زيف الضمانات الأميركية.. والأوهام اللبنانية!

يبدو أنَّ ما سُمِّيَ اجتماعاتٍ مباشرةً في واشنطن بين السفيرة اللبنانية والسفير "الإسرائيلي"، قد حَسَمتِ الجوهر الخطير للمفاوضات المباشرة قبل أن تبدأ. وربما شارفت على الانتهاء في العمق المخفيّ، وفقاً لما أشارت إليه تصريحات الخارجية الأميركية. ولم يبقَ سوى الزيارة التي يريدُها "دونالد ترامب" من الرئيس اللبناني جوزاف عون كي يلتقي بـِ"بنيامين نتنياهو".

الحَامِسُونَ على هذا الأمر يُخاتِلونَ ويُماكِرونَ مع واشنطن تحت عنوانِِ:”لا خِياراتِ أمام لبنان سوى ذلك”. ويروِِّجون خديعةً لئيمةً يُطلقون عليها تسمية “الضمانات الأميركيّة”.

الرهانُ على هذه الضمانات يعكس قِصَرَاً في النظرٍ وعَماءً في رؤية الأبعاد. التاريخ يؤكِّد أنَّ الضمانات الخارجية لا تحمي السيادة والكرامة والمصالح الوطنية لأيِّ بلد. القوة الوحدويَّة الداخليّة الوطنيَّة هي الأساس الذي يستحقُّ أن تُطلق عليه تسمية الضمانة. أمَّا الضمانات الخارجية فلطالما جرى التنكُّر لها في مئات المعاهدات منذ أشْهرِها في القرون الأخيرة، من وستفاليا الألمانية (1648) حتى اليوم. إنَّ أيَّ دولة لا تقدِّم أيَّ ضمانة إلى دولة أخرى، ما لم تكنْ لها مصلحة آنيَّة أو مستقبلية من خلال الدولة المضمونة. وخطورة مثل هذه الضمانة تكمُنُ في أنها ليست مجرَّدَ وعودٍ مشكوكٍ فيها، بل هي فرضُ “ترتيبات هيكلية” على الدولة المسمَّاة مضمونةً، وفق ما يشيرُ إليه الفيلسوف الإسكتلندي “دافيد هيوم”. وعندما تنْتفِي المصلحة تسقط الضمانات. هنا بالضبط تبرز نقطة مهمة في الفكر السياسي والإستراتيجي: كيف تتحدَّدُ المصلحة؟ ومن يُحدِّدُها؟ أهُوَ الضامنُ أم المضمون؟ الإجابات عن هذه الأسئلة ترسُمُ سلباً أو إيجاباً خطوط مصلحةَ لبنان، وتكشف عن المصلحةَ الأميركيَّة المرتبطة عُضويَّاً بالعدوِّ الإسرائيلي (organiquement liee) والمقنَّعة بادّعاء تحقيقِ “السلام” تحت شعار “كل الأوراق بيد أميركا”، كما كان يقول أنور السادات في سبعينيَّات القرن الماضي، ويقول وراءه اليوم معظم أولياء السلطة العرب.

السلطة في لبنان لم تعلن حتى الآن عن خطة التفاوض المباشر، ولم تحدِّد أهدافاً واضحة ودقيقة، باستثناء ما تردِّدُه عن “إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل” طبقاً للتعابير الرسميّة، بغضِّ النظر عن مواقف أطراف كثيرة ترفض التفاوض المباشر وتحذِّرُ من مخاطره، ولا سيَّما أنه من دون إستراتيجية مستقبليةٍ، الأمر الذي يعطي الفرصة كاملة للعدوِّ الإسرائيلي كي يحقق ما يرمي إليه.

بإزاء ذلك أمامنا سؤالان كبيران:

  • الأول؛ أين هي مصلحة لبنان، وما الملفَّات التي سيجري (أو جرى) بحثُها، وكيف تفسِّر السلطة تصريحات وزارة الخارجية الأميركية؟
  • الثاني؛ ما الذي يمكن أن تقدِّمه الولايات المتحدة إلى لبنان، وكيف تفهم السلطة التلاحمَ العُضويّ بين مصالح واشنطن وتل أبيب في ظل القبول بالمفاوضات المباشرة؟

مصالح لبنان السياديّة مُنتهَكة حاليَّاً ومهدَّدة باستمرار هذا الانتهاك مستقبليَّاً. والغريب جداً أنَّ السلطة في هذه المرحلة التي تُسمِّيها “تمهيداً” للمفاوضاتِ، لم تتحرَّكْ أمام مجلس الأمن، والرأي العام الدولي على الأقل، لِتُثيرَ ما يجري في الجنوب حيث لم يلتزم العدوُّ الإسرائيلي بأيِّ وقفٍ لإطلاق النار. وهو يُواصل التهجير والتغيير الجغرافي والديموغرافي بعد أنْ وسّع احتلاله، وبات يسيطر على كل المرتفعات من جبل الشيخ إلى الجنوب والبقاع الغربي، أي إنّه رسم خطاً واحداً للجبهة من تلال الجولان وجبل الشيخ إلى مشارف دمشق والبقاع إلى الناقورة، وكل منطقة جنوب الليطاني.

يريد العدوَّ الإسرائيلي أن تكون في لبنان “غزة ثانية”، و”خطوطٌ صُفرٌ”، و”شمال الليطاني وجنوبه كشمال غزَّة وجنوبها”. هذا الأمر كافٍ وحدَهُ ليضاعف الهواجس والمخاوف من أنَّ المفاوضات المتسلِّلة لن تتمكَّن من إيقاف هذه الاعتداءات الهادفة إلى ترويج نظرية جديدة لوقف إطلاق النار. وَمُفادُ هذه النظرية هو التجزئة بقصد تحييد بعض العاصمة بيرووت وجوارها، وعزل الجنوب عن لبنان. ولا تخفى على المتابعين أهداف نهب الثروات اللبنانية. وهنا تزداد الشراكةُ العُدوانية شراسةً بين واشنطن وتل أبيب ضدَّ لبنان والجنوب اللبناني على الأخص.

الجنوب يختزنُ [في حقل “قانا والبلوكات 8 و9 و10”] ما تُقدَّرُ قيمتُه بنحو تريليون دولار من الغاز فضلاً عن الثروة المائية السطحية والجوفيَّة التي تعدُّ بين أغنى المناطق في الشرق الأوسط، [حوض الليطاني وحده يُقدَّرُ بـِ 920 مليون متر مكعّب، ومياه الجنوب الجوفية تُقدَّر بـِ 420 مليون متر مكعب] فهل أعدَّتِ السلطة خطةً للدفاع عن هذه الحقوق؟ ولا سيَّما أنَّ العدوَّ ما زال يجاهر بأطماعه، ويعمل حاليَّاً على التخطيط لزرع مستوطناتٍ في الجنوب، وإعادة تركيب ما يسمّيه “حزاماً أمنياً”؟

السلطة حتى هذه اللحظة لم تُفصح عن خطة واضحة للتفاوض. تضع أوراقها بيد الولايات المتحدة من دون أيِّ انتباهٍ مستقبلي إلى أنَّ لدى واشنطن أولويَّة واحدة هي “إسرائيل”. وتسكت عن الإشارات الأميركية التي تدلُّ على النتائج قبل حصولها.

يأتي هنا السؤال الثاني الذي طرحناه: ما الذي يمكن أن تقدِّمه واشنطن إلى لبنان؟

المثير الخطير أنَّ تصريحات الخارجيَّة الأميركية أكَّدت بعد لقاء السفيرين في البيت الأبيض [14 و23 نيسان/أبريل 2026] أنَّ “الجانبين اللبناني والإسرائيلي اتفقا على مواصلة النقاش من أجل ترسيم الحدود البحرية بما يحفظ حقوق الطرفين”[كلام حرفي]. هذا الترسيم كان قد جرى سابقاً عام 2022 ولا معنى لإعادة طرحه اليوم سوى الأطماع بالطاقة في البلوكات البحرية الجنوبية، فأيُّ حقوق للعدوِّ الإسرائيلي فيها حتى يتمَّ الاتفاق على مناقشتها وكيف لم تتحفظ الخارجية اللبنانية عن ذلك ولو ببيان؟

إقرأ على موقع 180  عالم ما بعد أميركا وحرب أوكرانيا.. إنّه "فخّ ثوسيديدس"!

المسألة أخطر مما يبدو على السطح. والولايات المتحدة لم تصدق في ضماناتها حتى مع حلفائها فكيف ستصدق مع لبنان، وتفرض على إسرائيل الانسحاب مثلما ترى السلطة عندنا؟ إنه زرع أوهام. والخَشية كل الخشية أن يكون العدو الإسرائيلي قد نال الضوء الأخضر الأميركي لإقامة ما يسمِّيه بالمنطقة العازلة فيما يبقى للبنان كلامٌ وكلامٌ فحسْبُ في المفاوضات التي سقطت فيها الحدود بين أن تكون مباشرة أو غير مباشرة. لقد أخطأت السلطة مرتين:

1-عندما لم تستفد من قوة ورقة المقاومة، ولم تقرأ التحوّلات الإقليمية – الدولية بعد الحرب على إيران.

2- وعندما وافقت على المفاوضات من دون تسوية وطنية في الداخل. ما يعني أنَّ لبنان مقبل على تعقيدات شديدة، واحتلال طويل يحتاج حتماً إلى مقاومة طويلة.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الجذور الإيرانية للفستق.. وكيف تحتكر أميركا "الذهب الأخضر" لمصلحة إسرائيل؟