هناك شيءٌ داخل السلوك الإيرانيّ الحاليّ يوحي وكأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة تعيش، بطريقةٍ ما، لحظة اعادة تجدّد داخليّة على مستوى القيادة والرُّؤية. ويبدو لافتًا للانتباه لي أنّ هذا التَّجدُّد يترافق مع بروز عنصر شبابيّ أوضح داخل بنية القرار الإيرانيّ الرّسميّ والثّوريّ معاً، إلى جانب تجدُّدٍ في الرُّوح الثوريّة، وكذلك في استعادة بعض القيم المركزيّة التي قامت عليها الثَّورة أساساً قبل 47 عاماً.
وكأنّ الجمهوريّة الاسلاميّة، خلافًا لما كان يُعتقد لسنوات، لا تعيش فقط حالة دفاعٍ عن النَّفس، بل أيضًا لحظة اعادة إنتاجٍ سياسيّ ومعنويّ وبنيويّ لذاتها خصوصاً في ظلّ تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها.
ومن زاويةٍ أخرى، لا يمكن اغفال قوّة العامل القوميّ والشُّعور الوطنيّ داخل إيران نفسها، إذ يبدو أنّ جزءًا واسعًا من المجتمع الإيرانيّ ــ على اختلاف توجّهاته ــ يتعامل، فعلاً، مع الضُّغوط والحرب بوصفها استهدافًا لمكانة إيران نفسها ولدورها التّاريخيّ والحضاريّ، لا فقط للنِّظام السِّياسيّ القائم، وهو ما يُفسِّر جانبًا مهمًّا، بالفعل، من التَّماسك الدَّاخليّ الذي ظهر خلال المرحلة الماضية، كما يتّفق أغلب المراقبين الموضوعيّين.
كما أنّ الموقف الإيرانيّ شديد الصَّلابة والثَّبات إلى جانب المقاومة اللُّبنانيّة ــ وحاضنتها الشَّعبيّة التّاريخيّة، لا سيّما في جبل عامل ــ يبقى لافتًا للانتباه، ليس فقط من زاوية الدَّعم التَّقليديّ، بل من زاوية اعتبار هذه الجبهة جزءًا عضويًّا من معركة إعادة تعريف موازين القوى في المنطقة، وربّما في ما يعني مستقبل المنطقة وترتيباتها ككلّ وعلى جميع المستويات.
وفي هذا السِّياق، تبدو “المفاوضات المباشرة” بين السُّلطة التنفيذيّة في لبنان وبين الاحتلال الإسرائيليّ أقرب إلى تغليفٍ سياسيّ (وجيوسياسيّ) واعلاميّ لواقعٍ أعمق يتعلّق أصلًا بالتَّجاذب والتَّفاوض، غير المباشر والمباشر، بين الأميركيّ والإيرانيّ نفسيهِما. فالمشهد اللُّبنانيّ هنا يبدو، إلى حدٍّ بعيد، انعكاسًا لصراعٍ أكبر يتجاوز بيروت وتل أبيب معًا، مهما حاولت السُّلطة في لبنان أو حاول بنيامين نتنياهو تقديم الأمر بصورةٍ مختلفة. بل إنّ استخدام خطاب شخصيّاتٍ قد تكون ذات طابعٍ أكاديميّ معيّن، لا يُغيِّر في أسس الواقع العميق القائم، بقدر ما يزيد من الإحساس بأنّنا أمام عمليّة تغليفٍ اعلاميّة ومفاهيميّة للمشهد الحقيقيّ القائم في المنطقة.
أميل اليوم إلى الاعتقاد بأنّ هناك، وفي جانبٍ وازن داخل القرار الإيرانيّ إن صحّ التَّعبير، فكرةً مُهيمنة تقوم على مُحاولة استنزاف المُستقبل السِّياسيّ لترامب نفسه عبر هذه الحرب.. وربّما يتقاطع ذلك أيضًا مع قناعةٍ صينيّةٍ عميقة وضمنيّة ترى أنّ لحظة التَّحوُّل العالميّ الحاليّة تستوجب دفع الولايات المتّحدة نحو مزيدٍ من التَّآكل الاستراتيجيّ.
وعلينا ألّا ننسى، بالمناسبة، وفي إطارٍ ليس ببعيد عمّا سبق، أنّ ما سمَّيناه بـ”التَّصلُّب الإيرانيّ” الحاليّ في الموقف التَّفاوضيّ لا يمكن فصله، واقعًا، عن حقيقة ميزان القوى الذي تجلّى ما بعد المواجهة العسكريّة الأخيرة.. أقلّه بحسب القراءة الايرانيّة حتّى الآن.
وعلى مستوى آخر، وبرغم العلاقة الايجابيّة نسبيًّا بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، يصعب تصوُّر سببٍ جذريّ يدفع موسكو إلى المُساهمة فعليًّا في اخراج واشنطن عاجلاً من المأزق الإيرانيّ، بينما لا تزال روسيا نفسها غارقةً في الاستنزاف الأوكرانيّ ولم تحصل بعد على تسويةٍ تضمن لها الخروج المُريح من تلك الحرب (إلى يومنا هذا أقلّه).
بل إنّ ما أصبح أكثر وضوحاً خلال الأيّام الماضية هو أنّ الدَّعم الصِّينيّ للجمهوريّة الإسلاميّة لم يعد مُجرّد احتمالٍ نظريّ، بل بات واقعًا سياسيًّا واستراتيجيًّا وعسكريّاً تُشير إليه تقارير أميركيّة وغربيّة واسرائيليّة. وبذلك، تبدو نظريّة أنّ إيران “وحيدة” في هذه المواجهة، وكأنّها سقطت عمليًّا وإلى حدّ بعيد نسبيّاً.
فإيران، وكما يقول بعض خبراء الجيوبوليتيك، تقع في “قلب العالم القديم” أو حتّى في “قلب العالم” نفسه، ومن الصَّعب تصوُّر أن تتعامل الصين ــ خصوصاً ــ مع مسألة احتمال سقوط إيران أو اخضاعها الكامل تحت المشروع الإمبراطوريّ الأميركيّ… وكأنّها مسألة ثانويّة. هذه مقاربة خاطئة في اعتقادي.
صحيح أنّ علاقة بكين بدول الخليج العربيّة مهمّة جدًّا اقتصاديًّا واستراتيجيًّا، ولكنّ ذلك لا يُلغي حقيقة موضوعيّة وهي أنّ دول الخليج عموماً، وفي جوهر التَّوازنات الكُبرى، تبقى مُنخرطةً بعمق داخل المشروع الأميريكيّ. ولذلك، من المنطقيّ جدًّا النَّظر إلى العلاقة الصِّينيّة-الإيرانيّة بوصفها علاقةً استراتيجيّةً وعميقةً للغاية، حتّى ولو بدا الخطاب الظَّاهر أحياناً أكثر هدوءًا أو براغماتيّة لا سيّما من الجانب الصّينيّ.
في المُحصِّلة، لننتظر النّتائج العمليّة للقمّة الصّينيّة-الأميركيّة المنعقدة هذا الأسبوع. فقد يكون بعض الزّملاء محقّاً، إلى حدّ ما، في اعتبار أنّ هذه القمّة تفسّر إلى حدّ كبير… توقيت هذا “التّصلّب” الايرانيّ المُبين.
غير أنّني أعتقد، في عمق الأمور تحديداً وعلى المدى الأبعد، أنّنا قد نكون أمام مسارٍ طويلٍ ومُضطرب ــ أكثر من المُتوقَّع ــ في المنطقة بأسرها، وأنّ القيادة الإيرانيّة الحاليّة لا تتعامل مع الصِّراع الحاليّ بوصفه مُجرَّد جولةٍ تفاوضيّة أو أمنيّة، بل بوصفه فرصةً تاريخيّةً لمُحاولة فرض تغييرٍ جذريّ في البنية الإقليميّة نفسها، بما في ذلك مُحاولة تحجيم النَّزعة “الإمبراطوريّة” الإسرائيليّة التي تصاعدت منذ 2024، وأيضًا تحدّي الفكرة التَّقليديّة الخطيرة القائمة على أنّ الولايات المتّحدة تبقى الضَّامن المركزيّ “للأمن الإقليميّ”، لا سيّما بالنِّسبة إلى دول الخليج العربيّة.
