لقد عمل الصفويون، والقاجاريون، والبهلويون، والجمهورية الإسلامية، جميعهم انطلاقاً من الإرث الجغرافي والتاريخي نفسه. تغيّرت الحكومات، لكن المنطق لم يتغيّر.
تُحاط الهضبة الإيرانية بجبال زاغروس من الغرب، وجبال البرز من الشمال، وتخترقها بعض أكثر الصحارى قسوة في العالم، وتقع عند تقاطع آسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط. وكل إمبراطورية برية كبرى كان عليها أن تتعامل معها، وكل قوة بحرية تطمح إلى النفوذ في المحيط الهندي كان عليها أن تحسب حساب المضيق الواقع عند طرفها الجنوبي.
لقد أنتجت هذه الجغرافيا درساً ثابتاً عبر السلالات الحاكمة: لا يمكنك تأمين الداخل عبر الدفاع عن الداخل فقط. فالحكّام الذين حصروا استراتيجيتهم داخل الهضبة انتهى بهم الأمر إلى خسارة أجزاء منها، أما الذين اتجهوا إلى الخارج، وحوّلوا الهضبة من هدف إلى مركز، فقد كانوا الأكثر قدرة على الاستمرار.
هرمز هو المكان الذي يصبح فيه هذا المنطق أكثر وضوحاً في الحاضر. يمر عبر ذلك المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وعندما تحرّكت إيران لتقييد المرور في بداية حرب 2026، تفاعلت أسواق الطاقة قبل أن تتوقف ناقلة نفط واحدة. فدولة لا تمتلك أسلحة نووية، ولا جيشاً تقليدياً قادراً على مجاراة الولايات المتحدة، ما تزال قادرة على تحريك الأسواق العالمية بسبب موقعها الجغرافي. هذا إرث جغرافي، ولا ينهار بتغيّر الحكومة.
قناعات راسخة
ثلاث قناعات تمرّ عبر السلوك الاستراتيجي الإيراني، بغض النظر عمّن يمسك بالسلطة.
القناعة الأولى هي أن الضعف يدعو إلى التدخل. فقد جرّدت معاهدة غلستان عام 1813، ومعاهدة تركمانتشاي عام 1828، إيران من أراضٍ في القوقاز، كما أن الاتفاقية الأنغلو ــ روسية لعام 1907 قسّمت البلاد إلى مناطق نفوذ من دون استشارة المسؤولين الإيرانيين.
ومنذ ذلك الحين، قرأت كل حكومة تلك الأحداث باعتبارها تحذيراً بنيوياً: الدولة التي لا تستطيع إظهار الردع ستجد سيادتها تُدار من الخارج. والبرنامج النووي، والشبكة الإقليمية، وترسانة الصواريخ، كلها ــ على مستوى معيّن ــ تمثل استجابة لذلك التحذير.
القناعة الثانية هي أن السيادة ليست قابلة للتفاوض. فقد كانت ثورة التبغ في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، وتأميم شركة النفط الأنغلو ــ إيرانية عام 1951، ليسا حدثين منفصلين، بل انعكاساً واحداً في حقبتين مختلفتين.
وقد التقطت برقية دبلوماسية أميركية عام 1976، عندما كان سفير الولايات المتحدة لدى إيران، ريتشارد هيلمز، يقدّم إحاطة إلى هنري كيسنجر، هذه الفكرة بدقة: التوتر النووي موجود بسبب “رفض إيران القبول بأي تدخل خارجي قد ينتقص من سيادتها”. وكانت هذه الجملة لتناسب بالقدر نفسه كل رسالة أُرسلت خلال المفاوضات النووية في أعوام 2015 و2021 و2026.
أما القناعة الثالثة، وهي الأكثر تعرضاً للتقليل من شأنها باستمرار، فهي أن إيران لا تنظر إلى نفسها بوصفها قوة إقليمية فقط.
غالباً ما تُؤطَّر ثورة 1979 ضمن إطار إقليمي: تمكين الحركات السياسية الشيعية، وإعادة تنظيم أمن الخليج، وظهور الإسلام السياسي كقوة حاكمة. لكن التأثير من الدرجة الأولى كان عالمياً. ففي عام واحد، انتقلت إيران من كونها أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لواشنطن إلى دولة تسعى إلى طريق ثالث بين القوتين العظميين.
لقد غيّرت أزمة الرهائن السياسة الداخلية الأميركية لجيل كامل. كما جذبت الحرب الإيرانية ــ العراقية أجهزة الاستخبارات وصناعات السلاح لدى القوتين العظميين ومعظم أوروبا. ووصلت طائرات “شاهد” الإيرانية المسيّرة إلى حرب أوروبية. أما صراع 2026، فقد حرّك أسواق الطاقة العالمية، وعطّل تأمين الشحن عبر عدة مسارات بحرية، وفرض إعادة حسابات في كل اقتصاد يعتمد على نفط الخليج، أي معظم الاقتصادات العالمية.
وقال القائد الأعلى الأسبق، آية الله روح الله الخميني، إنه سيصدّر الثورة إلى الجهات الأربع للعالم. وكان يعني ما قاله.
وتوضح ملاحظتان، يفصل بينهما نصف قرن، هذا الاستمرار بجلاء.
جاءت الأولى من العقيد مجتبى باشايي، رئيس مديرية الشرق الأوسط في جهاز الشرطة السرية الإيرانية في ستينيات القرن الماضي، وهو يشرح سبب دعم الشاه محمد رضا بهلوي للأحزاب في لبنان:
“يجب أن نكافح ونحتوي هذا التهديد [الناصرية] على الساحل الشرقي للبحر المتوسط لمنع إراقة الدماء على الأراضي الإيرانية”.
أما الثانية، فجاءت من القائد الأعلى الحالي، علي خامنئي، في كانون الثاني/يناير 2016، خلال حديثه إلى عائلات الجنود الذين قُتلوا في سوريا والعراق:
“لو أنهم لم يذهبوا لقتال العدو هناك، لكان العدو قد جاء إلى داخل البلاد، ولكنا اضطررنا إلى قتاله في كرمانشاه وهمدان”.
المنطق واحد تماماً. الحكومات فقط هي التي تغيّرت.
توسيع المواجهة
بدا التوجّه الغربي للشاه، من الخارج، وكأنه خروج عن هذا النمط، لكنه لم يكن كذلك. فقد سعى إلى امتلاك القدرة النووية بالمنطق نفسه الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية. كما سعى إلى الشراكة العسكرية مع إسرائيل. وعندما ضغطت واشنطن من أجل ضمانات نووية تتضمّن إشرافاً خارجياً، قاوم ذلك، ليس بدافع أيديولوجي، بل لأن قبول مثل هذا الإشراف كان سيؤكد وضعاً تابعاً لم يتمكن أي حاكم إيراني، عبر أي قرن، من قبوله.
النمط نفسه ظاهر الآن. ففي محادثات باكستان، أوضح القائد الأعلى، مجتبى خامنئي، للمسؤولين الموجودين في القاعة أن إيران لن تتفاوض وفق شروط يضعها الآخرون.
دخلت واشنطن وتل أبيب حرب 2026 وهما تريدان شيئاً محدوداً: الضغط على البرنامج النووي، والصواريخ، والشبكة الإقليمية، لكن إيران وسّعت إطار المواجهة. وعندما بلغ الضغط العسكري حداً معيناً، أغلقت طهران مضيق هرمز، محوّلة المواجهة إلى أزمة اقتصادية عالمية.
في كل مرة تضع فيها واشنطن قواعد اللعبة، تغيّر طهران أرضية اللعب نفسها.
العقوبات الشاملة، والعقوبات الموجّهة، وحملات الاغتيال، والحرب السيبرانية، ودعم الوكلاء، والعمل العسكري المباشر، كل هذه الوسائل جرى استخدامها، ولم يُنتج أيٌّ منها التحوّل الاستراتيجي الذي وُعد به. بل إنها، وبثبات ينبغي اعتباره بحد ذاته مؤشراً، أنتجت تسارعاً في نواحٍ عدة: تطويراً نووياً أسرع، وشبكة إقليمية أعمق، ونظاماً سياسياً أكثر تماسكاً.
تغيير النظام
شكّل خطاب “محور الشر” عام 2002 أوضح دراسة حالة. ففي الأشهر التي أعقبت 11 أيلول/سبتمبر، تعاونت طهران بشأن أفغانستان، وشاركت في مؤتمر بون حول المستقبل السياسي للبلاد، وفتحت قنوات غير مباشرة مع واشنطن.
وقد تحمّل التيار الإصلاحي المحيط بالرئيس محمد خاتمي مخاطر سياسية داخلية حقيقية في سبيل ذلك. وكان المسؤولون الإيرانيون يعتقدون أنهم مدّوا يدهم، وأن المعاملة بالمثل ممكنة.
وقد أظهرت أبحاثي الخاصة حول هذه المرحلة، في “رويال هولواي”، روايات متّسقة تصف خطاب الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش بعبارات مشابهة لما قاله وزير الخارجية البريطاني السابق جاك سترو:
“صفعة على الوجه مقابل المخاطر التي خاضوها”.
وفي وقت لاحق، وصف وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف كيف تحوّلت “سياسة التعاون” إلى “سياسة مواجهة” خلال أيام.
ما تلا ذلك كان متوقعاً بنيوياً. لم تهتز قناعة خامنئي بأن هدف واشنطن هو تغيير النظام وليس التعايش معه، بل تأكدت. تسارع البرنامج النووي، وتعاظمت الشبكة الإقليمية، واتسعت بنية الردع، ليس لأن المتشدّدين استغلوا اللحظة، بل لأن المنطق الأساسي عاد ليفرض نفسه بمجرد أن تُرك العرض من دون رد.
السلوك الذي يتعرّض للضغط ليس أيديولوجياً في المقام الأول؛ إنه استراتيجي. إن مطالبة إيران بتفكيك بنية الردع الخاصة بها ليست مطالبة للجمهورية الإسلامية بالاعتدال، بل مطالبة لإيران بقبول الحالة التي ترى خمسة قرون من الخبرة أنها الحالة التي تنبع منها الكوارث.
ولا يمكن لأي حكومة إيرانية أن تقدّم ذلك، لأن تقديمه سيؤكد الدرس الأساسي: الضعف يدعو إلى التدخل. وبالتالي، فإن الضغط الذي يُراد منه إنتاج تنازل، ينتج بدلاً من ذلك السلوك الذي صُمّم لإيقافه.
إيران ليست مشكلة وحسب!
أمضى هنري كيسنجر سنوات يدير حرب فيتنام قبل أن يستنتج أن الفيتناميين الشماليين كانوا يقاتلون من أجل شيء مختلف تماماً عمّا افترضه: الوقت، والقدرة على التحمّل، والتآكل التدريجي للإرادة السياسية الأميركية.
طهران تعمل بالمنطق نفسه. فإيران لا تحاول الفوز بهذه الجولة، بل تحاول أن تبقى قادرة على الاستمرار عندما تصبح الولايات المتحدة بحاجة إلى مخرج.
لم يكن خطأ كيسنجر في فيتنام هو التصعيد، بل افتراضه أن الطرف الآخر يشارك تعريفه للنصر. وتواجه إدارة ترامب الآن المأزق نفسه: فهي لا تستطيع إنهاء الحرب بشروط يمكنها الدفاع عنها داخلياً، ولا تستطيع الخروج منها من دون إطار ترفض طهران حالياً تقديمه.
وكلما طال أمد المواجهة، انتشر الألم خارج إيران: إلى أسواق النفط، والشحن، وسلاسل الإمداد، والاقتصادات المعتمدة على استقرار الخليج. فهرمز لا يؤذي إيران وحدها.
إن خطر الانتشار النووي حقيقي، كما أن الشبكة الإقليمية أنتجت عنفاً حقيقياً، لكن تصحيحاً تحليلياً لا يُلغي هذه المخاوف، بل يغيّر فقط الشروط التي يمكن معالجتها من خلالها.
إن ترتيباً يوفّر ضمانات أمنية حقيقية، ويتعامل مع إيران باعتبارها طرفاً يملك مصالح ردع مشروعة، لا مجرد مشكلة ينبغي إدارتها، ولا يتطلب من طهران قبول وضع تابع يجعل تاريخها ذلك مستحيلاً من الناحية البنيوية، مثل هذا الترتيب لديه فرصة للاستمرار.
أما الترتيب الذي يطلب من إيران قبول شروط رفضتها في كل قرن من تاريخها الحديث، فلن ينجح، بغض النظر عن الحكومة الموجودة في السلطة، لأن أي حكومة إيرانية لا تستطيع تقديم ما يمنعه منطقها الاستراتيجي الخاص”.
(*) ترجمة المقال نقلاً عن موقع “الجادة“.. والنص الإنكليزي الأصلي على موقع “فورين بوليسي“.
علي هاشم
صحافي وكاتب لبناني
