إيران ما بعد فرساي.. من المدفع إلى المصنع!

من الحرب العالمية الأولى إلى "الحرب العالمية الثالثة"، لم يعد قصر فرساي مجرد تحفة معمارية تجسد ذروة المجد الملكي الفرنسي في عهد لويس الرابع عشر، بل تحول خلال القرن الأخير إلى شاهد على صياغة التحولات الكبرى في النظام الدولي.

منذ توقيع معاهدة فرساي عام 1919، التي وضعت حداً للحرب العالمية الأولى وأرست، ولو مؤقتاً، أسساً جديدة للعلاقات بين الدول، اكتسب القصر مكانة تتجاوز التاريخ والفن لتلامس الجغرافيا السياسية نفسها. ففي قاعاته التي شهدت يوماً احتفالات البلاط الملكي، تعاقبت لقاءات وقمم ومناسبات دبلوماسية استُحضرت فيها ذاكرة التسويات الكبرى، سواء لتكريس موازين قوى جديدة، أو لمحاولة احتواء أزمات دولية متجددة. وعلى مدى أكثر من قرن، بقي فرساي حاضراً في المخيال السياسي الأوروبي والعالمي بوصفه مكاناً تختلط فيه رمزية الإمبراطوريات المنهارة بطموحات القوى الصاعدة، وحيث يُستدعى الماضي كلما بدا العالم على أعتاب إعادة رسم خرائط النفوذ أو البحث عن صيغ جديدة للسلام والاستقرار.

***

اتفاقية سلام من أربعة عشر بنداً وقعها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون مع ألمانيا المهزومة قبل أكثر من مئة عام في مدينة فرساي الفرنسية. المفارقة أن الرئيس دونالد ترامب وقع اتفاقية سلام من أربعة عشر بنداً مع إيران المأزومة بعد حوالي المئة عام في القصر الفرنسي ذاته. هذه المفارقة تحمل دلالات رمزية. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد البنود أو مسرح التوقيع، بل كيف سينعكس إبرام التسوية النهائية بين إيران وأميركا على موازين القوى في الإقليم في المرحلة المقبلة؟

لا تواجه إيران اليوم اتفاقية شبيهة بمعاهدة فرساي الأولى. لا قوة منتصرة تفرض ولا قوة مهزومة جاهزة لتقبل شروط الاستسلام، كما جرى مع ألمانيا. حتماً كل رحلة إيران في جغرافيا المنطقة السياسية على مدى سبعة وأربعين عاماً بلغت لحظة الحسم. لا يُمكن للثورة أن تستمر ثورة ولا يمكن للخطاب الديني أن يستمر ولا يمكن للنفوذ أن يتخذ الصورة والأشكال نفسها التي اتخذها طيلة العقود التي مضت ولا يمكن لإيران أن تستمر دولة بعلاقات مأزومة مع محيطها ولا سيما دول الجوار الخليجي العربي.

بهذا المعنى، تواجه إيران منعطفاً تاريخياً قد يعيد تعريف دورها الإقليمي والدولي لعقود مقبلة تماما كما حدث مع ألمانيا. ثمة استدراك في هذا السياق، أن ألمانيا أصبحت القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا بعد أن خرجت مكسورة ومدمرة من حربين عالميتين. وها هي بعد قرن من الزمن تستعد للانتقال من الهزيمة إلى القيادة، فماذا ينتظر “إيران الجديدة” في العقود المقبلة، بعد نصف قرن من القتال مع الولايات المتحدة، أعتى قوة استعمارية في التاريخ الحديث.

***

في خريف العام 1944، بدأت العاصمة البريطانية تتعرض لهجمات بصواريخ “V2″، أول صواريخ باليستية في التاريخ. انطلقت هذه الصواريخ من مواقع ألمانية في أوروبا المحتلة، وعبرت مئات الكيلومترات بسرعة تفوق سرعة الصوت، بحيث كان يصل الصاروخ إلى هدفه قبل أن يسمع الناس هدير اقترابه. كان الأمر بالنسبة للبريطانيين إعلاناً عن ولادة عصر عسكري مختلف تماماً.

المفارقة التاريخية أن هذا السلاح الذي أرعب لندن لم يكن نتيجة انتصار ألماني، بل ولد من رحم الهزيمة. انتهت الحرب العالمية الأولى عام 1918 بانتصار الحلفاء وهزيمة الإمبراطورية الألمانية. حملت أوروبا الخارجة من الحرب شعوراً بالخوف من عودة ألمانيا كقوة عسكرية كبرى، إذ اعتبر كثير من الساسة الأوروبيين أن القوة الصناعية والعسكرية الألمانية كانت العامل الرئيسي وراء حجم الدمار في الحرب.

لهذا السبب جاءت معاهدة فرساي عام 1919 قاسية المضمون لألمانيا: تعويضات مالية ضخمة، اقتطاع أجزاء من أراضيها، خفض حجم جيشها، منعها من امتلاك أسلحة استراتيجية إلخ.. كان الهدف المعلن ضمان ألا تتمكن ألمانيا من تشكيل تهديد مستقبلي لأوروبا مرة أخرى.

في تلك اللحظة، بدا أن ألمانيا خرجت نهائياً من معادلة القوة الدولية. دولة مهزومة، مُقسّمة، منزوعة القدرات العسكرية، ومثقلة بالديون وبإرث حربين عالميتين.

لم يكد يمر عقد من الزمن حتى وصلت ألمانيا في مشارف ستينيات القرن الماضي إلى عتبة إقتصادية متميزة، ووجدت نفسها تستفيد كما غيرها من دول القارة الأوروبية من برنامج “مارشال” الذي موّلته الحكومة الأميركية، فضلاً عن بناء قاعدة اقتصادية كبيرة جعلتها رائدة في التفوق في قطاعات عدة.

وهكذا أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية ليست دائماً هي العامل الحاسم في تحديد مكانة الدول على المدى الطويل، ذلك أن إغلاق أبواب معينة أمام الدولة المهزومة يدفعها للبحث عن أبواب أخرى. فالقيود لا تلغي الطموحات، بل تدفعها أحياناً لتغيير المسار.

صاروخ V2

هذا التحول الالماني يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى إيران بعد الحرب الأخيرة.. فمعاهدة فرساي التي صيغت لمنع عودة تهديد المدفعية الألمانية ساهمت في فتح الطريق أمام “عصر الصواريخ”، والضغوط التي فُرضت على إيران منذ العام 1979 دفعتها إلى تطوير أدوات مختلفة للحفاظ على نفوذها وقدراتها وبينها بناء قاعدة اقتصادية ضخمة يغلب عليها الطابع العسكري.. وكما حدث مع ألمانيا، لم تؤدِ هذه الضغوط إلى إنهاء السعي إلى القوة، بل إلى البحث عن أدوات بديلة لتحقيقها. وبينما جرى تفكيك البرنامج الصاروخي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، خرجت إيران من الحرب الأخيرة محتفظة ببرنامجها الصاروخي، الذي أثبت أنه ما زال يمثل أحد أهم عناصر القوة الإيرانية وأدوات الردع الاستراتيجية لديها، وها هي تُعوّل على برنامج “مارشال” أميركي بقيمة 300 مليون لإطلاق ورشة تنموية شاملة يُفترض أن تنقلها من ضفة إلى ضفة بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي في العقود المقبلة، إذا تمكن النظام من تجديد نفسه وتعديل أولوياته.

إقرأ على موقع 180  ترامب يُوظّف تهديدات نتنياهو.. لتعديل الخطوط الحمر الإيرانية

ولا تكمن أهمية الترسانة الصاروخية في قدرتها التدميرية، بل في وظيفتها السياسية: فالدول تبني قدرات الردع لخلق بيئة استراتيجية تسمح بحماية مصالحها وتحقيق أهدافها الكبرى. لذا، يأتي سؤال ما بعد إثبات الذات (معادلات الردع الإيرانية)، وهو سؤال سيتمحور حوله النقاش الداخلي، كما مع دول الجوار ومع المجتمع الدولي في المرحلة المقبلة.

على مدى عقود، استعانت إيران بالأذرع في المنطقة، وغالباً ما جرى التعامل معها كمصدر رئيسي لنفوذ طهران الإقليمي. لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن النفوذ الإيراني لا يقتصر على هذه الشبكات وحدها. عندما دخلت إيران مباشرة إلى ساحة المواجهة، بدا واضحاً أن مركز الثقل الحقيقي موجود داخل الدولة الإيرانية نفسها وفي الجغرافية التي تُقيم فيها ولا سيما عند بوابة مضيق هرمز. وإذا كانت إيران راهنت على منع القتال على أرضها مستفيدة من تجربة الحرب العراقية الإيرانية طيلة ثماني سنوات، فإن تجربة الحرب الأخيرة وضعتها وجهاً لوجه مع أميركا وإسرائيل في ميدان عسكري صار حلفاء إيران بحاجة إلى من يوفر لهم الحماية، كما حصل مع لبنان، أي بعكس الوظيفة التي انتفت قيمتها الإستراتيجية في يوم الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026.

***

قد تكون الحرب الأخيرة بداية مرحلة جديدة في التفكير الاستراتيجي الإيراني. فالدول التي تثبت موقعها الأمني تبدأ بالانتقال تدريجياً إلى أولويات أخرى تتعلق بالاقتصاد، الاستثمار، التعليم، التنمية، التكنولوجيا والاندماج في الاقتصاد العالمي. إيران تمتلك عناصر قوة كبيرة في هذا المجال: أكثر من تسعين مليون نسمة، قاعدة علمية وصناعية معتبرة، موارد طاقة ضخمة، وموقع جغرافي يربط بين آسيا الوسطى والخليج العربي والمحيط الهندي.

إيران اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي بعد أن تمكنت من إثبات موقعها الاستراتيجي (مرتكز): ثمة طريق أول يفضي إلى نموذج الدولة التي تحول خبراتها وأزماتها إلى مشروع نهضة طويل الأمد، كما فعلت ألمانيا واليابان بعد الحروب الكبرى، أو تعتمد الطريق الثاني الذي يجعلها تدور في حلقة من الأزمات والصراعات المفتوحة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  عندما يُصبح كل لبناني.. خبيراً علمياً!