شطرنج الشرق الأوسط.. الإمبراطوريات حينَ تخوض حروباً بلا مخارج!

من البديهي في علم الاستراتيجيا أن الحروب الكبرى لا تُخاض من دون تصور واضح لنهاياتها، لأنّ الدخول إلى الحرب أسهل بكثير من الخروج منها. وفي لعبة الأمم، حيث تتحرك القوى الكبرى على رقعة شطرنج دولية معقّدة، قد تتحوّل نقلة واحدة خاطئة إلى بداية انهيار طويل. وهذا ما عبّر عنه القائد الصيني القديم سون تزو في كتابه الشهير فن الحرب حين قال إنّ «القائد الذي يهاجم من دون استراتيجية خروج، كمن يلقي بجيشه في بئر عميقة».

إذا ما نظرنا إلى المشهد العالمي الراهن، وخصوصاً في الشرق الأوسط، يتبيّن أنّ المنطقة تحوّلت إلى مركز لعبة الشطرنج الكبرى بين القوى الدولية والإقليمية. فالحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران والتي شهدت جولتين، خلال أقل من سنة واحدة، تكشف أنّ واشنطن، وبرغم كونها القوة الأعظم عالمياً، دخلت مواجهة مفتوحة من دون امتلاك رؤية واضحة لكيفية إنهائها أو ضبط تداعياتها.

التاريخ مليء بالأمثلة على قوى عظمى استنزفت نفسها في حروب طويلة فقدت خلالها القدرة على السيطرة على مسار الأحداث. فالإمبراطورية الرومانية، على سبيل المثال، غرقت في حروب استنزاف على حدودها الشرقية والجرمانية، الأمر الذي أضعف اقتصادها وأرهق بنيتها العسكرية، قبل أن يتحوّل التمدد العسكري نفسه إلى أحد أسباب انهيارها. وفي القرن العشرين، شكّلت حرب فيتنام نموذجاً صارخاً لفشل القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية، إذ خرجت الولايات المتحدة من الحرب بخسائر استراتيجية ومعنوية هائلة، وتضررت هيبتها الدولية بصورة غير مسبوقة.

يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه رقعة شطرنج مفتوحة على احتمالات خطيرة، حيث تتحرك القوى الكبرى بحذر، لكنها في الوقت نفسه تدفع المنطقة نحو حافة هاوية قد لا يملك أحد القدرة على التحكم الكامل بنتائجها. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الانتصار دائماً لمن يمتلك القوة الأكبر، بل لمن يعرف كيف يخرج من الحرب قبل أن تبتلعه

أما في الزمن الراهن، فإنّ الحرب الروسية ـ الأوكرانية تمثل نموذجاً آخر لاستنزاف القوى الكبرى. فقد تحوّلت أوكرانيا إلى ساحة استنزاف مفتوحة بالنسبة إلى روسيا؛ فاستمرار الحرب يعني استنزافاً دائماً للموارد والقدرات، فيما يبدو الانسحاب بمثابة اعتراف بالهزيمة والتراجع الاستراتيجي. وهنا تتجلى مجدداً نظرية سون تزو القائلة إنّ أخطر الحروب هي تلك التي لا تستطيع الانتصار فيها بسرعة، ولا تستطيع الانسحاب منها بسهولة.

وفي قلب هذه الصراعات، تبدو الثروات الطبيعية والطاقة والنظام المالي العالمي بمثابة «الملك» في لعبة الشطرنج الدولية. فالبترودولار، وأسواق النفط، والديون السيادية، لم تعد مجرد أدوات اقتصادية، بل تحوّلت إلى ركائز للقوة الجيوسياسية العالمية. ومن هنا، يمكن فهم حجم المخاطر التي قد تترتب على أي مواجهة “وجودية” مع إيران، خصوصاً لجهة تداعياتها المباشرة على حركة الملاحة والطاقة في كل منطقة الخليج، ومن خلالها على الاقتصاد العالمي.

لقد أدركت إيران أهمية هذه الورقة، فاستخدمت مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، في ترجمة عملية لما قاله سون تزو: «إنّ خنق خطوط إمداد العدو هو أقصر طريق لهزيمته من دون قتال». فالمضيق لا يمثل ممراً بحرياً عادياً، بل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. وأي تهديد فعلي له يعني اهتزاز أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط، وفتح الباب أمام أزمة اقتصادية عالمية قد تطاول الجميع.

في المقابل، حاولت الولايات المتحدة الرد عبر فرض حصار مقابل على إيران، غير أنّ هذه الخطوة لم تكن موجهة إلى طهران وحدها، بل حملت في طياتها رسائل استراتيجية إلى الصين أيضاً، باعتبارها الدولة الأكثر حاجة إلى تدفقات الطاقة القادمة من الخليج. وهنا يظهر البعد الحقيقي للصراع: فالمواجهة مع إيران ليست منفصلة عن التنافس الأميركي ـ الصيني على النظام الدولي. لذلك تبدو سياسة الضغط على إيران جزءاً من محاولة أوسع لإعادة ضبط التوازنات العالمية، خصوصاً قبل أي تفاهمات كبرى بين واشنطن وبكين، ذلك أن القمة الأخيرة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ كانت قمة إدارة الملفات الصراعية بطريقة تمنع المواجهة بين الجانبين طالما أنه يتعذر إيجاد حلول لها حتى الآن.

لكنّ المشكلة الأساسية تكمن في أنّ الإدارة الأميركية تبدو، حتى الآن، وكأنها دخلت الحرب مع إيران من دون امتلاك تصور واضح لكيفية إنهائها. وهذا ما يذكّر بمقولة مكيافيلي الشهيرة: «الحروب تبدأ عندما نريد، لكنها لا تنتهي عندما نشاء». كما أنّ واشنطن تبدو وكأنها تجاهلت تحذيرات وزير خارجيتها الأسبق هنري كيسنجر حين قال إنّ «المنتصر الحقيقي في الحروب هو من يستطيع الصمود في وجه الفوضى التي صنعها بنفسه”.

وفي لعبة الشطرنج الإقليمية، يُمكن النظر إلى لبنان بوصفه «القلعة» المتقدمة في النظام الدفاعي الإقليمي. فسقوطه الكامل في قبضة إسرائيل، وهو أمر يبدو شديد الصعوبة في ظل طبيعة الصراع والقوى الموجودة على الأرض، سيعني اختلالاً استراتيجياً واسعاً في المنطقة بأسرها. ومن هنا، تبرز أهمية أي حوار سعودي ـ إيراني حول حماية الاستقرار اللبناني ومنع انزلاقه نحو انفجار شامل، لأنّ اشتعال لبنان لن يبقى شأناً داخلياً، بل ستكون له ارتدادات إقليمية تتجاوز حدوده الصغيرة بكثير، ولا سيما في الاتجاه السوري.

في النهاية، يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه رقعة شطرنج مفتوحة على احتمالات خطيرة، حيث تتحرك القوى الكبرى بحذر، لكنها في الوقت نفسه تدفع المنطقة نحو حافة هاوية قد لا يملك أحد القدرة على التحكم الكامل بنتائجها. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الانتصار دائماً لمن يمتلك القوة الأكبر، بل لمن يعرف كيف يخرج من الحرب قبل أن تبتلعه.

إقرأ على موقع 180  لبنان من وهم التعافي إلى ذل الإعاشة

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  من يردع إسرائيل إذا عجزت الدولة اللبنانية والمقاومة؟