حرب الذاكرة في لبنان.. مَن يملك رواية الوطن؟

ليست الأمم مجرد خرائط مرسومة على الورق، ولا الدول مجرد مؤسسات دستورية وقوانين نافذة؛ فبين الدولة بوصفها كياناً سياسياً، والأمة بوصفها شعوراً جماعياً بالانتماء، تقوم مساحة شديدة التعقيد، يصنعها التاريخ والذاكرة والأسطورة السياسية والأيديولوجيا.

ولعل إرنست رينان كان من أوائل من لفتوا الانتباه، في محاضرته الشهيرة «ما هي الأمة؟» عام 1882، إلى أن تكوّن الأمة لا يقوم فقط على ما تتذكره الجماعة، بل كذلك على ما تنساه. فالأمم لا تحمل ماضيها كاملاً؛ إنها تنتقي منه ما يسمح لها بأن تستمر. وبعد قرن تقريباً، أضاف بندكت أندرسون أن الأمة «جماعة متخيَّلة»، لا بمعنى أنها وهم، بل لأن معظم أفرادها لا يعرف بعضهم بعضاً، ومع ذلك يتصورون أنهم ينتمون إلى «نحن» واحدة. أما إريك هوبزباوم، فقد أظهر كيف تصنع المجتمعات تقاليد ورموزاً وطقوساً تمنح هذا الانتماء إحساساً بالقدم والاستمرارية، فيما أطلق بيير نورا مفهوم «أماكن الذاكرة» على تلك الأحداث والرموز والشخصيات والمناسبات التي تختزن فيها الجماعات صورتها عن ذاتها، كالمتاحف والتماثيل والكاتدرائيات والمساجد والأبنية القديمة.

غير أن السؤال الذي يسبق كل ذلك هو: من يقرر ما الذي يجب أن نتذكره، وما الذي ينبغي أن ننساه؟ ومن يمنح حدثاً موقع المركز في الذاكرة، بينما يدفع حدثاً آخر إلى الهامش؟

هنا تبدأ الأيديولوجيا.

فالأيديولوجيا ليست مجرد مجموعة شعارات أو أفكار حزبية. إنها، في معناها الأعمق، الطريقة التي تُرتَّب بها الوقائع داخل سردية، حيث يصبح بعضها أصلاً وبعضها نتيجة، وبعضها بطولة وبعضها خطيئة، وبعضها مقاومة وبعضها مغامرة.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الأزمة اللبنانية الراهنة مجرد صراع بين المقاومة وإسرائيل، ولا مجرد نزاع دستوري بين دولة وسلاح خارج سلطتها. إنها أيضاً صراع على الذاكرة، وعلى معنى التاريخ، وعلى تعريف الخطر، وعلى من يملك حق الكلام باسم الوطن.

الأيديولوجيا والسرديات

المقاومة، في وعي جمهورها، ليست مجرد تنظيم مسلح؛ إنها نتيجة تاريخية لتجربة طويلة من الاحتلال والاعتداء والعجز الرسمي. ومن هذا الماضي وُلدت سردية تربط السلاح بالتحرير والردع والكرامة.

وحين يتحول السلاح إلى جزء من الذاكرة الجماعية، يصبح جزءاً من الأيديولوجيا الخاصة ورمزاً تاريخياً، وليس مجرد أداة عسكرية قابلة للنقاش التقني وحده. فهو يختصر، برمزيته، تجربة الجنوب (جبل عامل)، والاجتياحات، والاحتلال، والتحرير، والخوف من عودة الماضي. وهنا يصبح تاريخ السلاح مصدراً للشرعية ورمزاً مكثفاً للذاكرة الجماعية، يؤدي وظيفة قريبة مما يسميه بيير نورا «أماكن الذاكرة»، وإن كان مفهوم نورا في أصله أوسع من هذا الاستخدام السياسي المباشر.

في المقابل، يستند خطاب السيادة إلى ذاكرة مختلفة. فهو يستحضر هشاشة الدولة، وتعدد مراكز القوة، والحروب التي تجاوزت مؤسساتها، والقرار الوطني الذي كثيراً ما جرى مصادرته أو تقاسمه مع قوى داخلية وخارجية. ومن هذه الذاكرة تنشأ سردية ترى أن الدولة لا يمكن أن تقوم فعلاً ما دام قرار الحرب والسلم موزعاً بين المؤسسات الدستورية وقوى مسلحة مستقلة عنها. ولذلك فإن الخلاف لا يدور دائماً حول الوقائع نفسها، وإنما حول النقطة التي تبدأ منها الرواية.

جمهور المقاومة يبدأ من الاحتلال والاعتداء، وخصومها يبدأون من ازدواجية القرار والسلاح.

وكل طرف يعتقد أن الآخر بدأ القصة من المكان الخطأ.

وهنا تظهر وظيفة الأيديولوجيا بأوضح صورها: إنها لا تغيّر الحدث بالضرورة، لكنها تغيّر مكانه في السردية.

وقد يكون أخطر ما تفعله الأيديولوجيا هو قدرتها على الفصل والدمج. فهي تدمج أحداثاً متباعدة في قصة واحدة إذا كان الربط بينها يخدم رؤيتها، وتفصل بين أحداث مترابطة إذا كان اتصالها يضعف حجتها.

وهكذا لا يعود السؤال فقط: ماذا حدث؟ بل: ماذا نربط بما حدث؟

ومن هنا أيضاً تأتي أهمية اللغة.

فالحدث أو المفهوم الواحد يمكن رسمه بأشكال متضادة: «مقاومة» أو «مغامرة»، «عدوان» أو «عملية أمنية»، «ردع» أو «تصعيد»، «سيادة» أو «استسلام»، «حماية» أو «وصاية مسلحة».

لا تصف تلك الكلمات الواقع فحسب، وإنما تعيد إنتاجه بما يتوافق مع الأيديولوجيا والسردية السياسية التي يتبناها المتكلم.

فعندما نسمّي فعلاً ما «مقاومة»، نضعه مباشرة داخل تاريخ التحرر والدفاع عن الأرض. وحين نسمّيه «مغامرة»، ننقله من تاريخ التحرير إلى حساب الكلفة والخسائر. وعندما يُسمّى الهجوم الإسرائيلي «دفاعاً عن النفس»، يدخل في سردية تختلف جذرياً عن تلك التي تسمّيه «عدواناً». ومن هنا يصبح الإعلام جزءاً من الحرب، لا مجرد مرآة لها.

فالمعارك الحديثة تُخاض على الذاكرة بقدر ما تُخاض في الميدان: الصور، والضحايا، والتواريخ، والمقاطع، والخطب، والخرائط؛ كلها يعاد ترتيبها بما يخدم رواية بعينها.

ولا يقتصر توظيف الذاكرة على طرف سياسي بعينه؛ فبدرجات وأساليب مختلفة، تلجأ الأطراف المتنازعة إلى استدعاء الماضي وترتيبه بما يعزز سرديتها عن الحاضر.

جمهور المقاومة يستدعي الاحتلال والاغتيالات والاعتداءات السابقة ليجعل الحاضر استمراراً للماضي. وخصوم المقاومة يستدعون قرارات الحرب والارتباط بالمحاور الإقليمية ليجعلوا الحاضر نتيجة لمسار آخر. وهكذا يتحول الصراع على الحاضر إلى صراع على حق تفسير الماضي.

إقرأ على موقع 180  اليسوعي وليد جنبلاط.. و"الفرقة الناجية"!

الحلقة اللبنانية المقفلة

الأيديولوجيا تصبح أكثر خطورة عندما تتحول من أداة تفسير إلى حقيقة مغلقة.

تتحوّل المقاومة إلى أيديولوجيا مغلقة حين تفترض أن تاريخها يمنحها تفويضاً دائماً لتحديد المصلحة الوطنية، أو حين يصبح كل نقد لخياراتها خيانة، أو حين تتحول شرعية اكتسبتها في ظروف تاريخية محددة إلى حق دائم في تقرير الحرب والسلم خارج الشراكة الوطنية.

وفي المقابل، يتحول خطاب السيادة إلى أيديولوجيا مغلقة حين يتعامل مع الدولة كفكرة مجردة، ويتجاهل عجزها الواقعي عن حماية الأرض والسكان، أو حين يدين ارتباط الخصم بالخارج، فيما قد يتغاضى عن ارتباطات خارجية في صفوفه أو عن تدخلات خارجية أخرى حين تتقاطع مع مصالحه السياسية.

في الحالتين، تتوقف الوقائع عن اختبار الأفكار، وتصبح الأفكار هي التي تنتقي الوقائع التي تسمح لها بالبقاء.

وهنا يتحول التاريخ من أداة لفهم الحاضر إلى سجن له.

ينطبق الأمر ذاته على مفهوم الحماية.

تقول المقاومة إن الدولة لم تستطع تاريخياً حماية الجنوب، وإن المقاومة نشأت لملء هذا الفراغ. ولذلك تصبح الحماية فعلاً مباشراً يقوم على الردع والقدرة على إيقاع الكلفة بالمعتدي.

أما خطاب السيادة، فيرى أن الحماية المستدامة لا يمكن أن تقوم على قوة مستقلة عن الدولة، لأن هذه القوة قد تحمي في مرحلة، لكنها قد تجر البلد في مرحلة أخرى إلى حرب لم يشارك جميع اللبنانيين في قرارها.

ويستند كلٌ من الخطابين إلى وقائع وتجارب تاريخية تمنحه جانباً من القوة، من دون أن يكون أي منهما كافياً، بمفرده، للإحاطة بالمشكلة اللبنانية.

فالمقاومة تستند إلى تجربة فعلية في التحرير وإلى أدوار ردعية في مراحل مختلفة، لكنها تواجه معضلة الشراكة الوطنية في تحديد الكلفة والهدف والتوقيت.

أما الدولة، فتمتلك المشروعية الدستورية، لكنها تواجه معضلة القدرة. فلا تكفي النصوص الدستورية لحماية الحدود، كما لا تكفي المطالبة باحتكار القوة إذا بقيت الدولة عاجزة عن منع الاعتداءات.

ومن هنا تنشأ الحلقة اللبنانية المغلقة: عجز الدولة يُستخدم لتبرير استمرار قوة خارجها، واستمرار القوة خارج الدولة يُستخدم دليلاً على عجزها عن استكمال سيادتها، وتحوّل الأيديولوجيا هذا النقص المتبادل إلى يقين متبادل.

ذاكرات متنافرة

ومن منظور فلسفة التاريخ، يمكن القول إن التاريخ يمنح الشرعية، لكنه لا يمنح تفويضاً دائماً بها، وإن الشرعية ليست ملكية أبدية. فلا تستطيع جماعة أن تجعل من تضحيات الماضي حقاً أبدياً في القرار، كما لا تستطيع الدولة أن تجعل من الشرعية القانونية بديلاً عن القدرة.

وعليه، قد لا تكمن الإشكالية في المشهد اللبناني في الاختيار بين السيادة والحماية بقدر ما تكمن في انفصالهما؛ فالدولة التي يُفترض أن تحمي مواطنيها تقدم سيادة ناقصة، والقوة التي توفر الحماية خارج الشراكة الوطنية تقدم حماية ناقصة.

وهذا يعيدنا إلى أصل المشكلة: لبنان لا يملك فقط تاريخاً متنازعاً عليه، بل يملك ذاكرات متوازية.

لكل جماعة أحداثها المؤسِّسة، وشهداؤها، ورموزها، وخساراتها، وانتصاراتها، وخوفها الخاص من الآخر ومن الخارج.

وهذا قد يكون أحد العوامل التي تفسر صعوبة إنتاج «جماعة متخيَّلة» وطنية – على حد وصف بندكت أندرسون – تتقدم على الجماعات الفرعية. فلا تكمن المشكلة في أن اللبنانيين لا يتشاركون التاريخ نفسه، بل في أنهم لا يتذكرونه بالطريقة نفسها.

والحل لا يكون بمحو الذاكرات الخاصة أو فرض رواية رسمية واحدة، لأن التاريخ الذي تفرضه السلطة قد يتحول إلى أداة هيمنة. فالمطلوب شيء أكثر تعقيداً: الانتقال من ذاكرات متنافية إلى ذاكرة وطنية تعددية، تعترف بتجارب الجماعات المختلفة، لكنها تمنع أي جماعة من احتكار تعريف الوطن.

من هنا تبرز الحاجة إلى سردية وطنية مشتركة، لا تلغي الاختلاف، لكنها تضع له حدوداً؛ وإلى ثقافة سياسية تجعل الدولة مرجعاً نهائياً، من دون أن تطالب المجتمع بالتخلي عن عناصر قوته قبل أن تصبح الدولة قادرة فعلاً على حمايته.

وعليه، يصعب افتراض أن الأيديولوجيا يمكن أن تُهزم بالقوة وحدها، لأنها مرتبطة بالفكرة والواقع الذي أنتجها، وقد تستمر ما دامت جملة من شروطها التاريخية والاجتماعية والسياسية قائمة.

ولهذا فإن المعركة الأعمق في لبنان هي على التاريخ الذي سيختار اللبنانيون أن يرووه، وعلى الذاكرة التي يريدون أن يحملوها، وعلى معنى الـ«نحن» التي يستطيعون الاجتماع داخلها أو تحت مظلتها.

لا تُبنى الأوطان من التاريخ وحده، بل من انتقاء ما ينبغي لنا أن نتذكره، ومن القدرة على تحويل الذاكرة من أداة للصراع إلى مساحة مشتركة للعيش، وهذا ما فشلنا به بطريقة ممتازة.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  مصالحة أردوغان ـ الأسد تصطدم بإختبار "المنطقة الأمنية"!