على مدى العقود السبعة الماضية، جلست الولايات المتحدة على قمة النظام العالمي، فهندست وأسست المنظمات الدولية، الاقتصادية منها والسياسية، ودفعت بعملتها، الدولار، لتصبح العملة الاحتياطية العالمية، كما طورت قوة عسكرية لا ينازعها فيها أحد. ومع زيارة ترامب إلى الصين، عاد سؤال: «هل تمثل الصين تهديداً حقيقياً لهذه الهيمنة؟» إلى الواجهة بقوة. فقد هيمنت أميركا، ولا تزال، بقوتها الخشنة، وأيضاً بقوتها الناعمة وإنتاجها الثقافي والفني والرياضي، وهي عناصر يصعب منافستها سريعاً.
***
نعم، تحولت الصين خلال نصف قرن من اقتصاد زراعي متواضع إلى “مصنع العالم”، وقد تتجاوز الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد عالمي وفقاً لكثير من المعايير. وفي الوقت نفسه، تعمل الصين على تطوير جيشها ليصبح الأكبر في العالم، مع تقليص الفجوة التكنولوجية في مجالات الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي بوتيرة تربك الخبراء الأميركيين.
وتسيطر الصين حالياً على نحو 80% من المعادن الأرضية النادرة، الضرورية لصناعة أشباه الموصلات وبطاريات السيارات الكهربائية والأسلحة المتقدمة، ما يمنحها نفوذاً كبيراً على سلاسل التوريد العالمية. كما تنتج قرابة 60% من المركبات الكهربائية في العالم.
وتتمتع الصين أيضاً بما تفتقده الولايات المتحدة: الصبر الاستراتيجي، الذي يسمح بالتخطيط لعقود مقبلة بعيداً عن ضغوط الانتخابات وتقلباتها.
ومن ناحية أخرى، يعكس النجاح الساحق للسيارات الكهربائية الصينية وتطبيق “تيك توك” حجم قوة النموذج الصيني. إلا أن ذلك يكشف أيضاً حدود هذا النموذج في ظل الهيمنة الأميركية الكاسحة على الفضاء التكنولوجي العالمي عبر تطبيقات مثل “إكس” و”فيسبوك” و”إنستغرام” و”يوتيوب”.
ولا يعرف العالم خارج الصين نجوماً سينمائيين أو موسيقيين صينيين يتمتعون بجاذبية عالمية تضاهي الحضور الأميركي، كما أن اللغة الإنجليزية لا تزال تحتفظ بمكانتها العالمية. وحتى على مستوى القوة الخشنة، لم يخض الجيش الصيني حرباً فعلية منذ نصف قرن، ولم تُختبر أسلحته أو جنوده في معارك كبرى.
***
الأميركيون أكثر انفتاحاً على العالم، سواء بتركيبتهم السكانية المتنوعة أو باهتمامهم بما يجري خارجه، وهو ما لا يتوافر بالدرجة نفسها لدى المجتمع الصيني الأكثر انغلاقاً.
وما يزال كثيرون حول العالم يحلمون بالهجرة إلى الولايات المتحدة لا إلى الصين، برغم الصعود الاقتصادي الصيني الكبير، الذي رفع متوسط دخل الفرد إلى نحو 13 ألف دولار العام الماضي، مقابل نحو 90 ألف دولار للفرد الأميركي.
وبرغم الضجيج الذي يثيره دونالد ترامب، وما سببه من تهديد لقيم أميركية راسخة، وبرغم الحروب الأميركية غير العادلة ودعم واشنطن للحرب الإسرائيلية في غزة وجنوب لبنان، وتجدد تدخلاتها العسكرية في الشرق الأوسط، فإن المجتمع الأميركي لا يزال يمتلك قدرة دائمة على مراجعة الذات وتصحيح المسار، وهو ما يظهر خصوصاً لدى الأجيال الشابة.
***
قبل ستة أعوام، نشر المفكر والدبلوماسي السنغافوري كيشور محبوباني كتابه الشهير: «هل انتصرت الصين؟ التحدي الصيني للهيمنة الأميركية». وقبل ذلك، شهدت سبعينيات القرن الماضي نقاشات مشابهة حول “الخطر الياباني” مع اجتياح منتجات “سوني” و”باناسونيك” و”نيكون” الأسواق الأميركية.
ما يجري اليوم ليس جديداً بالكامل، بل هو امتداد متكرر للحديث عن أفول الهيمنة الأميركية والنظام الذي أسسته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية. غير أن هذا الأفول لم يتحقق حتى الآن، برغم سياسات ترامب المثيرة للجدل.
ولا يزال الأميركيون يرون أن أسلوب حياتهم يُستنسخ عالمياً بسرعة هائلة، سواء عبر السينما أو اللغة الإنجليزية أو الجامعات. ووفق تصنيف جامعة شنغهاي لأفضل جامعات العالم، تحتل الجامعات الأميركية 17 موقعاً من أصل أفضل 20 جامعة عالمية، وهو ما يفسر استمرار الثقة الأميركية بتفوقها.
ويؤمن كثير من الأميركيين بأن تعقيد الاقتصاد والتكنولوجيا يفرض تعاوناً متبادلاً بين واشنطن وبكين. ويكفي أن نقرأ العبارة المكتوبة على هواتف “آيفون”: «صُمم في كاليفورنيا وجُمّع في الصين».
ولهذا، ستبقى الولايات المتحدة مهيمنة، حتى مع صعود الصين اقتصادياً وعسكرياً، لأن القوة لا تُقاس بالأرقام فقط، بل أيضاً بالانفتاح والثقة بالنفس والقدرة على التأثير الثقافي والمعرفي العالمي.
ودون انفتاح سياسي وثقافي أوسع، يسمح بحرية الوصول إلى المعلومات والتطبيقات ووسائل الإعلام العالمية، ستظل الصين عاجزة عن انتزاع الريادة العالمية من الولايات المتحدة، حتى لو أصبحت الاقتصاد الأول في العالم أو امتلكت أكبر أسطول بحري وعدداً أكبر من براءات الاختراع.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
