أعلن دونالد ترامب “الغضب الاقتصادي” تيمناً بـ”الغضب الملحمي”، الإسم الرمزي للحرب التي شنّها على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي بالاشتراك مع إسرائيل. اليوم، يُضفي الرئيس الأميركي ووزير الخزانة سكوت بيسنت، بعداً استراتيجياً على “الحرب الاقتصادية”، يتمثل في دفع النظام الإيراني إلى الانهيار بفعل ما يسميانها “أقسى عقوبات في التاريخ”.
لكن اللجوء إلى هذا الحجم من الضغط الاقتصادي الذي يفترض أن تتسع دائرته لتطاول دولاً قد “تُقدّم طوق نجاة” للنظام الإيراني، وفق ما يُهدّد ترامب، يخفي أيضاً علامات ضعف. فالاقتصاد يستخدم الآن بديلاً من الحرب العسكرية التي استنفدت أغراضها، وأدت في الوقت نفسه إلى نقص كبير في الصواريخ الاعتراضية والهجومية على حد سواء، وفرضت على أميركا أن تنقل حاملة الطائرة الوحيدة التي تنشرها في المحيط الهادىء (جورج واشنطن) إلى الشرق الأوسط.
لا يقف الأمر عند حدود إعادة الانتشار العسكري الذي يثير شكوكاً قوية بقدرة أميركا على حماية حلفائها الآسيويين والخليجيين على حد سواء، بل ثمة بلبلة سياسية ناجمة عن مواقف ترامب التي يُهدّد فيها بضرب حليف مثل سلطنة عُمان إذا “وقفت في طريقنا”، ويُخفّض عدد المناورات العسكري مع حليف آخر مثل كوريا الجنوبية لأنها رفضت أن “تشاركنا في نزهة قصيرة بإيران”، ويمتدح خصوماً مثل نظام الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ-أون، الذي وصفه بأنه “يحظى بالاحترام”. ويفرض زيادة 50 في المئة على الرسوم الجمركية بالنسبة للواردات من الجار الكندي.
وإذا كانت دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي شريك تجاري مهم لإيران، أعلنت قطع علاقاتها التجارية والتعاملات المالية مع طهران عشية قرار ترامب، فإن أحداً لا يتوقع أن يتمادى ترامب في “الحرب الاقتصادية” على إيران إلى الحد الذي يمكن أن تطاول شظاياها الصين، وهو يستعد لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي يقوم بزيارة دولة للولايات المتحدة في الشهر المقبل.
والجدير ذكره أن الصين هي أكبر شريك تجاري لإيران، وأكبر مشترٍ لنفطها، وأية عقوبات قد يفرضها الرئيس الأميركي على الصين، ستلقى رداً من بكين، لا قبل لأميركا على تحمله في الوقت الحاضر. ومثال على ذلك، إذا أوقفت الصين تصدير الأتربة النادرة إلى أميركا، فإن الأخيرة ستواجه تحديات كبيرة في ترميم قدراتها الصاروخية وسائر أسلحتها الذكية التي تدخل هذه الأتربة في صناعتها. لقد اضطرت إدارة ترامب لاسترضاء بكين مؤخراً عبر تجميدها صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار.
صحيح أن حملة الضغوط الاقتصادية التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي سابقاً باراك أوباما، هي التي أدت إلى موافقة إيران على “خطة العمل الشاملة المشتركة” (الاتفاق النووي) عام 2015. لكن أميركا لم تكن وحدها، كان تفاوض طهران ضمن مجموعة “خمسة + واحد” لمدة ثلاثة أعوام، وتمكنت من تمرير عقوبات أممية على إيران في مجلس الأمن، بما أوصل الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار، فكان قرار المرشد الراحل آية الله علي خامنئي وقتذاك بالموافقة على الاتفاق النووي.
أما ترامب فذهب إلى الحرب بمعية إسرائيل وتجاهل الحلفاء الأوروبيين والآسيويين والخليجيين، وعاد من بعد ليلومهم على عدم حماستهم لمساعدته على الخروج من مأزق صنعه بيديه.
يصف السفير الأميركي السابق لدى كندا والحاكم الديموقراطي لولاية ميشيغان جيمس جي. بلانشارد هذا الواقع، قائلاً: “إنّه (ترامب) يسيىء إلى أصدقائنا ويتقرّب من أعدائنا. ولو أخبرني أحدهم يوماً أن روسيا هي صديقتنا وأن كندا هي عدوتنا، لقلت له إننا نعيش في عالم مقلوب”. والمعلق في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تسفي برئيل، كتب بأن “ترامب لا يملك أية حلول حقيقية، فهو يبدو وكأنه ملاكم أعمى يوجه اللكمات في الهواء، عندما هدّد بتدمير عُمان، وأعلن بأن هرمز أرضاً أميركية”.
الغرق الأميركي في حرب غير ضرورية مع إيران، استهلاك نصف الصواريخ الاعتراضية من طرازي “باتريوت” و”ثاد” وثلث الصواريخ الهجومية من طراز “توماهوك” في حرب الأربعين يوماً وما تلاها من جولات قتالية متقطعة أملاً في تحقيق نصر سريع، ووقوف أميركا عاجزة عن فتح مضيق هرمز بالقوة، على رغم ما أصاب إيران من دمار في أسلحتها واقتصادها، عمّق إلى حد كبير انعدام الثقة بأميركا كحامية للنظام الدولي الذي صنعته قبل ثمانية عقود، ودفع إلى الاستنتاج بأن هذا النظام نفسه قد بات من التاريخ. يسري ذلك على الحماية التي دفعت دولٌ عديدة في المنطقة لأجلها آلاف المليارات من الدولارات طوال عقود، لتجد نفسها في نهاية المطاف بلا أي غطاء عسكري أو أمني.
وفي هذا المقام، يستشهد مدير “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” مارك ليونارد في مقال بمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، بوزير الخارجية الأميركي الراحل هنري كيسنجر، عندما أكد أن النظام العالمي يستند إلى ركيزتين: الأولى، توازن قوى يتسم بقدر معقول من الاستقرار، والثانية، مجموعة من القواعد المتفق عليها في شأن ما يجوز للدول القيام به وما لا يجوز. واليوم، تتداعى هاتان الركيزتان، ومن غير المرجح أن يتسنى تعزيزهما أو إعادة بنائهما في المستقبل القريب.
واستطراداً، هناك خلاصة توصل إليها أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن مارك لينش، هي أنه “أصبح من الشائع وصف حرب إيران بأنها لحظة السويس بالنسبة لواشنطن”، في اشارة إلى حرب السويس عام 1956 وما تلاها من انحسار لنفوذ بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط في السنوات اللاحقة على الحرب التي شنّتها الدولتان على مصر بالاشتراك مع إسرائيل عامذاك، وهو التاريخ نفسه الذي دشّن لبداية الهيمنة الأميركية على المنطقة. ويرى لينش أن الهيمنة الأميركية “لن تتلاشى على الفور أيضاً، غير أن الشكوك المتنامية منذ أمد طويل بشأن القوة الأميركية وغايتها، قد تجاوزت نقطة التحول الحاسمة”.
تعزيزاً لهذه الفرضية، كشف تقرير نشرته صحيفة “الواشنطن بوست” الأسبوع الماضي، أن “البنتاغون الأميركي يعكف على تقييم وجوده العسكري في الشرق الأوسط، استباقاً لاحتمال أن تؤدي حرب إيران إلى تغيير طبيعة الوجود الأميركي في المنطقة”. ولاحظ الديبلوماسي الأميركي السابق مايكل راتني أن “الحرب (ضد إيران) سلّطت الضوء بالفعل على مدى انكشاف القوات الأميركية في المنطقة”.
وإذا كانت المرحلة الحالية من الصراع مع إيران، هي الحرب الاقتصادية، فإن تأثيرات هذه الحرب ستقع بالدرجة الأولى على عاتق الإيرانيين العاديين، بينما بات النظام متمرساً في التكيف مع العقوبات. وبحسب الخبيرة في الشؤون الإيرانية في معهد “بروكينغز” سوزان مالوني: “لن تنجح الضغوط الاقتصادية إلا إذا كانت قدرتنا (الولايات المتحدة) على الصمود تفوق قدرة النظام الإيراني، وليس من الواضح أن هذا رهان مضمون. لقد تشكل الاقتصاد الإيراني بفعل الضغوط الاقتصادية الأميركية”.
لا شك في أن بعض القادة الإيرانيين يشعرون بقلق عميق إزاء احتمال دفع إيران إلى كارثة اقتصادية، ولذلك يؤيدون التوصل إلى اتفاق ديبلوماسي مع واشنطن، وفي مقدم هؤلاء الرئيس مسعود بزشكيان الذي يدعو إلى التفاوض وإيران “هي اليوم في موقع القوة”. بيد أن المسؤولين السبعة (بينهم ستة جنرالات) الذين عهد إليهم المرشد مجتبى خامنئي إدارة النزاع مع أميركا، يتمسكون بالسيطرة الفعلية على مضيق هرمز، ويلوحون بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم لكسر الحصار، ويرون أن المضيق أهم عنصر ردع في يد إيران لمنع نشوب حرب أخرى ضدها. أحد أسباب الهجوم الياباني على بيرل هاربور في العام 1941، كان الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على واردات اليابان من النفط. اليوم، حتماً نحن أمام مشهد مختلف، إذ تفرض أميركا حصاراً على صادرات إيران النفطية، وهذا ما قد يؤدي بإيران إلى أن تبادر عسكرياً لتغيير الواقع. ولا تستبعد تهديدات الحرس الثوري دول الخليج من حساباتها. وتوجه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الجنرال محسن رضائي إلى الدول المحيطة بإيران قائلاً: “لا تدخلوا في الحرب الاقتصادية ضد إيران، وأي دولة تدخل فيها سنعتبرها عدواً. سنتفاوض معها أولاً كي لا تفعل ذلك، وإذا واصلت، فسنستهدف تلك الدولة». وأضاف: «إذا بدأوا مثل هذا الإجراء، فلن نسمح بمرور قطرة نفط واحدة عبر مضيق هرمز».
وفي مقارنة أجرتها مجلة “الإيكونوميست” البريطانية مقارنة بين القيادة الإيرانية الجديدة بزعامة مجتبى خامنئي والقيادة السابقة بزعامة علي خامنئي، خرجت باستنتاج أن “جميع المراقبين يتفقون على وجود نمط جديد للقيادة، فقد عمل علي خامنئي، على مدى أربعة عقود تقريباً، على الموازنة بين المصالح المتعارضة داخل نطاق سلطته، مُرجحاً كفة الإصلاحيين تارةً والمتشددين تارةً أخرى. وفي المقابل، يميل القادة الجدد إلى العمل المباشر والحاسم، وقد يندم الإيرانيون – والعالم بأسره – يوماً ما على رحيل علي خامنئي عن المشهد”.
