زُفّت آمال في مشهد يشبه العرس، وهي تستحق أكثر من ذلك، هي وأهل الجنوب كلهم، الواقفون وحدهم هناك في أقصى زاوية ملاصقة لفلسطين. ساد صمت طويل في بقع مختلفة، وكنا نتمنى أن تبقى آمال هناك تنقل تفاصيل التفاصيل، حتى آخر روح باقية في أرض سُقيت من عرق ودم أهلها مرات ومرات.
***
تعرّفت إلى الجنوب منذ سنين، وهناك عرفت معنى أن تسكن بلدة في وادٍ أو على سفح جبل، أمامه السهول منبطحة، تتلون مع الفصول؛ تارة خضراء كما قلوب أهلها، ومرات بألوان وألوان. هناك، في جنوب الجنوب، تعرّفت كيف تتغير ألوان الطبيعة مع الفصول، وكيف يتحول السهل إلى امتداد من أزهار ونباتات؛ من الأقحوان، والدحنون (أو شقائق النعمان)، والخبيزة التي تمتد من فلسطين إلى جنوب لبنان.
***
يبهرك جنوب الجنوب بجمالٍ لا يعرفه كثيرون. ليس جمال المدن الصاخبة ولا المنتجعات المزدحمة، بل جمال الصمت، جمال البساطة، جمال الأرض حين تلتصق الروح بها؛ أي يبقى صاحب الأرض ممسكًا بترابها حتى آخر رمق. هناك، لا تكون الطبيعة خلفية للمشهد، بل هي جزء من الحياة اليومية، من الذاكرة، من الحكاية التي تُروى جيلًا بعد جيل.
***
لكن هذا الجمال لا يُرى كما هو. دائمًا هناك ظلّ يمرّ فوقه، قلقٌ دائم؛ فهناك من هو متربص بهذه الأرض. لا تتوقف طائراته عن اختراق حرمة سمائها، وتبقى بالونات تحمل الكاميرات تصوّر كل نفس وكل حركة، وكأنك تقف هناك وحدك. يتحدث أهلها عن أرضهم وانتصاراتهم بفخر، ويواجهون الموت بكثير من العزة، ويدفنون شهداءهم إذا ما استطاعوا إلى ذلك، أو يودّعونهم في بقعة هنا أو هناك، حتى يحين موعد الرقاد الأخير في حضنها.
***
آمال خليل بقيت متمسكة بجنوبها، تنقل الحدث وتفاصيل أيام أهله؛ تلك التفاصيل التي تظهر في وجه امرأة تنتظر خبرًا، أو تعود لتجد بقايا بيتها الذي كان، فتقف لترفق الحجر حجرًا، وتعيد البناء. أو في عيون طفل يركض بين الحقول، وقد اعتاد أصوات طيرانهم واختراقهم لحاجز الصوت. أو حتى في نبتة تقاوم الدمار، فتخرج من تحت الركام وتزهر. ولأن أهل الأرض مثل نبتها، لا يموتون، بل يولدون من جديد بعد كل معركة.
يعرف الصهيوني أن عليه أن يكسر إرادتهم وسرديتهم أيضًا، فتبقى الرواية كما يريدها هو، بينما آمال ورفاقها يحاربونه بأهم سلاح في المقاومة، وهو الكلمة والصورة وتفاصيل اللحظة.
في استشهادها، لم تُستهدف فقط لأنها قريبة من الحدث، بل لأنها كانت تقاتل في جبهة أخرى: جبهة السردية. كانت تقول للعالم إن هذه الأرض ليست مجرد ساحة حرب، بل مكان حي، مليء بالحياة، بالناس، بالذاكرة. وهذا ما لا يُراد له أن يُقال.
***
يبقى الجنوب، برغم كل شيء، واقفًا. تبقى سهوله تزهر كل ربيع، وتبقى أسماؤه محفورة في ذاكرة من عرفه. وبين كل زهرة تنبت هناك، حكاية، وربما اسم. اسم آمال التي رحلت، لكنها تركت ما يكفي من الضوء، حتى في أكثر اللحظات عتمة.
