هُرمز يكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي.. ماذا عن البدائل؟

لم يعد من الممكن قراءة الاقتصاد العالمي اليوم بالمعادلات الكلاسيكية التي تربط العرض بالطلب، ولا حتى عبر دورات التضخم والانكماش المعهودة، إذ إن ما يتكشف تدريجيًا هو انتقال نوعي في طبيعة الأزمات نفسها. فبدل أن تبقى هذه الأزمات ضمن نطاق الصدمات الاقتصادية القابلة للاحتواء، باتت تتحول إلى اختناقات جيوسياسية تعيد تعريف قواعد اللعبة من أساسها.

في قلب هذه التحولات، يبرز مضيق هرمز لا بوصفه مجرد ممر مائي، بل كعقدة استراتيجية أعادت رسم خرائط الطاقة والتجارة، وفي الوقت نفسه كشفت هشاشة النظام الاقتصادي الدولي عندما يتعرض أحد شرايينه الحيوية للاختناق. ومن هذه النقطة تحديدًا، يبدأ التحول من فهم الأزمة كظاهرة اقتصادية إلى إدراكها كاختبار بنيوي لقدرة النظام العالمي على الصمود.

فإذا كانت الأزمات الاقتصادية التقليدية، حتى في أشد لحظاتها، قابلة للتفسير ضمن نماذج العرض والطلب، فإن المشهد الراهن يكسر هذه القاعدة. خلال جائحة كورونا مثلًا، انهار الطلب في البداية قبل أن يبدأ بالتعافي التدريجي، فيما تعرضت سلاسل الإمداد لاضطرابات أمكن رصدها والتعامل معها عبر سياسات نقدية ومالية منسقة. أما اليوم، فالوضع مختلف جذريًا، إذ إن الأزمة لا تنبع من خلل داخلي في السوق، بل من تدخل مباشر للجغرافيا السياسية في صلب العمليات الاقتصادية.

ومن هنا، فإن تعطّل مضيق هرمز لم يؤدِ فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل أعاد تشكيل العلاقة بين الكمية والسعر. لم تعد الأسعار تعكس ندرة نسبية يمكن تعويضها بمرور الوقت، بل أصبحت تعكس انقطاعًا فعليًا في التدفقات، ما يجعل أي ارتفاع سعري عاجزًا عن إعادة التوازن. وبذلك، يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام معادلة جديدة: حين تصبح الجغرافيا غير مستقرة، تفقد الأسواق قدرتها على التكيف الذاتي، وهو الفارق الجوهري الذي يميز الأزمة الحالية عن سابقاتها.

وفي سياق هذه التحولات، تبرز مفارقة لافتة للانتباه في سوق الطاقة، حيث لم تكن الدول المصدّرة للنفط في قلب منطقة الصراع هي المستفيد الأكبر من ارتفاع الأسعار، بل على العكس، كانت من أبرز الخاسرين. فالارتفاع الحاد في الأسعار لم يُترجم إلى عوائد مالية إضافية، بسبب التراجع الكبير في كميات التصدير وتعطل البنية التحتية. وتشير التقديرات إلى أن العراق ودولاً خليجية تكبدوا خسائر يومية تتجاوز المليار دولار نتيجة انخفاض الصادرات، وهو ما يكشف عن حقيقة بنيوية مفادها أن اقتصاد التدفقات المستمرة لا يمكن أن يعوض انقطاع الكمية بمجرد ارتفاع السعر.

وفي المقابل، برزت دول بعيدة جغرافيًا عن الصراع كمستفيدة من هذه الأزمة، إذ تمكنت دول مثل روسيا وكندا والنرويج والبرازيل من زيادة إنتاجها أو الحفاظ على استقرار صادراتها، مستفيدة من ارتفاع الأسعار دون تحمل كلفة المخاطر الجيوسياسية المباشرة. وهكذا، تعيد الأزمة توزيع الثروة العالمية بطريقة غير متوقعة، حيث ينتقل الريع النفطي من مراكز الإنتاج التقليدية إلى أطراف النظام، في تحول يعكس ديناميات جديدة في الاقتصاد العالمي.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى داخل الاقتصادات الوطنية نفسها، حيث تختلف طبيعة توزيع العوائد بحسب البنية الاقتصادية. ففي الدول التي يهيمن فيها القطاع العام على النفط، تذهب المكاسب إلى الحكومات، ما يعزز قدرتها المالية، ولو نظريًا. أما في الاقتصادات الليبرالية، فتذهب الحصة الأكبر إلى الشركات الخاصة، ما يخلق فجوة واضحة بين الأداء الاقتصادي الكلي والشعور العام لدى المواطنين، وهو ما يضيف بعدًا اجتماعيًا للأزمة الاقتصادية.

ومع انتقال الصدمة عبر حلقات الاقتصاد، يصل أثرها في نهاية المطاف إلى المستهلك النهائي، الذي يتحمل العبء الأكبر. وقد تجلى ذلك بوضوح في الارتفاعات الحادة لأسعار الوقود في عدد من الدول، حيث تجاوزت الزيادات في بعض الحالات 50%. غير أن اللافت للانتباه هنا ليس فقط حجم الارتفاع، بل التباين الكبير في استجابة الحكومات لهذه الصدمة.

فمن جهة، اختارت دول مثل اليابان والصين التدخل المباشر عبر دعم الأسعار أو التحكم فيها، بهدف احتواء التداعيات الاجتماعية ومنع انتقال الصدمة إلى مستويات أوسع من الاقتصاد. ويعكس هذا التوجه إدراكًا سياسيًا عميقًا بأن التضخم في أسعار الطاقة ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل عامل استقرار داخلي. ومن جهة أخرى، تبنت دول أخرى سياسات أكثر تحررًا، تاركة الأسعار تتكيف مع السوق، وهو خيار قد يبدو متسقًا مع مبادئ الاقتصاد الحر، لكنه يحمل مخاطر اجتماعية واضحة، وبخاصة في ظل تآكل القدرة الشرائية.

أما في العالم العربي، فقد تراوحت الاستجابات بين هذين النموذجين، مع محاولات مستمرة لتحقيق توازن دقيق بين ضبط المالية العامة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. غير أن هذا التوازن يبدو هشًا في ظل استمرار الأزمة وتفاقم الضغوط.

وبينما تشكل الطاقة العمود الفقري للاقتصاد العالمي، فإن الغذاء يمثل أساس الاستقرار الاجتماعي، وهنا تظهر إحدى أخطر تداعيات الأزمة، إذ يبدأ الاختناق بالانتقال من قطاع الطاقة إلى سلاسل الإمداد الغذائية. فقد أدى تعطّل مرور الأسمدة، وبخاصة اليوريا، عبر مضيق هرمز إلى صدمة في الأسواق الزراعية، انعكست في ارتفاع ملحوظ للأسعار.

ولا يقتصر تأثير ذلك على زيادة تكاليف الإنتاج، بل يمتد ليهدد الإنتاج الزراعي نفسه في المواسم القادمة، ما يفتح الباب أمام أزمة أعمق. وبرغم أن الوضع الحالي لا يزال أقل حدة مقارنة بذروة جائحة كورونا أو بداية الحرب الأوكرانية من حيث تكاليف الشحن وأسعار الغذاء، فإن المؤشرات تشير إلى مسار تصاعدي مقلق، ولا سيما أن الأزمة الحالية تتغذى من عامل عدم اليقين، ما يجعل الأسواق أكثر حساسية إزاء أي تطور ميداني.

إقرأ على موقع 180  "حوارات بوتين"... هكذا حدث الانقلاب في أوكرانيا

وفي هذا السياق، تكشف الأزمة عن هشاشة هيكلية في اقتصادات الخليج، تتمثل في الاعتماد الكبير على الاستيراد، خصوصًا في مجال الغذاء. فمرور أكثر من 70% من الواردات الغذائية عبر مضيق هرمز يجعل هذه الدول تتأثر مباشرة مع أي اضطراب يصيب هذا الممر الحيوي. ومع ذلك، تختلف درجة الهشاشة من دولة إلى أخرى.

فالسعودية تمتلك هامش مناورة أكبر بفضل موانئها على البحر الأحمر، ما يتيح لها تنويع مسارات الإمداد، بينما تعتمد دول مثل الإمارات وقطر بشكل كبير على المخزونات الاستراتيجية كآلية لامتصاص الصدمات. أما الكويت والبحرين، فتواجهان تحديات أكثر حدة، حيث ينعكس أي اضطراب بسرعة على الأسعار المحلية، وبخاصة في السلع الطازجة. وهذا الواقع يدفع نحو التفكير في بدائل لوجستية، كالمسارات البرية أو استخدام موانئ بديلة، إلا أن هذه الخيارات، برغم ضرورتها، تبقى محدودة القدرة ومرتفعة التكلفة، ما يجعلها حلولًا جزئية لا استراتيجية.

وفي موازاة ذلك، يظهر سلوك الأسواق المالية كأحد أكثر جوانب الأزمة تعقيدًا، إذ تبدو ردود الفعل الحالية أكثر حدة حتى مقارنة بفترات كانت المؤشرات الاقتصادية فيها أكثر سلبية، كما حدث خلال جائحة كورونا. ويعود ذلك أساسًا إلى حالة عدم اليقين التي تهيمن على المشهد.

ففي الأزمات السابقة، كان هناك أفق زمني واضح نسبيًا للتعافي، مدعوم بتدخلات حكومية واسعة، أما اليوم، فالمشهد مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين التصعيد الإقليمي واتساع رقعة الصراع. وفي الوقت نفسه، تجد الحكومات نفسها في موقع أضعف، نتيجة تراكم الديون السيادية، ما يحد من قدرتها على إطلاق حزم تحفيز كبيرة أو تقديم دعم واسع النطاق، وهو ما يترك الأسواق أكثر عرضة للتقلبات الحادة.

وفي ضوء كل ما سبق، تكشف الأزمة الراهنة عن تحول عميق في بنية الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد الأزمات تُقاس فقط بمؤشرات النمو والتضخم، بل بدرجة استقرار الجغرافيا السياسية التي تقوم عليها سلاسل الإمداد. نحن أمام اقتصاد يعمل في بيئة من اللايقين المستدام، حيث يمكن لأي اختناق جيوسياسي أن يتحول بسرعة إلى أزمة عالمية.

وبالتالي، لم يعد السؤال الأساسي هو كيف يمكن للأسواق أن تتكيف، بل كيف يمكن للنظام الدولي نفسه أن يعيد بناء آليات أكثر مرونة لمواجهة عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية. فالمسألة لم تعد مجرد أزمة عابرة، بل اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على إعادة تعريف نفسه في عصر تتحول فيه الممرات البحرية إلى خطوط تماس، وتصبح فيه الجغرافيا، مرة أخرى، قدرًا اقتصاديًا لا يمكن تجاهله.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  بين "الفيتو" السعودي والانتخابات النيابية.. أين يقف سعد الحريري؟