوقها. الصين تراقبها بعين الخسارة المحسوبة والربح المؤجل، مستفيدة من طول النفس ومن منطق التراكم. إيران تستخدم الجغرافيا والاختناق الاقتصادي سلاحًا تعويضيًا عالي الفاعلية، وتريد أن تجعل من المضيق جزءًا من تعريف السيادة والتفاوض والردع. والخليج يقف أمام أخطر امتحان لأمنه الاقتصادي منذ عقود، لا من زاوية الأسعار وحدها، بل من زاوية القدرة على حماية الشريان نفسه. أما العالم كله، فيتعلم مرة جديدة أن الحروب الحديثة لا تكتفي بقتل البشر، بل تتقن أيضًا تدمير شروط العيش، وتفكيك الاستقرار، وإعادة توزيع الألم على الجميع، وإن بدرجات متفاوتة.

إنها، حرب على معنى الاستقرار نفسه. حرب على فكرة النمو حين يصبح رهينة الممرات. حرب على رفاه المجتمعات حين تتحول الطاقة إلى أداة ابتزاز كوني. حرب على القانون الدولي حين يظهر عاجزًا عن فرض نصوصه في وجه القوى المتصارعة. حرب على التجارة العالمية حين ينكسر يقين المسار والعقد والتأمين. وحرب على النظام الدولي حين يعجز عن ضبط التناقضات التي راكمتها هيمنته القديمة وصراعاته الجديدة.

في المحصلة، لا تختبر هذه الحرب موازين القوة العسكرية بقدر ما تختبر قدرة العالم على إدارة أزماته. فالنار التي تشتعل في الجبهات تمتد سريعاً إلى الأسواق، ثم إلى المجتمعات، ثم إلى بنية الاستقرار العالمي نفسه.

السؤال لم يعد من يربح المعركة، بل من يستطيع أن يحدّ من كلفتها، ومن يملك القدرة على منع تحوّلها إلى أزمة شاملة تعيد رسم خرائط النفوذ على حساب الاستقرار العالمي. وفي عالمٍ فقد الكثير من أدوات التنسيق والإدارة، تبدو المخاطر أكبر من أن تُحصر في جبهة، وأعمق من أن تُفهم بوصفها حرباً تقليدية.

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الكوجيتو اللبناني: أنت طائفي، إذاً أنت حقير!