“معركة هرمز” وما حوله.. كما تراها إيران

دخلت مذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية شهرها الثاني، فيما دخل الإشتباك العسكري بين الطرفين يومه العاشر، تحت النار والحصار وحصار الحصار، وبين من يعتبر أن المذكرة ماتت سريرياً، وأن المنطقة تتدحرج نحو حرب مفتوحة، ومن لا يزال يراهن على جهود الوسطاء لإحياء التفاوض، ترى طهران أن ما يجري ليس سوى فصل جديد من مواجهة واحدة لم تتوقف، وأن الحرب والمفاوضات مساران متوازيان لا يلغي أحدهما الآخر.

في القراءة الإيرانية، لا وجود لفاصل حقيقي بين حرب الأمس وحرب اليوم. فواشنطن، بعد أن عجزت عن انتزاع ما تريده على طاولة المفاوضات، عادت إلى محاولة فرضه بالقوة. لذلك تصنف طهران المواجهة الراهنة باعتبارها «الحرب الثالثة» بعد حرب الأيام الاثني عشر في حزيران (يونيو) 2025، وعدوان شباط (فبراير) الماضي، لكنها تفضّل أن تطلق عليها إسم «حرب مضيق هرمز»، لأن المضيق، في نظرها، بات عنوان الصراع الحقيقي.

هنا يستشهد أحد الدبلوماسيين الإيرانيين المخضرمين بالمقولة المنسوبة إلى الإمام جعفر الصادق: «الحمد لله الذي جعل أعداءنا من الحمقى»، معتبراً أن الولايات المتحدة كررت الخطأ نفسه الذي ارتكبته عام 2018 عندما مزق الرئيس دونالد ترامب الاتفاق النووي الموقع عام 2015، ثم عاد اليوم لينقلب على مذكرة إسلام آباد بعد أقل من ثلاثة أسابيع على توقيعها، معتقداً أن الضغط العسكري والحصار البحري قادران على تحقيق ما عجزت عنه المفاوضات.

لكن طهران تنظر إلى الحرب بمنطق مختلف. فهي تعتبر نفسها في مواجهة وجودية تخوضها بعقلية «الثائر»، بينما يخوضها ترامب بعقلية «التاجر» الباحث عن صفقة. ومن هنا، لم يعد الهدف الإيراني تحقيق نصر عسكري تقليدي، بقدر ما هو رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة، سواء في داخلها، أو في قواعدها الإقليمية، أو في أمن الطاقة العالمية، فيما يبقى «كسر الإرادات» العنوان المشترك للطرفين، وإن كانت نهاية المطاف، بنظر الإيرانيين، ستقود مجدداً إلى طاولة المفاوضات.

ذلك أن طهران وجدت بأن واشنطن لا تزال تعتمد أدوات استُهلكت سابقاً. فالقصف المتواصل على الساحل الإيراني، ومحاولة استهداف مراكز القيادة والسيطرة المرتبطة بمضيق هرمز، ثم مراكز ومواقع حيوية، والرهان على تحريك الداخل الإيراني، كلها وسائل لم تنتج، سوى مزيد من التماسك الداخلي كما ترى طهران.

هرمز.. قنبلتنا النووية

على أنّ الدبلوماسي الإيراني يقرّ بأن العقوبات الممتدة منذ قيام الجمهورية الإسلامية، والحصار البحري الراهن الذي يقال إنه يكبد إيران نحو خمسمئة مليون دولار يومياً، فرضا ظروفاً اقتصادية ومعيشية قاسية على الإيرانيين، إلا أنه يعتبر أن المجتمع الإيراني إعتاد التكيف مع الضغوط، وأن الرهان الأميركي على إنهيار الجبهة الداخلية أخفق مرة جديدة، مستشهداً بالمشاركة الشعبية الواسعة في تشييع الإمام علي الخامنئي، باعتبارها دليلاً على استمرار الالتفاف الشعبي حول النظام.

ومن هذا المنطلق، ترى إيران أن الولايات المتحدة دخلت الحرب من دون استراتيجية جديدة، وأنها أعادت استخدام أدوات الضغط ذاتها، فيما كانت طهران قد إستعدت مسبقاً لهذا السيناريو، ولذلك يجزم الدبلوماسي الإيراني بأن «أميركا ستخرج خاسرة، فيما ستخرج إيران أقوى».

بناء عليه، تعتبر طهران أن الورقة الأكثر أهمية في هذه المواجهة ليست برنامجها النووي، بل مضيق هرمز نفسه، الذي لا يقلّ أهمية عن القنبلة النووية برأي البعض، لأنه يمنحها قدرة استراتيجية على التأثير في أمن الطاقة العالمي. ومن هنا تصرّ على توصيف ما يجري بأنه «معركة مضيق هرمز»، لا مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولهذا يذهب الدبلوماسي الإيراني إلى حدّ القول إن إغلاق المضيق لا يحتاج، من الناحية العسكرية، إلى أكثر من وسيلة بسيطة إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك، في حين تضطر الولايات المتحدة إلى حشد قوات بحرية وجوية وبرية ضخمة وبصورة يومية لمحاولة فتحه أو لإبقائه مفتوحاً، ولهذا تعتبر طهران أن العمليات الأميركية لم تنجح في تحقيق أهدافها، ولن تنجح مستقبلاً. ولذلك فهي في توصيفها لمسار المواجهة الحالية، تؤكد أنها انتقلت من «استراتيجية الردع» إلى «استراتيجية الإجبار»، أي الانتقال من منع الحرب إلى فرض أثمان عالية على الخصم. وهو ما يشرحه الدبلوماسي الإيراني بالقول إن ترامب لا يملك ترف خوض حرب استنزاف طويلة، بينما تمتلك إيران نَفَساً أطول، وإذا استمرت الحرب فستستخدم أوراقاً إضافية، بينها توسيع الضغط على طرق الملاحة البحرية، بعدما ظهرت مؤشرات ذلك في البحر الأحمر، حيث يمكن أن تمتد التداعيات إلى باب المندب، الذي تمر عبره نسبة مؤثرة من التجارة العالمية.

هل يعني ذلك سقوط مذكرة التفاهم؟

الجواب الإيراني لا يزال متحفظاً. فطهران لا تعلن وفاة المذكرة، لكنها في الوقت نفسه لا تثق بترامب ولا بالإدارة الأميركية، وتعتبر أن أي اتفاقٍ لا قيمة له إذا لم يقترن بضمانات فعلية، والضمانة الوحيدة، من وجهة نظرها، هي ميزان القوى الذي تستطيع إيران فرضه بنفسها. ولذلك فإن أي تفاوض مقبل، إن حصل، سيكون من موقع مختلف، وعلى قاعدة أن الاتفاق الجديد يجب أن يكون أقوى من مذكرة إسلام آباد، مع الإبقاء على باب التفاوض مفتوحاً، ولو بالحد الأدنى.

على أن طهران لا تقيس نتائج الحرب بما يتحقق أثناء المعارك، بل بما ستفضي إليه بعدها. فهي ترى أن خيارات ترامب تضيق كلما طال أمد المواجهة، وأنه يحتاج إلى إنجاز عسكري يسبق الانتخابات النصفية للكونغرس، بعدما دفعه بنيامين نتنياهو، وفق الرؤية الإيرانية، إلى حرب لم يحسب كلفتها جيداً.

في المقابل، تعتقد إيران أنها تدخل أي مفاوضات مقبلة بأربع أوراق قوة رئيسية: أولها قدراتها العسكرية التي أظهرتها الحرب الحالية؛ وثانيها تماسك جبهتها الداخلية؛ وثالثها امتلاكها ساحات ضغط إقليمية لم تستخدمها كلها حتى الآن، بعدما انتقلت من عقيدة الدفاع إلى الرد بالمثل؛ أما الورقة الرابعة، فهي قدرتها على ربط أمن الطاقة العالمي بمسار هذه الحرب، وتحويل أي تصعيد في مضيق هرمز إلى أزمة تتجاوز حدود الخليج لتطال الاقتصاد الدولي بأسره.

وإذا كان السؤال البديهي في هذه الحال حول استطاعة إيران إستخدام هذه الأوراق، من دون أن تخسر علاقاتها مع دول الإقليم التي ستتأثر، هي أيضاً، بنتائج هذه المواجهة، فإن قدرة إيران على تحويل أوراق القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية تبقى، بنظرها، رهناً بإدارة علاقاتها مع دول الإقليم، لأن الحرب تدور على جغرافيا واحدة، فيما تمتد آثارها إلى مصالح دول لا تريد طهران خسارتها، بل تسعى إلى إقناعها بأن أمنها لا ينفصل عن أمن إيران.

إقرأ على موقع 180  ليس بالحروب وحدها.. نُحصّن أمننا الإقليمي

دول الخليج.. والعراق وتركيا

في مقاربة طهران، لم تكن المشكلة يوماً مع دول الخليج بحد ذاتها، بل مع الوجود الأميركي فيها. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، تقول إنها دعت إلى إقامة علاقات حسن جوار، لكن الوجود العسكري الأميركي والتدخلات السياسية لواشنطن أبقيا هذه العلاقات بين مد وجزر.

من هنا ترى إيران أن دول الخليج تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد. فهي لا ترغب في رؤية إيران تملك فائض قوة إقليمية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد انهيارها أو تفككها، لأن الفوضى داخل إيران ستنعكس، حكماً، على أمن الخليج كله.

ومن هذا المنطلق، تعتبر طهران أنها فرضت معادلة جديدة، قوامها أن أمن البنى التحتية في المنطقة أصبح مترابطاً؛ فأي استهداف واسع للمنشآت الإيرانية سيقابله استهداف مماثل للبنى التحتية في الدول المجاورة، وهو ما أدى، بحسب الرواية الإيرانية، إلى إعادة حسابات كثير من العواصم الخليجية، التي بدأت تكتشف حدود الرهان على الحماية الأميركية بعدما تمددت الحرب من تخومها إلى عقر دارها.

ومن ضمن هذه التخوم تنظر طهران إلى العراق باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في هذه المواجهة، ليس فقط بسبب الجوار الجغرافي، بل لأنه يمثل امتداداً لأمنها القومي وتشابكه الاقتصادي والسياسي مع المنطقة. وإذا كانت الضغوط الأميركية على بغداد، سواء عبر الاتفاقيات، أو عبر محاولة ربط الانسحاب العسكري الأميركي بمصير «الحشد الشعبي»، تستهدف تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق أكثر من الإنسحاب الأميركي، فإن طهران تسجل بإيجابية، دور بغداد في محاولة إطفاء الحريق، وهنا يشير الدبلوماسي الإيراني إلى ما يسمّيه”مبادرة 6+2″ العراقية الداعية إلى إطار تعاون يضم إيران والعراق ودول الخليج، باعتبارها مدخلاً لبناء منظومة أمن إقليمي تتولى فيها دول المنطقة إدارتها بنفسها.

أما تركيا، فتتعامل معها طهران بوصفها منافساً وشريكاً في آن واحد. صحيح أن أنقرة تسعى دائماً إلى توسيع نفوذها وتحقيق مصالحها، لكنها تدرك أن إضعاف إيران بصورة جذرية لن يصب في مصلحة تركيا، لأن البديل سيكون تمدداً إسرائيلياً أكبر في المنطقة.

ولهذا ترى طهران أن مساحة المصالح المشتركة بين البلدين لا تزال أوسع من مساحة التنافس، وأن الخلافات التي ظهرت في الساحة السورية لم تلغِ حقيقة أن الدولتين تحتاج كل منهما إلى الأخرى في توازنات الإقليم.

سوريا ولبنان ومصر

تبدو مقاربة إيران للملف السوري أكثر حذراً. فطهران لا تتحدث عن قطيعة، لكنها لا تتحدث أيضاً عن علاقات، وهو ما يصفه الدبلوماسي الإيراني بمرحلة «جس نبض» متبادل، تحكمها حسابات كل من دمشق وطهران، في ظل الحضور الأميركي والإسرائيلي المباشر في الملف السوري.

ومن هنا، تفسر إيران الحديث عن استخدام الأراضي السورية للضغط على حزب الله، أو استهداف قاعدة التنف، باعتباره جزءاً من الصراع الأوسع الدائر في المنطقة، مع تأكيدها أنها لا ترى في ذلك مساراً حتمياً، وإن كانت تتعامل معه بجدية، ولا سيما في ضوء الكلام المتكرر للرئيس الأميركي حول دعوة سوريا للتدخل في لبنان.

في الملف اللبناني، تغلب نبرة العتب على خطاب الدبلوماسية الإيرانية. أوله يتعلق برفض السلطات اللبنانية السماح للطائرات الإيرانية بنقل لبنانيين مقيمين في إيران للمشاركة في تشييع الإمام الخامنئي. الثاني يتصل بملف السفير الإيراني في بيروت، الذي تقول طهران إن الرئيس اللبناني جوزاف عون تعهد بمعالجته خلال الاتصال الذي أجراه معه وزير الخارجية عباس عراقجي، من دون أن يتحقق أي شيء حتى الآن. أما العتب الثالث والأساسي فيبقى مرتبطاً بمذكرة إسلام آباد نفسها، إذ تعتبر إيران أن الأولوية فيها كانت لتنفيذ البند الخاص بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة وتثبيت سيادة الدولة اللبنانية، قبل الانتقال إلى بقية البنود، بينما أدى الاتفاق الإطاري في واشنطن إلى الالتفاف على هذا المسار، وتقديم صيغة تمنح “إسرائيل” مكاسب من دون ضمانات مقابلة للبنان.

ومع ذلك، لا تحمّل طهران الدولة اللبنانية مسؤولية تعطيل مسار إسلام آباد، بل تعتبر أن واشنطن هي التي أدارت مسارين متوازيين في آن واحد، مستفيدة من هامش الحركة الذي وفّرته الدولة اللبنانية، لكن طهران ما تزال تعتقد أن أية تسوية لبنانية في نهاية المطاف لن يكون ممكناً تجاوز إيران فيها.

مصر والنظام الإقليمي

وبوصول الحديث أخيراً إلى مصر، يُشخّص الدبلوماسي الإيراني هذه العلاقات بنوع غير معهود في دبلوماسية الدول “فنحن كأننا متفقون أن هناك علاقات لكن غير معلنة، وبالرغم من عدم وجود علاقات رسمية فإن التفاعل الايراني-المصري أهم وأكبر من التفاعل بين مصر ودول أخرى تقيم معها علاقات رسمية، وهنا يستذكر الدبلوماسي الإيراني الذي عاش 8 سنوات في مصر، مقولة من هناك تقول إن  “الشعب المصري سنّي المذهب شيعي الهوى” لكن هناك عوامل تمنع تطور العلاقات بين الدولتين، وأولها “اسرائيل” التي لا تريد ذلك على خلفية الدور الإيراني في الملف الفلسطيني.

في القراءة الإيرانية، لا تنتهي «معركة هرمز» عند حدود المضيق، ولا عند حدود المذكرة أو الحرب الجارية، بل تتجاوزها إلى السؤال الأكبر: من سيرسم خريطة الإقليم في المرحلة المقبلة؟

يجيب الدبلوماسي الإيراني بأن المنطقة تتجه، بعد انقضاء الحرب، نحو نظام إقليمي جديد، تكون ركائزه الأساسية إيران والسعودية وتركيا ومصر، ويتحدث عن إتصالات جارية لإعطاء هذا الإطار طابعاً مؤسسياً، بما يسمح لدول المنطقة بإدارة شؤونها الأمنية والسياسية بعيداً من الوصاية الخارجية.

وفق هذه الرؤية، لا تُقاس نتائج الحرب بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد المواقع التي استُهدفت، بل بما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى قادرة على فرض قواعد اللعبة القديمة، أم أن المواجهة الجارية ستفرض توازنات جديدة، يكون مضيق هرمز أحد عناوينها، ويكون النظام الإقليمي الذي تسعى إليه طهران إحدى أبرز نتائجها السياسية.

Print Friendly, PDF & Email
غالب سرحان

كاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  للحوار الوطني المصري متطلباته وضروراته.. من أين نبدأ؟