كان العام الماضي على صعيد العلاقات الأميركية الصينية استثنائياً ومفاجئاً. ففي ربيع 2025، فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب حظراً تجارياً فعلياً على الصين، فردّت بكين بالمثل سريعاً. وبعد أشهر، روّج ترامب لشراكة بين البلدين، قبل أن يدعو أخيراً سفناً حربية صينية إلى مضيق هرمز، مهدداً باستهداف ناقلات النفط المتجهة إلى الصين عبر المضيق.
لكن العلاقة الثنائية الأهم عالمياً شهدت أيضاً تحولات أعمق وأكثر استدامة. فقد رسّخت الصين، بهدوء، نفوذها على كيفية تطبيق الولايات المتحدة لإجراءات الأمن القومي، ولا سيما ضوابط التصدير. كما أتاح التحول في النهج الدبلوماسي الأميركي لبكين انتزاع تنازلات سياسية مهمة، فيما فصلت واشنطن حوارها مع الصين عن تنافسها معها على النفوذ العالمي، ما همّش قضايا استراتيجية أساسية ومكّن بكين من توظيف مظهر التقارب الأميركي الصيني لصالحها. وقد تُقيّد هذه التحولات قدرة واشنطن على المناورة لسنوات مقبلة.
وعندما يبدأ ترامب وشي جين بينغ محادثاتهما في بكين، من غير المتوقع تحقيق اختراقات كُبرى، لكن المرجح أن يرسّخ الجانبان قواعد جديدة لإدارة العلاقة تصب في مصلحة الصين، بما قد يشجع بكين على اختبار العزم الأميركي بشأن تايوان، والتكنولوجيا المتقدمة، ومصالح استراتيجية أخرى.
حق النقض الجديد لبكين
خرجت الصين من الحرب التجارية لعام 2025 في موقع قوة نسبي. فمع تصاعد التوترات مطلع العام، راهن الاستراتيجيون الصينيون على أن الاضطرابات ستضر بالولايات المتحدة أكثر مما تضر بالصين. وعندما قيّدت بكين صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، مهددة قطاعات صناعية أميركية، سارعت إدارة ترامب إلى البحث عن مخرج من الحرب التجارية. عزّز ذلك ثقة بكين، التي انتقلت من القلق حيال تقلبات ترامب إلى قناعة بأنها قادرة على التأثير في إدارته والتفاوض معه من موقع الندّية، إن لم يكن التفوق.
وبعد الحرب التجارية، ركّز الطرفان على إلغاء الإجراءات الانتقامية الأكثر ضرراً، فيما تراجعت المخاوف الأميركية المتعلقة بالسياسات الاقتصادية الصينية غير السوقية واختلالات التجارة. لكن التفاهمات التي أقرها ترامب وشي خلال قمة بوسان في تشرين الأول/أكتوبر 2025 كشفت تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة. فقد علّقت الصين قيودها الواسعة على صادرات المعادن النادرة، مقابل منحها عملياً حق التأثير في كيفية استخدام واشنطن لأدوات الأمن القومي المرتبطة بضوابط التصدير.
الصين خرجت من الحرب التجارية التي اندلعت عام 2025 وهي في وضع قوي وتشعر بثقة متزايدة في موقعها ضمن العلاقات المشتركة مع أميركا
وفي إطار الاتفاق، سحبت الولايات المتحدة لائحة كانت تستهدف الشركات التابعة للكيانات الخاضعة للعقوبات، ما أبقى ثغرات تسمح بالالتفاف على قيود تصدير أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين. كما تعهدت واشنطن بعدم فرض ضوابط تصدير جديدة تستهدف كيانات صينية تحديداً. وهكذا بات لبكين نفوذ مباشر على أدوات أميركية استُخدمت سابقاً لمواجهة قضايا تتراوح بين تحديث الجيش الصيني، ودعم روسيا في حرب أوكرانيا، وانتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانغ.
في السابق، كانت واشنطن تناقش مع بكين مخاوف الأمن القومي دون أن تجعل قراراتها السيادية محل تفاوض. أما اليوم، فقد أصبح للصين رأي فعلي في كيفية تعامل الولايات المتحدة مع هذه الملفات.
ويرى بعض المراقبين أن هذا التفاهم يشبه اتفاقات الحدّ من التسلح في الحرب الباردة، لأنه جنّب الطرفين مواجهة اقتصادية خطيرة. لكن المقارنة تبقى مضلّلة، إذ إن اتفاق “بوسان” افتقر إلى التوازن الذي ميّز معاهدات نزع السلاح التقليدية. فالصين تخلّت عن قيد واحد يتعلق بالمعادن النادرة، بينما قيّدت الولايات المتحدة قدرتها على استخدام ضوابط التصدير في ملفات التكنولوجيا والأمن السيبراني ومنع الانتشار النووي، ما عزّز الموقع التفاوضي لبكين على المدى الطويل.
تغليب المظاهر على الجوهر
تكشف التحضيرات للقمة المرتقبة عن تحولات إضافية في أسلوب إدارة العلاقة الثُنائية. ففي السابق، كان الجانب الصيني يركّز على الرمزية والأجواء العامّة، بينما تمنح واشنطن الأولوية للأهداف السياسية الملموسة. أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة؛ إذ تبدو إدارة ترامب معنية بإظهار علاقة شخصية ودية مع شي جين بينغ، فيما تستغل بكين ذلك لانتزاع تنازلات استراتيجية، خصوصاً في ملف تايوان.
اعتادت الولايات المتحدة الفصل بين مجالات التعاون، مثل مكافحة المخدرات ومجالات الخلاف مثل تايوان وأوكرانيا. وكان الهدف من ذلك إدارة التنافس ومنع سوء الفهم وتعزيز الردع. في المقابل، دأبت الصين على ربط التعاون بالخلافات السياسية واستخدامه أداة ضغط، كما فعلت عام 2022 حين علّقت التعاون في ملفات عدة عقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي الديموقراطية نانسي بيلوسي إلى تايوان.
أما اليوم، فتتعامل واشنطن مع مختلف القضايا بوصفها قابلة للمساومة، بما في ذلك ملفات الأمن القومي. ويبدو ترامب مقتنعاً بإمكانية حل المشكلات عبر علاقته الشخصية مع شي، ما قد يدفع إدارته إلى تقديم تنازلات استراتيجية طويلة الأمد مقابل مكاسب اقتصادية سريعة ومحدودة.
وتزداد هذه الدينامية وضوحاً مع اضطلاع وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت بدور محوري في إدارة العلاقة مع الصين، بدلاً من مستشار الأمن القومي أو وزير الخارجية ماركو روبيو، كما جرت العادة. وبينما كان هؤلاء يمنحون الأولوية للاعتبارات الاستراتيجية، يتولى بيسنت، ذو الخلفية الاقتصادية، إدارة ملفات تتجاوز الاقتصاد إلى قضايا تمس التوازن الاستراتيجي بين البلدين.
مسارات منفصلة
في السابق، كانت الولايات المتحدة تثير خلال لقاءاتها مع بكين مخاوف حلفائها، كاليابان والفيلبين، بهدف ردع الصين وطمأنة شركائها في آن واحد. كما استخدمت وتيرة الحوار مع بكين لإظهار أنها لا تسعى إلى التصعيد المتهور ولا إلى عقد صفقات على حساب حلفائها.
أما اليوم، فتبدو العلاقات الأميركية مع الصين وحلفائها وكأنها تُدار على مسارات منفصلة. برغم تعزيز التعاون العسكري مع الفيلبين، قلّلت إدارة ترامب من أهمية ملفات بحر الصين الجنوبي في حوارها رفيع المستوى مع بكين. كما ستكون زيارة ترامب المرتقبة إلى الصين الأولى منذ 1998 التي لا تتضمن محطات أو لقاءات مع حلفاء آسيويين.
في المقابل، تستخدم بكين مظهر التقارب مع واشنطن أداة لتوسيع نفوذها وتقويض ثقة حلفاء الولايات المتحدة بها. لذلك تسعى إلى دفع ترامب لتقديم مواقف لفظية أكثر ليونة بشأن تايوان، بما يضعف ثقة التايوانيين بواشنطن ويدفع قوى إقليمية أخرى إلى إعادة حساباتها.
خيارٌ لا يُحسد عليه
وبرغم الخطاب التصالحي الأميركي تجاه الصين، تواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، وتنفيذ مناورات واسعة مع حلفائها، إلى جانب استمرار مبيعات السلاح لتايوان. لكن هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يزيد احتمالات سوء الفهم والتصعيد غير المقصود.
ومع تنامي ثقة بكين بموقعها، قد تتشجع على توسيع نفوذها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يضع الولايات المتحدة أمام خيار صعب: إما الرد والمخاطرة بالاستقرار، أو التراجع وقبول تآكل نفوذها. ولهذا، تحتاج واشنطن إلى إرسال رسائل أوضح بشأن التزامها بأمنها وأمن حلفائها. أما إذا استمر ترامب في تفضيل المكاسب السريعة وعلاقته الشخصية مع شي على المصالح الاستراتيجية الأعمق، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن إدارة العلاقة مع الصين وفق شروطها الخاصة.
– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.
(*) هنرييتا ليفين، زميلة أولى في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. وقد شغلت سابقاً مناصب عُليا في وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي.
