ركزت وسائل الإعلام الأوروبية على تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار، مع إبراز طبيعته المشروطة والتحذير من هشاشته. فقد أشارت “يورونيوز” إلى أن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بعد الجولة الرابعة من المحادثات المباشرة بين الدبلوماسيين اللبنانيين والإسرائيليين في واشنطن، كان “مشروطاً بالتوقف الكامل” لإطلاق النار من قبل حزب الله وانسحاب عناصره من جنوب لبنان. هذا الشرط، بحسب “يورونيوز”، يضع الاتفاق في موضع شك كبير، وبخاصة مع التصريحات الصادرة عن مسؤولين في حزب الله، مثل محمود قماطي، الذي رفض أي “وقف جزئي” لإطلاق النار، مؤكداً على موقف الجماعة الرافض لأي تسوية لا تلبي مطالبها بشكل كامل.
من جانبها، أبرزت صحيفة “لوموند” الفرنسية جانباً آخر من الاتفاق، وهو إنشاء “مناطق تجريبية” تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية (LAF) السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد كافة الجهات غير الحكومية. هذه الخطوة، وإن كانت تهدف إلى تعزيز سيادة الدولة اللبنانية، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة في التنفيذ على أرض الواقع، ولا سيما في المناطق التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ قوي. كما أشارت “لوموند” إلى أن الاتفاق واجه انتقادات داخلية حادة في إسرائيل، حيث وصفه وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بأنه “خطأ جسيم” و”أضغاث أحلام”، مما يعكس الانقسامات داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن التعامل مع الأزمة اللبنانية.
تحليلات مراكز الأبحاث
وقدمت مراكز الأبحاث الأوروبية تحليلات أكثر عمقاً وتعقيداً للوضع، فقد حذر المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) في تقرير له بتاريخ 2 حزيران/يونيو 2026، من أن حملة إسرائيل لنزع سلاح حزب الله قد تؤدي إلى “تفريغ” الدولة اللبنانية بدلاً من تقويتها. وأشار الكاتب ألكسندر كينغ من المعهد الملكي إلى أن إضعاف حزب الله عسكرياً لا يعني بالضرورة قدرة الدولة اللبنانية على ملء الفراغ السياسي والأمني الذي قد يتركه الحزب. على العكس، قد يؤدي ذلك إلى فقدان الدولة شرعيتها إذا بدت عاجزة عن حماية مواطنيها أو فرض سيادتها، مما يعيد إنتاج الظروف التي أدت لنشوء حزب الله في المقام الأول كقوة دفاعية في غياب الدولة القوية.
وأكد تقرير RUSI أن الضغط العسكري وحده لن يوفر حلاً استراتيجياً في لبنان، وأنه بدون خطة سياسية شاملة، سيؤدي ذلك إلى مزيد من الدمار والمعاناة المدنية على جانبي “الخط الأزرق”، وشدد التقرير على أن أي محاولة لدفع الحكومة اللبنانية نحو نزع السلاح الداخلي القسري في ظل الظروف الحالية قد يؤدي إلى انهيار الدولة، وأن القوات المسلحة اللبنانية غير قادرة حالياً على استيعاب هذه المواجهة من دون انقسام طائفي.
من جانبه، ركز المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) على الدور الإيراني المحوري في الأزمة اللبنانية. وحذر من أن أي اتفاق دائم يجب أن يربط بين المسار اللبناني والملف النووي الإيراني، مشيراً إلى أن طهران ترى في لبنان ورقة ضغط استراتيجية لن تتخلى عنها بسهولة. هذا التحليل يؤكد على أن الأزمة اللبنانية ليست مجرد صراع محلي، بل هي جزء لا يتجزأ من صراع إقليمي أوسع بين القوى الكبرى، وأن أي حل مستدام في لبنان يتطلب معالجة هذه الأبعاد الإقليمية المعقدة.
المواقف الأوروبية الرسمية
تميز الموقف الأوروبي الرسمي، وبخاصة الفرنسي، بالدعوة لتعزيز قدرات الجيش اللبناني كبديل وحيد للميليشيات، والتأكيد على ضرورة احترام سيادة لبنان. ودعا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو الدول الأوروبية للمشاركة في “قوة أمنية” لدعم لبنان في ظل احتمال انسحاب قوات اليونيفيل نهاية هذه السنة، مطالباً إسرائيل بإنهاء ما وصفه بـ “الاحتلال غير القانوني” للأراضي اللبنانية. هذه الدعوة تعكس قلقاً أوروبياً متزايداً من الفراغ الأمني الذي قد ينشأ في جنوب لبنان، وتأكيداً على الدور الفرنسي التاريخي في دعم لبنان.
كما حذر جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، من أن أي تدخل عسكري إسرائيلي بري أوسع في لبنان سيؤدي إلى كارثة إنسانية لا يمكن احتواؤها. هذا التحذير يعكس المخاوف الأوروبية من تداعيات التصعيد العسكري على تدفق اللاجئين إلى أوروبا، وعلى استقرار المنطقة بشكل عام. وتؤكد هذه المواقف الدبلوماسية على أن أوروبا ترى في استقرار لبنان جزءاً لا يتجزأ من أمنها واستقرارها.
التحديات الاستراتيجية
تتجاوز المواقف الأوروبية المعلنة مجرد ردود الفعل على الأحداث الراهنة، لتشمل مخاوف استراتيجية أعمق تتعلق بمستقبل لبنان والمنطقة. يمكن تلخيص هذه المخاوف على الشكل الآتي:
- هشاشة الدولة اللبنانية: يدرك المسؤولون الأوروبيون أن الدولة اللبنانية تعاني من ضعف هيكلي وفساد مستشر، مما يجعلها غير قادرة على فرض سيادتها الكاملة أو تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها. هذا الضعف يجعلها عرضة للتدخلات الخارجية وتأثير الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل حزب الله.
- تداعيات الأزمة الإنسانية: يخشى الأوروبيون من تفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان، والتي قد تؤدي إلى موجات جديدة من الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، مما يضع ضغوطاً إضافية على الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي.
- الارتباط بالصراع الإقليمي: يرى الأوروبيون أن لبنان ليس جزيرة معزولة، وأن مصيره مرتبط بشكل وثيق بالصراع الإقليمي الأوسع بين إسرائيل وإيران، وتأثير القوى الكبرى. أي تصعيد في لبنان يمكن أن يزعزع استقرار المنطقة بأكملها، مما يؤثر سلباً على المصالح الأوروبية.
- تهديد الأمن الأوروبي: يعتبر الأوروبيون أن وجود جماعات مسلحة غير حكومية مثل حزب الله، والتي لديها روابط مع قوى إقليمية، يمثل تهديداً محتملاً للأمن الأوروبي، سواء من خلال الأنشطة الإرهابية أو الجريمة المنظمة.
تأسيسا على ما تقدم، تعكس المواقف الأوروبية تجاه لبنان توازناً دقيقاً بين الضغط والدعم. فمن ناحية، هناك إجماع على ضرورة نزع سلاح حزب الله وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية. ومن ناحية أخرى، هناك وعي بالمخاطر الكبيرة التي قد تنجم عن الضغط العسكري وحده، وثمة دعوات لتقديم دعم أوروبي منسق لتعزيز قدرات الدولة اللبنانية ومؤسساتها. يظهر هذا التوجه الأوروبي رغبة في تجنب المزيد من التصعيد في منطقة حساسة، مع السعي لإيجاد مسار نحو استقرار دائم في لبنان يعتمد على الحلول السياسية والدبلوماسية، بدلاً من الحلول العسكرية التي أثبتت عدم فعاليتها على المدى الطويل.
في المحصلة، يعتمد مستقبل لبنان، من المنظور الأوروبي، على قدرة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية على تجاوز المصالح الضيقة والعمل نحو بناء دولة قوية ومستقرة، قادرة على حماية مواطنيها وفرض سيادتها، بعيداً عن التدخلات الخارجية والصراعات المسلحة. يتطلب ذلك استراتيجية أوروبية شاملة تجمع بين الدعم الاقتصادي والإنساني، والضغط الدبلوماسي، والمشاركة في الجهود الأمنية، لضمان أن لا يصبح لبنان “دولة منهكة” تدفع ثمن الصراعات الإقليمية.
